اوحش اوضة 4-5-6الاخير

حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الرابع:
​”إحنا في نص العشاء!” كريم قالها وهو بيقطع الكلام بضايق، “هنبقى نطلع بعدين.. بكرة الصبح تمام قوي.”
​ماريسول بصتلي، وبعدين بصت لآدم بقلق واضح، وصوتها فيه رجفة بسيطة:
“ماينفعش نسيبها لبكرة لو السور سايب فعلاً.”
​رفعت كيس صغير في إيدها فيه مسمارين طوال وكتف حديد:
“المسامير دي طلعت من مكانها.. ومش عارفين إزاي.”
​انت مش محتاج تحقيق عشان تعرف مسامير البلكونة بتطلع إزاي.. انت محتاج بس تتخيل شكل واحد قاعد فوق السور كأنه قاعد على كرسي بار عشان بيتصور صورة للإنستجرام.
​أبويا شاور بصباعه في الهواء بقلة صبر:
“لو الصيانة كانت عملت تشيك مظبوط قبل ما الضيوف توصل…”
​آدم قطعه بأسلوب هادي وراقي، ورفض إنه يرمي التهمة على حد من غير دليل:
“إحنا هنأمن المكان دلوقتي يا فندم.”
​وبعدين بصلي وبصته فيها سؤال تاني:
(يا سليم بيه.. تحب أتعامل مع الموضوع ده بالراحة وفي السكيتي، ولا حابب تحط حاسمة قدام عيلتك؟)
​حسيت بتركيز القاعة كلها عليا.
​وحسيت بالموظفين والعمال برضه، وهم بيوزنوا الأمور عشان يعرفوا هل الإدارة هتدعمهم وتدير المكان بجد لما حد يقرر إن القواعد والتتعليمات دي مجرد خيارات اختيارية؟
​القواعد مش أسوار معمول عشان تضايق الزباين.. القواعد دي درابزين عشان نضمن إن محدش يقع.
​”بعد إذنك يا آدم، نسق مع الأمن،” قولتله: “لو مش عارفين ندخل السويت دلوقتي، ننقلهم مؤقتاً لأوضة ثانية لحد ما الصيانة تخلص. الأمان بييجي قبل الراحة.”
​كريم ضحك بذهول ومش مصدق:
“انت بتهزر صح؟! إحنا مش هننقل عشان كام مسمار يعني! إحنا محجوزلنا أوضة بفيو على البحر.. هما الموظفين بتوعك ماينفعش ينجزوا في ثواني وخلاص؟”
​بص لعمتي عفاف يدور على حد يسنده:
“قوليله يا عمتي.. إحنا المجموعات اللي دافعين فلوس هنا!”
​عمتي عفاف هزت رأسها بثقة وتشجيع:
“أيوة طبعاً، إحنا مش هنكركب الدنيا وننقل شنطنا،” قالتها لآدم وكأنها بتصدر قرار للموظفين في حفلة هي اللي منظماها، “إحنا عندنا حجز هنا!”
​المديرة قالت بمنتهى الهدوء:
“والحجز بييجي معاه مسئوليات يا فندم.. السكوت في أوقات الراحة، الأمان، الالتزام بالقواعد، واحترام الموظفين. وإحنا بنطبق ده على الكل من غير استثناء.”
​نبرتها كانت هادية ومستقيمة، وعشان كانت مستقيمة.. فرضت احترامها.
​أبويا فكه اتشنج:
“خلاص بقى!” قالها: “إحنا زادت مننا قوي في القواعد واللوائح دي! إحنا عيلة.. مش محتاجين نمشي بالقلم والمسطرة.”
​بصلي بالبصة القديمة إياها.. البصة اللي معناها: (ارجع لورا.. سيبني أنا أسوق الموقف، وإحنا هننهي الموال ده بطريقتي أنا).
​قبلت بصته من غير ما أتهز:
“لا.. هنمشي بالقلم والمسطرة،” قولتله: “عشان كده أصلاً القواعد والكتب دي اتعملت.”
​على الناحية الثانية من التربيزة، عينين نور بدأت تحن شوية.
​”سليم..” قالتها بصوت أهدى كتير، وموجه ليا أنا مش للقاعة كلها: “ليه ما قولتيلناش؟”
​السؤال ماكانش فيه اتهام.. كان فيه فضول حقيقي.
​أخدت نفس عميق.. لأني كنت عايز أبني حاجة من غير ما أضطر أقدم تبرير لكل قرار بآخده.
​”عشان ماكنتش عايز أسمع إن مشيي جنب الحيط ده جبن وقلة حيلة، وفي نفس اللحظة أتعامل كأني كارت البنك المتاح في أي وقت عشان أدفع المصاريف لمجرد إنها مريحة ليكم.. كنت عايز حتة واحدة بس في حياتي ما أكونش فيها الأداة المعتمدة اللي بتستغلوها من غير ما تفكروا.”
​خروج الكلام ده بصوت عالٍ فك عقدة مكتومة في صدري كنت شالها من زمان قوي.
​السكوت نزل على التربيزة وقعد معانا.
​الويتر دخل بالراحة يشيل طبق وخرج تاني بسرعة، وهو بيقرا جو القاعة أسرع من الأرصاد الجوية.
​عمتي عفاف كانت أول واحدة تفوق من الصدمة.
​”يا سيدي تمام!” قالتها وهي بتحاول تلطف الجو: “الكلام مؤثر جداً، بس إحنا في أجازة.. بلاش نقلب القعدة محكمة!”
​ظبطت المنديل على رجلها، وبعدين عرضت حل وسط من النوع اللي هي بس اللي ممكن تقبله:
​”إيه رأيكم في ده؟ نسيب الأوض زي ما هي، ونمضي على أي ورقة تخص البلكونة، وكل واحد يوعد إنه هيبقى مؤدب وشاطر!”
​وابتسمت لآدم:
“وننسى بقى اللخبطة الصغيرة اللي حصلت من شوية دي.”
​عينيها راحت لفايل الجلد كأنه مجرد شوية مناديل ورق.
​تليفون آدم عمل فايبريشن مرة واحدة.
​بص فيه، وبعدين بصلي.
​”الريسبشن بلغني دلوقتي،” قالها بحذر: “في كارتين من الكروت المتروكة في الحجز اترفضوا في الخصم المبدئي (Pre-authorization).”
​”ده بيحصل عادي،” ضافها بسرعة بأسلوب مهني وراقي: “نقدر نحلها بسهولة، بس إحنا محتاجين وسيلة دفع شغالة لكل أوضة قبل نص الليل حسب تعليمات الفندق.”
​كانت حاجة صغيرة، إجرائية، وعادية.. لحد ما التربيزة استوعبت معناه إيه.
​ابتسامة عمتي عفاف اتجمدت.. وزادت في التجمد ثانية زيادة عن اللزوم.
​أبويا كان شكله متضايق جداً من فكرة إن السيستم أو أي حاجة في الدنيا ممكن ترفضله طلب.
​”جربوهم تاني!” قالها بعصبية: “ده عطل في السيستم عندكم أكيد!”
​آدم هز رأسه:
“جربناهم مرتين زي ما السيستم بيطلب بالظبط.”
​كريم رجع بضهره وطلع لقدام تاني:
“وبعدين يعني؟ هتطردونا؟ عشان الحساب المبدئي ما خصمش؟”
​بصلي ورفع دقنه كأنه لقى نقطة ضعفي:
“يلا يا معلم.. بلاش تستخبى ورا القواعد واللوائح دلوقتي! إحنا عيلتك برضه!”
​كلمة “عيلتك” نزلت بوقع مختلف تماماً عن اللي كان يقصده.
​ما حسيتش إنها حبل أتمسك بيه..
​حسيت إنها إيد بتزقني.
​بصيت على تيم الأمن اللي واقف عند الباب.. مش واقفين بتهديد، بس مجرد وجودهم مالك المكان.
​بصيت لماريسول اللي ماسكة كيس المسامير الصغير.
​بصيت للمديرة اللي واقفة ثابته زي الجبل.
​وبعدين رجعت بصيت للناس اللي ربوني وعلموني إن الدنيا بتتلين لما تضغط عليها بقوة.
​”أهو ده اللي هيحصل بالظبط،” قولت بنبرة ثابته ومش مستعجلة.. كل كلمة طالعة خفيفة ومحسوبة زي كاس محطوط بدقة على المفرش.
​”أولاً: الأمان هييجي قبل أي حاجة.. سويت 506 هينزل منه الشنط فوراً عشان الصيانة تظبط السور.”
​”هننقلكم لأوضة ثانية للنهاردة.. وبكرة أول ما المكان يبقى أمان، تقدروا ترجعوا.”
​الجزء الخامس:
​”ثانياً: كل أوضة هتحط كارت البنك الخاص بيها عشان المصاريف الجانبية.. أنا هشيل كارتي من المجموعة خالص، وده العادي.”
​”ثالثاً: مافيش تريقة تاني على حساب الموظفين أو على أوض بعض.. لو حد عنده طلب، يطلبه بأدب وحاوة.. ولو حد عنده شكوى، يتفضل يطلع للريسبشن ويتكلم زي الكبار.”
​سكت ثواني.. مش عشان أهدد، بس عشان شكل السهرة يبقى واضح للكل.
​”لو الكلام ده مش مناسب ليكم.. إحنا ممكن ننهي إقامتكم دلوقتي ونعمل إجراءات الخروج (Check-out) الليلة دي.”
​عمتي عفاف اتنهدت بعصبية:
“سليم!” قالتها كأن اسمي ده ذراع بتشده عشان ترجعني لحجمي القديم: “انت أكيد مش بتتكلم جد! إحنا مسافرين بقالنا ساعات، وعندنا ترتيبات، وإحنا عامليين حجز هنا!”
​نور كانت باصة لإيديها، وبعدين رفعت عينها وبصتلي بسؤال ماكانش عن الأوض خالص.
​عينين أبويا بردت وفيها ضغط وقسوة أنا حافظهم كويس.
​”انت مبسوط وانت بتعمل كده،” قالها.
​الاتهام اتحدف على التربيزة زي عملة معدنية.
​”انت طول عمرك مستني اللحظة اللي تكون فيها صاحب الكلمة والعليا عليينا.”
​قرب مني:
“دي مش إدارة يا سليم.. دي نفسنة وقلة عقل.”
​”أنا مش مبسوط خالص،” قولت بأسلوب هادي جداً.
​وفعلاً ماكنتش مبسوط.
​أنا قضيت سنة كاملة بتأكد إن الناس الغريبة تحس بترحيب وراحة هنا.. مش هسمح لعيلتي تصغر المكان أو تقلل منه.
​كرسي كريم اتكركب وهو بيقوم نص وقفة، وبعدين قعد تاني.. محتار بين التمثل وشغل النمر وبين الحسبة العملية.
​”ماشي يا سيدي!” قالها وهو بيمد إيده يجيب كارت الأوضة ويرميه تاني على التربيزة: “انقلنا.. بس إحنا مش هنعتذر إننا بنهزر وبننبسط في الأجازة!”
​بص ناحية الباب ورفع رأسه:
“خلصنا ولا لسه؟”
​المديرة هزت رأسها للأمن.. مش كإشارة عشان يطردوا حد، بس كإشارة إنهم يستعدوا يوجهوا الناس.
​قربوا خطوة بسيطة، إيديهم مفرودة ووقفتهم حيادية.
​تليفون آدم عمل فايبريشن تاني.
​بص فيه، وبعدين رفع عينه، والخطوط اللي حوالين عينه اتشدت.
​”عندنا برضه شكوى من الأوضة اللي جنبكم بسبب الدوشة وفي حاجة اترميت من البلكونة من شوية،” قالها بصوت هادي: “الـ Housekeeping لقى كاس مكسور عند الجردل والزرع اللي تحت.. والأمن سجل الموقف الساعة 5:22 مساءً.”
​بص ناحية ناحية كريم، مش باتهام، بس بيطابق الأحداث.
​القاعة حبست أنفاسها.
​أمي غمضت عينها لثانية.. الطريقة اللي يدعي بيها حد من غير كلام.
​ولما فتحت عينها، بصتلي.. مش بترجى، ولا بتدافع، بس بثبات.
​”اعمل اللي شايفه صح يا سليم،” قالتها بصوت واطي.
​أنا قمت وقفت.. مش تمثيلية، دي وقفة مسئولية.
​”آدم.. بعد إذنك غير حجز سويت 506 ونسق مع الصيانة.”
​”شكراً يا فندم،” قولت للمديرة.
​”ماريسول.. لو محتاجة أي حاجة مني، أنا موجود.”
​”الأمن هيساعد أي حد هينقل لأوضته المؤقتة ويشيل معاهم الشنط.”
​رجعت بصيت للتربيزة تاني:
“الكروت تتحط في السيستم قبل نص الليل.. ده مش تهديد، ده نظام شغل.”
​”لو حد محتاج وقت يظبط حسابه، الريسبشن ممكن ياخد تأمين كاش أو يجرب كارت تاني.. بس الموضوع ده يخلص النهاردة.”
​وش عمتي عفاف كان ثابت جداً دلوقتي.. الثبات اللي وراه لخبطة وتوتر كبير.
​”انت بتفضحنا يا سليم..” همست: “قدام الناس الغريبة!”
​هزيت رأسي بنفي:
“أنا بطلب منكم تكونوا ضيوف عاديين،” قولت: “زيكم زي أي حد هنا.. دي الطريقة الوحيدة اللي الشغل يمشي بيها.”
​أبويا زق كرسيه لورا، والصوت كان أعلى من صوتنا كلنا.
​”انت أثبت وجهة نظرك خلاص!” قالها وهو بيقوم عشان يبان أطول: “إحنا هنقرر هنعمل إيه.. وهنبقى ننقلكم الأخبار.”
​مد إيده يجيب الجاكيت، وبعدين افتكر إنه مش لابس جاكيت اصلاً.. الحركة كان شكلها غريب ومفكوك.
​المديرة شاورت بالراحة ناحية الطابق:
“نقدر نفضل حضراتكم للأوضة الجديدة يا فندم.”
​ما شالتش كلمة “يا فندم”.
​كريم قلب عينه ووقف:
“يلا بينا،” قال لنور اللي ماكانتش اتحركت من مكانها.
​نور بصتلي، وبعدين بصت لأمي، وبعدين للموظفين.. وشفت الخريطة وهي بتترسم في عينيها.
​الموقف ممكن يمشي في اتجاهين.. والأثنين هيبقوا حكاية نحكيها لسنين جاية.
​وقفت أخيراً بس ما أخدتش ولا خطوة.
​عند الباب، أفراد الأمن وسعوا مساحة خفيفة للحركة.
​الفندق كان شغال في الخلفية بالهدوء والانتظام اللي بتشتغل بيه الفنادق المحترمة.. حركة منظمة من مئات المعاملات اللطيفة اللي محدش بياخد باله منها غير لما تروح.
​آدم كان مستني إشارتي ومستني اختيار العيلة يلحق بالواقع اللي بدأ يتحرك خلاص.
​لثانية طويلة، القاعة كانت زي نفس محبوس.. النفس اللي بتاخده قبل ما تنزل في مية ساقعة، أو النفس اللي بتاخده قبل ما تقول كلمة مابيرجعش فيها.
​وفجأة.. خبطة جت على باب القاعة.
​واحد.. اثنين.. ثلاثة.. خبطات منتظمة وقوية.
​موظف المراجعة المسائية (Night Auditor) دخل برأسه، في إيده فايل، وعينه فيها قلق.
​”عفواً على المقاطعة،” قال:
“سليم بيه.. في موضوع تاني يخص حجز المجموعة أعتقد إن سيادتك محتاج تشوفه قبل ما نطلع لقدام.”
​مسك الفايل عند الباب من غير ما يدخل، مستني الإذن إنه يدخل الحقيقة الجديدة للقاعة.
​عين آدم جت في عيني.
​وقفة المديرة اتغيرت حاجة بسيطة، مستعدة لأي خط جديد هنعديه.
​عيلتي كانت باصالي زي هيئة تحليف اكتشفت فجأة إن الحكم مش هو النهاية.. ده مجرد بداية لحاجة ثانية خالص.
​مشيت ناحية الباب عشان آخد الفايل…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *