التكملة
الدكتور بص في الأرض بحذر، وبعدين رفع عينه في عيني وقال بصوت هادي:
— يا مدام فريدة، البرد القارس وانخفاض درجة حرارة الجسم للدرجة اللي وصلتلها، مع صدمة الرعب والتوتر اللي مريتي بيه… أثروا بشكل كبير على الحمل. للأسف، إحنا قدام خطر حقيقي وتهديد بالإجهاض.
حسيت إن روحي بتتسحب من جسمي. دقات قلبي اتخبطت في صدري بجنون، وشهري اتقفل.
— بس… بس ابني كويس؟ صح؟ قل لي إنه عايش!
— نبض البيبي لسه موجود… بس ضعيف جداً، وبيحارب بالعافية. محتاجة راحة تامة ومتابعة دقيقة لحظة بلحظة، وأي انفعال أو صدمة تاني ممكن تنهي كل حاجة في ثواني.
الدكتور سابني وخرج، وأنا فضلت قاعدة مبلمة، باصة لفراغ الحيطة. الدموع نزلت من عيني بغزارة، بس المرة دي مش من الوجع ولا من البرد… دي كانت دموع قهر وغضب أسود.
الراجل اللي كان مفروض يحميني، اللي جوزير وحبيبي وأبو ابني… كان على وشك يقت\ل ابنه ببيان قسوة وجهل عشان يرضي ست زفتة زي شهد!
لو كان حمزة عرف بالحمل… لو كان عرف إن فيه روح تانية بتكبر جوايا، كان هيعمل إيه؟ كان هيحبسني في قصره المنيع، هيحاصرني بسلطته وبطشه وسط عالم المافيا والدم بتاعه، وكان هيحرم ابني من الهوا والحرية زي ما عمل معايا بالظبط فوق الجبل.
في اللحظة دي، الخوف اللي كان جارجني طول السنين اللي فاتت اتحول لحديد ناشف جوايا.
مستحيل أخليه يعرف بالبيبي. مستحيل أربّي طفلي في عالم كله قسوة وجبروت وجرائم.
وفجأة… باب الأوضة اتقلع من مكانه واتفتح بعنف.
حمزة دخل الأوضة، ملامحه ناشفة وعيونه مليانة غضب واستعلاء. بصلّي وكأنه لسه بيلومني إني عملت كل ده عشان ألفت انتباهه.
— خلصنا دراما وألاعيب يا فريدة؟ الدكتورة بيقولوا حالتك مستقرة، قومي البسي عشان نرجع القصر. شهد قاعدة مستنيانا في العربية ومقهورة من اللي عملتيه في نفسها.
بصيت له.
لأول مرة في حياتي، مبصيتش لحمزة بحب أو خوف… بصيت له وكأني باصص لغريب مقزز ومرعب، غريب ملوش أي أمان.
— مش راجعة معاك يا حمزة.
حمزة ضيق عيونه، وخطا خطوتين ناحية السرير بصوت جزمة بيخبط على الأرض بقوة:
— انتي بتقولي إيه؟ اعدلي كلامك، أنا ما بحذرش مرتين.
— وأنا ما بقيتش أخاف من تحذيراتك ولا من جبروتك يا زعيم المافيا. بينا انتهى خلاص. أوراق الطلاق هتجيلك على مكتبك بكره الصبح، ولو حاولت تقرب لي أو تقف في طريقي… هعرف أوريك وش تاني خالص، وش ما تتخيلش إنه موجود في فريدة الطيبة اللي كنت تعرفها.
حمزة وقف مكانه متجمد، ملامحه اتفاجئت وكأنه اتضرب على دماغه بماسورة حديد. فتح بوقه عشان يتكلم، بس أنا مديت إيدي وقسّيت ملامحي في وشه.
— اخرج بره اوضتي… وبرا حياتي كلها للأبد.
خرجت من المستشفى بعدها بيومين، ومعايا سر واحد بس هو اللي كان بيكبر جوه بطني وبيديني القوة: ابن حمزة بقى بتاعي لوحدي، بعيد عن عيونه، بعيد عن إمبراطوريته السودا، وبعيد عن أي جحيم تاني كان ممكن يحرقنا سوا.