صباح يوم العيد

حصري لصفحة روايات رولا
صباح يوم العيد، العيلة كلها أخدت هدايا وعيديات إلا أنا. حمتي نادية هزرت وقالت بقلة ذوق: “شكلك كدة مش في الكشف السنة دي!”، وجوزي شريف قعد يضحك. أنا ببساطة ابتسمت وقلت: “مش مشكلة خالص.. أنا جايبالكم كلكم حاجة مخصوصلكم.” بس ابتسامتهم واختفت أول ما فتحوا الهدية.
​مديت إيدي في الشنطة، طلعت ظرف صغير، واديته لأمه.
​”كل سنة وانت طيبة يا نادية.”
​الابتسامة اختفت من على وشها في نفس اللحظة اللي قرأت فيها اللي جوة الظرف.
​لأني بقالي 3 سنين بانتظام بيدفع واحدة من أكبر الفواتير اللي مخلياها عايشة ومستريحة في بيتها.
​وفي العيد ده، قررت أخيراً إني أوقف كل ده.
​أنا اسمي إيمان، عندي 32 سنة، ومتجوزة من شريف بقالي 4 سنين.
​لما اتعرفنا على بعض في الأول، كنت فاكرة إني لقيت شريك حياتي بجد.
​شريف كان ذكي، طموح، دمه خفيف، ومستقل بنفسه.
​أو على الأقل، ده الراجل اللي أنا افتكرت إني اتجوزته.
​المشكلة إن الجواز من شريف تحول مع الوقت لكأني اتجوزت عيلته كلها.. وبخاصة أمه.
​نادية كانت طيبة ومرحبة بيا جداً أول ما اتقابلنا.
​كانت بتقول للكل إني ممتازة، وتناديني “ست البنات”، وطول الوقت تتكلم عن قد إيه شريف محظوظ بيا.
​وقتها افتكرت إنها بتحبني من قلبها.
​لحد ما عرفت طبيعة عيلتي وأهلي.
​أنا تربيت في عيلة مستورة وميسورة المادية.
​مش بشكل فج أو فيه منظرة، بس أهلي كانوا مرتاحين لدرجة إني عمري ما شلت هم إيجار، أو مصاريف تعليم، أو سفرية.
​بس أنا عمري ما اعتمدت على أهلي.
​أنا بنيت شغلي بنفسي، اشتغلت، وكسبت قرشي من تعبي، وعمري ما عرفت نفسي بفلوس أهلي.
​لكن نادية ما كانش يفرق معاها التفرقة دي.
​أول ما عرفت إن أهلي مرتاحين، بطلت أكون “إيمان”.. وبقيت “إيمان الغنية”.
​الكلام والتلميحات بدأوا بالتدريج:
​”أكيد يعني عمري ما اتعلمتي تطبخي.”
​”أراهنك إنك عمرك ما شيلتي هم ميزانية البيت.”
​”يا بختك والله تشتري اللي أنتي عايزاه.”
​في الأول كنت بضحك، بس بعد كدة الهزار بقى بيلسع.
​في مرة قالتها بوضوح: “أنا لحد دلوقتي مش فاهمة ابني عاجبه إيه في واحدة دلوعة أوي كدة.”
​شريف كان قاعد وسمعها.. وما فتحش بقاه.
​كان المفروض ألاحظ ده من بدري.
​مع الوقت، لاحظت إن أسلوب شريف هو كمان بدأ يتغير.
​لو طلبنا أكل غالي من برة—حتى وأنا اللي دافعة حقه من جايبي—كان يلوى بوزه.
​لو اتكلمت عن نجاح في شغلي، كان يتعامل وكأن النجاح ده مفروش لي بالورد وجايلي على جاهز.
​بعد كدة بدأت الطلبات.
​أهله كان عندهم مشكلة في دفع قسط الشقة والكيمبيالات، وشريف سألني لو أقدر أساعدهم.. ووافقت.
​قلت العيلة لبعضها وده الطبيعي.
​بعدها احتاجوا أجهزة للمطبخ.. وبعدها مساعدة في عربية.. وبعدها مصاريف طارئة مالهاش آخر.
​وفجأة، جملة “ممكن تساعدي المرة دي بس؟” تحولت لحاجة مفروضة عليا ومستنيينها مني.
​نادية بطلت حتى تقولي شكراً، وبقت تتعامل مع مساعدتي على إنها جزء من واجباتي ومسؤولياتي نحوهم.. وشريف عمري ما صلحلها الفكرة دي.
​في ليلة، قلت لشريف وأنا تعبانة: “أنا شايلة كتير أوي مادياً والتعب زاد عليا.”
​ما تكلفش حتى يبصلي وهو ماسك الموبايل وقال: “ما أنتي معاكي فلوس ومرتاحة، مكبرة الموضوع على إيه؟”
​الجملة دي غيرت حاجة جوايا.
​فجأة فهمت.. الموضوع مش فارق معاه لأنه بطل يشوف اللي بعمله على أنه كرم وجدعنة.. بقى شايفه حق مكتسب وأوتوماتيكي.
​عشان كدة بدأت ألم إيدي.. بالسكات.
​بطلت أحل كل مشكلة مادية تخص عيلته.
​بطلت أعرض مساعدتي.
​وبدأت أركز بس في المصاريف اللي تخصني أنا بجد.
​شريف ما أخدش باله.. بس نادية لاحظت فوراً.
​وده ينقلنا ليوم العيد.
​كل سنة بنقضي العيد عند أهل شريف. عمري ما كنت بحب القعدة دي، بس بروح عشان أتفاضى المشاكل والدراما.
​أول ما نادية فتحت الباب السنة دي، عرفت إن فيه حاجة مش مظبوطة.. كانت شكلها مبسوط زيادة عن اللزوم بوجودي.
​البيت كان متظبط وزي الفل.. أنوار وشكل مبهج وريحة كحك وبخور. بس الجو كان خنيق.
​طول الغدا، نادية كانت كل شوية تجيب سيرة قد إيه السنة دي كانت “صعبة” مادياً.
​كل مرة تقولها تبصلي.. وأنا فاهمة هي تقصد إيه كويس، تقصد إني بطلت أصرف وأغطي الليلة.
​شريف ما اتكلمش معايا خالص، وكان طول الوقت قاعد مع أبوه وأخوه.
​بعدها الكل اتجمع في الصالة عشان الهدايا والعيديات.
​نادية أدت شريف علبة شيك.. وأخوه أخد واحدة.. وجوزها أخد هدية.. ومرات أخوه أخدت هدية.. والأولاد الصغار كان عندهم كوم هدايا.
​ورق اللف كان مالى الأرضية، والكل بيضحك.
​وأنا قاعدة ساكتة على الكنبة.
​لحد ما استوعبت إن مفيش أي حاجة ليا.. ولا حتى كارت معايدة.
​نادية لاحظت اللحظة اللي فهمت فيها.. وابتسمت.
​قالت بلؤم: “يا حبيبتي! هو إحنا نسينا حد ولا إيه؟”
​شريف ضحك.
​الضحكة دي وجعتني أكتر من عدم وجود هدية.
​أنا مش محتاجة منهم حاجة، الموضوع مش موضوع هدية.. الموضوع إن الحركة كانت مقصودة 100%.
​كانوا عايزينني ألاحظ.. كانوا عايزينني أحس إني غريبة ومش منهم.
​عشان كدة ابتسمت وقلت: “ولا يهمك خالص.”
​ابتسامة نادية وسعت، فكملت كلامي: “أنا ما نسيتكمش.”
​ملامحها اتغيرت.
​مديت إيدي في الشنطة وطلعت ظرف صغير: “كل سنة وأنتم طيبين.”
​ترددت قبل ما تاخده.. وبعدها فتحته.
​وشها اتخطف في ساعتها.
​شريف مال على كتفها: “إيه ده يا أمي؟”
​رديت أنا: “ده إخطار رسمى.”
​نادية قرأت الورقة تاني.
​بقالي 3 سنين بدفع أقساط الشقة اللي مخلية أهله قاعدين ومستريحين فيها.. وأنا كنت خلاص رتبت مع البنك إن الأقساط دي تقف. والظرف ده كان مجرد إثبات وتأكيد للقرار.
​نادية بصتلي بذهول: “أنتي ما تقدرش تعملي كدة!”
​”أنا عملت خلاص.”
​الصالة كلها هديت والزيطة وقفت.
​سندت ظهري وقولت: “لسنين طويلة، أنا كنت بساعد في مصاريف البيت ده، كنت بساعد لأني بحب شريف ولأني اعتبرتكم عيلتي.”
​ما ردتش.
​”بس في السكة، المساعدة دي بقت فرض عليا وأنتي مستنياه مني كأنه حقك.”
​وش نادية جمد، وشريف اتقمص وقال: “إيه الجنان ده يا إيمان؟”
​”جنان؟”
​”أنتي بتعملي كدة عشان ما أخدتيش هدية في العيد؟”
​كنت هضحك من السطحية: “الموضوع ملوش أي علاقة بهدية.. الموضوع له علاقة بإني قاعدة هنا وعيلتك بتستقصد بقلة ذوق تطردني وتتجاهلني، وأنت جوزي قاعد بتضحك معاهم.”
​نادية هزت رأسها: “أنتي أنانية.”
​هزيت رأسي بالراحة: “يعني أنا بقيت أنانية عشان بطلت أدفع من جيبي مصاريف واحتياجات عمرها ما كانت مسؤوليتي؟”
​”أنتي معاكي أكتر من كفايتك!”
​”وده يخلي فلوسي حلال لكم يعني؟”
​ما عرفتش ترد.
​شريف وقف: “بس الموضوع ده بيمسني أنا كمان!”
​”عارفة.”
​وشه اتشد: “إحنا متجوزين!”
​بصيت في عينه مباشرة: “لحد دلوقتي.”
​الكلمة سكتته تماماً.
​نادية لفت لابنها بسرعة: “شريف! اتكلم معاها! خليها تصلح العك ده!”
​والجملة دي لخصت كل حاجة.
​مش “اعتذريلها”.. مش “اسأليها هي زعلانة ليه”.. مش “نصلح العلاقة”.. لا، “خليها تصلح الفلوس”.
​شريف بصلي: “إيمان، ممكن نتكلم في الموضوع ده بعدين؟”
​”لا.”
​وقفت وأخدت شنطتي: “أعتقد إحنا اتكلمنا في الموضوع ده لسنين.”
​وبعدين ابتسمت للبيت كله: “كل سنة وأنتم طيبين، أتمنى الكل يستمتع بهداياه.”
​ومشيت وخرجت برة البيت.
​ورايا كنت سامعة الأصوات بدأت تعلى وتتخانق.
​موبايلي بدأ يرن قبل ما أوصل للعربية.. شريف.
​تجاهلت أول مكالمة، فبدأت الرسائل تنزل:
​ارجعي جوة.
​لازم نتكلم.
​أنتي بتكبري الموضوع على الفاضي.
​معقولة هتمشي وتخربي الدنيا عشان هدية عيد؟
​بصيت للرسالة الأخيرة.. لسة مش فاهم ولا مستوعب أي حاجة.
​فجأة واحدة وقفت قدام عربيتي.. نادية.
​نزلت الشباك حاجة بسيطة: “لو سمحتي يا نادية ابعدي عن العربية.”
​”لازم نتكلم.”
​”أعتقد اتكلمنا بما فيه الكفاية.”
​ربعت إيدها: “أنتي مش فاهمة أنتي بتعملي إيه!”
​”لا فاهمة كويس جداً.”
​”البيت ده هو بيت عيلة شريف، لما تعملي كدة فينا يبقى بتعمليه في جوزك هو كمان!”
​”ده مش عقاب يا نادية.”
​”أوه، بحسب!”
​”لا يا نادية، دي حدود أنا بحطها لنفسي.”
​بصتلي بغل: “كل ده عشان شوية دراما في العيد!”
​قلت بهدوء: “الموضوع مش عيد.. الموضوع إنك مستنية مني أصرف وأشيل ناس مبيحترمنيش وبيبنوا لي كرههم بوضوح.”
​ولأول مرة، نادية ما لقتش رد.
​كملت كلامي: “من حقك مالبتحبنيش يا نادية.. بس مش من حقك تكرهيني وفي نفس الوقت تشوفي إن لكِ حق في فلوسي.”
​رجعت خطوة لورا: “الموضوع ده مش هيعدي كدة.”
​”عارفة.”
​ودوست بنزين ومشيت.
​لما وصلت البيت، كان هادي جداً.. ولأول مرة من شهور، القعدة لوحدي كانت مريحة وفيها سلام نفسي.
​بعد شوية، باب الشقة اتفتح ودخل شريف.
​كان متضايق، وبس تحت الضيق ده كان باين عليه إنه مهدود ومكسور.
​”إيمان.. إيه اللي عملتيه هناك ده؟”
​”أنت عارف كويس إيه اللي حصل.”
​”أنتي كسفتيني أحرجتيني قدام أهلي!”
​بصيت له: “هو ده بس اللي فارق معاك؟ إينك اتحرجت؟”
​سكت، فكملت: “عشان لما أمك استقصدت تحرجني وتكسفني وأنت قعدت تضحك، ما كانش فارق معاك خالص إذا كنت أنا اتحرجت ولا لأ.”
​شريف حط إيده على دماغه: “أنتي كدة بتجبريني أختار بين مراتي وبين أمي!”
​هزيت رأسي: “لا يا شريف.. أنت اخترت من بدري أوي قبل النهاردة.”
​”ده مش عدل!”
​”كل مرة أمك كانت ترمي كلمة وأنت تسكت، كنت بتختار.. كل مرة أهلك يطلبوا فلوس وتستنى مني أنا إني أحلها، كنت بتختار.”
​”أنا عمري ما غصبتك تدفعي حاجة!”
​”صح..” وديه الحقيقة: “أنت ما غصبتنيش.. بس كنت مبسوط ومستريح وأنا بعمل كدة.”
​سكت وما ردش.
​في الآخر قال بصوت واطي: “أنا مش عارف أنتي عايزاني أعمل إيه.”
​ودي كانت أكتر حاجة تحزن.. بعد 4 سنين جواز، لسة مش عارف.
​”كنت عايزاك تتصرف كـ جوزي.”
​شريف قعد: “أنا كنت بحاول أراضي الكل وأحافظ على السلام.”
​”بس أنت ما كنتش بتمشي الدنيا بالعدل.. أنت كنت بترضي أمك لأنك عارف إني أنا اللي هسكت وأستحمل.”
​كان باين عليه التعب، وبعدين قال بالراحة: “يمكن إحنا محتاجين نبتعد عن بعض شوية وناخد مسافة.”
​الكلمة وجعتني أكتر ما توقعت.. بس بعد ثانية، حسيت إنه عنده حق.
​”يمكن فعلاً محتاجين كدة.”
​شريف اتفاجأ: “إيمان—”
​”لو أنت محتاج مسافة عشان تقرر إذا كانت جوازتنا تستاهل إنك تحط حدود لأهلك ولا لأ، يبقى إحنا عندنا مشكلة أكبر بكثير من مصاريف العيد.”
​وطلعت الأوضة فوق.
​الفيلم ده كان بداية النهاية.
​مش عشان ما أخدتش هدية في العيد.. ولا عشان قسط الشقة.
​بس لأني لأول مرة، بطلت أصلح وأشيل كل حاجة، عشان أشوف إيه اللي هيتبقى لما الفلوس تختفي وتتشال من المعادلة.
​بعدها بكام أسبوع، شريف اتصل بيا واتقابلنا في كافيه.
​كان شكله تعبان ومجهد: “أنا أسف.. كان المفروض أقف جنبك وأدافع عنك.”
​سمعته وما اتكلمتش.
​”أمي طول عمرها شخصيتها طريقتها مع معقدة وصعبة.. وأنا افتكرت إن شراء الدماغ أسهل.”
​”عارفة.”
​”ما كنتش متخيل إن الموضوع وصل للدرجة دي.”
​”لا، أنت كنت عارف.. بس ما كنتش عايز توجع دماغك وتواجه.”
​ودي كانت أكتر كلمة صادقة قالها.
​ما بقيتش زعلانة ولا متغاطة.. أنا كنت بس تعبانة.
​”أنا قضيت سنين بساعد أهلك،” قلتله: “وعملت كدة لأني كنت فاكرة إننا بنبني حياة مع بعض.. بس مع الوقت، بقيت أنا الشخص اللي الكل مستني منه يحل المشكلة الجاية.”
​كان باين عليه الندم بجد: “أنا قصرت في حقك.”
​”أيوة.”
​ما كنتش بحاول أوجعه، بس ما بقاش عندي طاقة أجمل الحقيقة.
​”أنا مش راجعة يا شريف.”
​بصلي بذهول لثواني.. وبعدها هز رأسه بالراحة.
​عدى كذا شهر من وقتها.
​عايشة في هدوء وسلام نفسي أكتر بكتير ملي كنت متوقعة. بقيت بقضي وقتي مع ناس بيحبوا وجودي لنفسي، مش للخدمات اللي أقدر أقدمها.
​شريف بيعتلي رسالة كل فترة، وبتمناله الخير.. بس ما بقيتش حاسة بأي مسؤولية إني أصلح علاقته بأهله، وأكيد مش مسؤولة إني أصرف عليها.
​أما نادية والبيت؟
​أنا وقفت أقساط الشقة تماماً.. وشريف كلمني تاني بعدها لأن أهله مش عارفين يسددوا الأقساط وبيدبسوا، وسألني لو أقدر أساعد.
​قلت: “لا.”
​مش بزعاق، ولا بدراما.. مجرد “لا”.
​لأن فيه فرق كبير جداً بين إنك تساعد حد بجد وبحب، وبين إنك تشيل ناس لمجرد إنهم أقنعوك إن ده فرض وواجب عليك.
​أنا اتعلمت الفرق ده متأخر للأسف.. لسنين كنت فاكرة إن الحب يعني العطاء.. والعطاء.. والعطاء.
​بس الحب من غير احترام في الآخر بيبطل يكون حب.
​أوقات، أهم حاجة تقدمها لنفسك مش إنك تدي فرصة تانية عشان “تشتري دماغك وتعدي الدنيا”.. أهم حاجة تقدمها لنفسك هي إنك تدي لنفسك الإذن إنك تتوقف عن دفع ثمن راحة الآخرين على حسابك.
​وفي صباح يوم العيد ده، وأنا قاعد في صالة الكل فيها أخد هدية إلا أنا.. أنا أخيراً أديت لنفسي الهدية دي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *