اوحش اوضة 4-5-6الاخير

الجزء السادس:
​الهدوء اتبّع خطواتي جوة القاعة زي المية لما تزيد وتغطي كل حاجة.
​ومع لمسة إيدي لورق الفايل، سمعت كريم بينفخ بضحكة خفيفة وهو بيقول لمحدش وللكل في نفس الوقت: “إيه تاني يعني؟”
​الفايل اللي المراجع المسائي ادهولي كان خفيف في إيدي بس تقيل بمعناه.
​جواه كان في طباعة لتفاصيل حجز المجموعة، من نوع الورق اللي أغلب الضيوف عمرهم ما بيشوفوه.
​من فوق، تحت خانة “سبب الإقامة”، عمتي عفاف كانت كاتبة بخطها الإيد المتدلع: رحلة خيرية لمؤسسة موثوقة ومشاد بها ومعفية من الضرائب.
​وكان ملحق بالورقة استمارة معمولها سكان، بتوقيعها هي من تحت، بتدّعي فيها إننا مستضيفين ندوات تعليمية!
​دي كانت نوعية الاستمارات اللي بتمنح تخفيض كبير على حجز مجموعة الأوض وتديك إعفاء من شوية رسوم ومصاريف.
​إلا إني، ومن غير ما أدقق قوي، كنت عارف إن ده كله تأليف وفبركة.
​مافيش أي جمعية خيرية متسجلة بالاسم اللي هي كتبته بخط إيدها ده.
​اديت الورقة لآدم، اللي كان خلاص عرف محتواها من غير ما يقرأ.
​عينه جت في عيني، هادي وجاهز للخطوة الجاية.
​أبويا لوى رقبته عشان يلمح الورق:
“ده العادي يعني!” قالها بسرعة، وكأنه بيملأ السكوت قبل ما حد تاني يتكلم: “إحنا عيلة كبيرة، والعيلات طبعاً شغلها كله خير في خير!”
​فرض ابتسامة بالعافية على وش المديرة:
“الموضوع كله واحد في الروح والمضمون يعني!”
​المديرة ما ردتش الابتسامة.
​وقالت بنبرة حاسمة: “الاستخدام المزيف للإعفاء الضريبي مش مسموح بيه نهائياً هنا.. في الحالات دي إحنا بننزل الخصومات والمصاريف الكاملة فوراً وبنلغي الحجز.”
​وش عمتي عفاف جاب ألوان واحمرّ من الإحراج:
“دي مجرد أوراق رسمية يعني!” احتجت وهي بتدافع عن نفسها: “أنا برتب رحلات العيلة دي بقالي سنين! محدش بيهتم بالتفاصيل الدقيقة دي.. كل الناس بتلف وتدور وتلعب في الحقيقة شوية، مش معقول تتوقع مني أكون…”
​سكتت وما كملتش، بعد ما أدركت إن الجملة دي ملهاش أي بر أمان تطلع منه.
​كريم اتعدل لقدام:
“جرى إيه يا سليم! انت بجد هتطردنا برة عشان شوية ورق؟”
​ضحك ضحكة حادة زي الس/كينة:
“انت صاحب المكان! أعدم الورق ده وكأن حاجة لم تكن.. مين يعني هيدرى أو يعرف؟”
​بصيتله لفترة طويلة.
​سنين من كوني الشخص الهادي الساكت، ادتني القدرة إني أراقب وأبص من غير ما أتهز أو أرمش.
​”تؤ..” قولت بصوت واطي جداً.
​تقل القاعة اتغير تاني.
​شوكة أمي وقعت من إيدها على الطبق بلمسة عملت صوت صغير.. بس كان صوت حاسم.
​نور ضغطت على شفايفها، ولأول مرة اتكلمت بنبرة قريبة جداً من الحديد:
“إحنا بنهين نفسنا وبنقلل من قيمتنا.”
​صوتها قطع تريقة عمتي عفاف وضحكات كريم البايخة:
“الموضوع مش موضوع بلكونة ولا أوضة.. الموضوع إننا فاكرين إننا نعمل اللي يعجبنا ومستنيين سليم يشيل ويسلك وراءنا.”
​للحظة، افتكرتها هتقف في صفهم، تهدي اللعب، وتعرض حل وسط تاني.. بس هي سكتت بعد الجملة دي، والسكوت ده كان فيه حقيقة أعمق من أي نخب اترفع على التربيزة.
​آدم تنحنح بالراحة:
“حسب القواعد واللوائح يا سليم بيه.. إحنا محتاجين نخلص الحسابات النهاردة. تحب حضرتك نبدأ في إجراءات الخروج (Check-out) دلوقتي؟”
​أخدت نفس.
​افتكرت كل تريقة صغيرة، كل ضحكة بصوت واطي اتقالت في ظهري وما كانوش قاصدين أسمعها، كل مرة هزيت فيها رأسي ووافقت عشان أشتري دماغي وأعدي اليوم.
​افتكرت شماعة الفوط المعوجة.
​إزاي حتى التفاصيل الصغير بتفرق لو انت فعلاً عايز المكان يطلع صح.
​”أيوة،” قولت: “ابدأوا في إجراءات الخروج فوراً.”
​الكلمات ما طلعتش بغضب.
طلعت بمنتهى الوضوح والراحة.
​الرد كان سريع ومباشر.
​عمتي عفاف خبطت المنديل على التربيزة وهي بتبرطم عن الخيانة والغدر.
​أبويا زق كرسيه لورا بقوة كانت هتقلب الكرسي، وهو بيزعق إنه مش هيسمح بإن حد يهينه قدام الناس الغريبة.
​كريم بدأ يلم تليفونه ومفاتيحه بحركات عصبية ومطربشة وهو بيحسبها إنها “عقدة نقص وسيطرة”.
​نور فضلت قاعدة مكانها، إيديها متشبكة.
​عينين أمي كانت بتلمع.. مش بدموع، بس بحاجة أتقل، ربما إدراك واستيعاب للسنين اللي ما شافتنفيش فيها على حقيقتي.
​الأمن أخد خطوة لقدام.. مش بعنف، بس بثبات واحترافية.
​وجهوا قرايبي ناحية الطابق وهما بيعرضوا يساعدوهم في الشنط.
​عمتي عفاف رفضت بنفخة.
وكريم عمل نمرة وهو بيجر رجله بالعافية.
​الجزء الأخير:
​أبويا مشى بكرامة ومكابرة، كأنه لسه يقدر يخلي الطرقات دي مسرح لإدارته.
​القاعة الخاصة رجعت هديت تاني.
​الضيوف في الترابيزات القريبة بصوا علينا بفضول، وبعدين رجعوا لكلامهم.
​آدم فضل واقف عند الباب، مدينا مساحتنا، بس مش متراجع ولا سانتي.
​المديرة كانت واقفة مفردة الظهر، النوتة في إيدها، بتسجل كل حاجة زي ما دربناهم بالظبط.
​ولما أخر واحد فيهم اتوجه لبرة، قعدت تاني على التربيزة الطويلة.
​الأطباق كانت نُصها شال، والكاسات نُصها مليان.
​نور كانت الوحيدة اللي لسه قاعدة قصادي.
​”ما كانش لازم تعمل كل ده،” قالت بصوت واطي.
​”لا.. كان لازم.”
​هزت رأسها ببطء:
“أعتقد إن عندك حق.”
​وبعدين زقت كرسيها لورا، وقفت، ومشت.. مش بالعنجهية والتنفيخ بتوع الباقيين، بس بانتظار وسكوت حد لسه مش جاهز يبني الكوبري اللي اتقطع.
​بقيت لوحدي في القاعة.
​ولأول مرة طول الأسبوع، حسيت بروقان وراحة.
​مش إحساس انتصار.. بس ثبات.
النوع ده من الثبات اللي بيجيلك لما تبطل تعتذر عن المساحة والكيان اللي انت واخدهم في الدنيا.
​المديرة قربت خطوة:
“تحب حضرتك نعمل حظر لأساميهم في السيستم للإقامات الجاية؟” سألتني.
​”أيوة،” قولت: “اعملي كده. مافيش أي حجز ينزل بأساميهم أو على حساب كارتي تاني.. لو عايزين ييجوا هنا، ييجوا كضيوف عاديين، مش كعيلة جاية تطلب مجاملات وتدبيس.”
​آدم هز رأسه:
“علم ويتنفذ يا فندم.”
​في الليلة دي، وبعد ما كل الأوراق والتفاصيل اتظبطت والعمال روحوا، مشيت في الطرقات الهادية بتاعة الفندق.
​عديت على أوضة السلم اللي كانوا حاطينني فيها.
​ظبطت شماعة الفوط بإيدي الاثنين، ربطتها كويس عشان ما تتهزش تاني.
​بصيت من الشباك الصغير على السطح وابتسمت.
​الأوضة دي كانت ملكي برضه، بطريقتها، تماماً زي السويت اللي باصص على البحر.. وزي الريسبشن برة.
​تاني يوم الصبح، أول ما شمس النهار فرشت فوق المية، الضيوف نزلوا يفطروا.
​العائلات بتضحك على الوافل، والكابلز مقربين من بعض وبيشربوا القهوة، والأطفال بيشاوروا على النورس برة.
​المكان كان فيه روح وحيوية هادية من النوع اللي أنا تعبت عشان أبنيه.
​تليفوني عمل فايبريشن بمسج من نور:
“أنا آسفة على الكلام اللي قولته قبل كده.. كلمني أول ما تكون جاهز.”
​رجعت التليفون في جيبي ودخلت القاعة.
​الموظفين رحبوا بيا.. مش بذهول ولا بحيرة، بس بنفس الهدوء والترحاب اللي بيدوه لأي ضيف.
​أنا كنت بنتمي للمكان ده.. مش عشان اسم عيلتي، ولا عشان أي لقب، بس لأني بنيته باهتمام وحب.
​ولما بصيت على الترابيزات، وسمعت المزيكا الهادية وصوت الخبط الخفيف بتاع الأطباق، حسيت بحاجة مكنتش حسيتها من سنين long…
​مش غضب.. ولا حب انتقام..
كان مجرد سلام نفسي.
​وده كان كفاية جداً.
​النهاية!

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *