انتي مكانك مش علي ترابيزة العيلة

حصري لصفحة روايات رولا
«أنتي مكانك مش عل ترابيزة العيلة،» اختي قالتها وهي بتبصلي بقرف قبل ما تسحب الكرسي من تحتي. وقعت بطولي عل الأرض قدام ميتين ضيف في الفرح، والضحك اتوزع في القاعة كلها. فجأة العريس قام واقف على حيله. «كفاية لحد كده!» بصلها ووشه جاب ألوان من الغضب. «هو أنتي بجد عايزاني أقول للناس كلها الحقيقة؟» اختي اتسمرت مكانها—ولما مد إيده ومسك المايك، عرفت إن فرحها المثالي ده هيتحول لحاجة تانية خالص.
​الضحك طالني قبل ما أحس بالوجع. في ثانية كنت بمد إيدي عشان أقعد عل الكرسي في ترابيزة العيلة؛ وفي الثانية اللي بعدها اختي فريدة سحبت الكرسي لورا، ووقعت بطولي عل أرض القاعة قدام ميتين ضيف.
​«حاسبي يا ندى،» قالتها وهي بتتسم من تحت الطرحة اللولي الطويلة. «أنتي مكانك مش عل ترابيزة العيلة.»
​كاسات الشربات كانت بتهتز من كتر ضحك الناس. أمي حطت إيدها على بقها بتعمل نفسها مصدومة، بس أنا شفت اللمعة اللي في عينها. عمي كمان وقف يسقف.
​قمت ببطء وأنا بسند نفسي، طنشت الوجع اللي في كوعي والسخونية اللي طلعت في وشي من كسفتي. ورايا بمسافة، شفت ويتر بيميل يلم قزاز كاس مكسور. محدش فيهم مدلي إيده يساعدني.
​فريدة قضت خمستاشر سنة وهي بتأكدلي إن ده مقامي. هي البنت الحلوة، اللي بتعرف تتكلم، البنت اللي أبويا وأمي بيفضلوا يتباهوا بيها قدام الناس. أما أنا فكنت المحاسبة الهادية اللي بتلبس جزمة جزمة مريحة وبتستأذن بدري من عزومات العيلة.
​اللي محدش في القاعة دي كلها كان يعرفه، إني قضيت اتناشر سنة برجع بني شركة العقارات بتاعة جدي الله يرحمه من الأول، بعد ما بابا كان هيجيب ضلفها ويفلسها.
​فريدة كانت تعرف أقل من كده كمان. كانت فاكرة مسمى شغلي—رئيس قطاع الحسابات—ده مجرد اسم صوري، حاجة جدي كتبها لحفيدته الهادية من باب العطف.
​مالت عليا وقربت لدرجة إني شمت ريحة برفانها.
​«روحي اقعدي جنب المطبخ. ده المكان اللي يخص الشغالين.»
​قبل ما ألحق أرد، عريسها قام واقف عل حيله.
​«كفاية لحد كده!»
​كرسي طارق اترمى لورا برقعة. الضحك اتقطع في القاعة كلها.
​بص لفريدة ووشه كان أصفر ومخطوف من كتر الغضب.
​«هو أنتي بجد عايزاني أقول للناس كلها الحقيقة؟»
​فريدة اتسمرت مكانها.
​ولأول مرة طول الليلة، وشها المرسوم ده اترعب.
​«طارق،» همست وهي مرعوبة، «مش هنا.»
​مد إيده ومسك المايك.
​أمي قامت فجأة. «يا جماعة ده فرح، والناس كلها مشاعرها فياضة.»
​بصيت لطارق. وبعدين بصيت لفريدة.
​وفجأة فهمت كل حاجة.
​من ثلاث ليالي، طارق كان كلمني وسألني سؤال غريب: سألني إذا كانت فريدة ليها أي صفة قانونية أو حق في فيلا الزمالك، الفيلا الأثرية اللي كانوا مخططين يعيشوا فيها بعد شهر العسل.
​وأنا جاوبته بالحقيقة.
​«لأ،» قلتله. «بتسأل ليه؟»
​سكت وما ردش عليا.
​دلوقتي فريدة مسكت إيده بسرعة.
​«سيب المايك ده من إيدك.»
​شد إيده منها بعنف.
​كان ممكن أقف وأتفرج وأتبسط وهي بترتعد كده. بس مسحت التراب من عل فستاني وقلت بهدوء: «استنى يا طارق.»
​كل الوشوش اتلفتت وراحت ناحيتي.
​فريدة ضحكت ضحكة صفرا بسرعة.
​«شايفين؟ ندى عارفة حجمها ومكانها كويس.»
​بصيت في عينها بثبات.
​«لأ،» قلتلها. «أنا بس عايزاكي تاخدي آخر فرصة وتقولي الحقيقة بنفسك.»
​وشها جاب ألوان واصفر زي الليمونة.
​علشان فيلا الزمالك دي مش ملك أبويا وأمي…
​الفيلا دي ملكي أنا…
الجزء الثاني:
​فريدة أخدت نفسها واستجمعت شجاعتها بسرعة. هي دايماً بتعرف تمثل وتلحق نفسها لما يكون فيه جمهور يتفرج.
​رفعت رأسها وابتسمت للمعازيم.
​«أختي متلخبطة شوية يا جماعة. الصدمة وزعلها على جدي بعد ما مات أثروا على دماغها.»
​شوية من القرايب بدأوا يتهامسوا ونبرة الشفقة في كلامهم.
​بعدين لفت وبصلتي.
​«أنتي مجرد بتمسكي أوراق ومستندات يا ندى. أوعي تتلخبطي وتفتكري إن الأوراق دي تخليكي صاحبة الملك.»
​أنا كنت خلاص هعجب بأدائها وتمثيلها.
​جدي الله يرحمه كان كاتبلي فيلا الزمالك ونسبة الحصة الحاكمة في شركة العقارات باسمي أنا، عشان قضيت سنين طويلة بشقى وبشتغل جنبه. بابا وماما أخدوا ودائع وحسابات بمرتبات مجزية، وفريدة أخدت فلوس كاش ومجوهرات وحساب استثماري صغير.
​بس واضح إنها قررت إن الحقيقة دي حاجة ممكن تتغير وتتفصل على مزاجها.
​طارق حط المايك من إيده، بس مقعدش.
​«قوليلها اللي قلتيهولي،» قالها وهو باصص لفريدة.
​عينيها برقت بشرارة غضب.
​«هنتكلم في الموضوع ده بيننا وفي السر.»
​«لأ،» رد عليها بصرامة. «أنتي قلتيلِي إن أختك سرقت ورثك. قلتيلِي إن فيلا الزمالك دي حقك وأنتي صاحبتها، وإن ندى رافضة تنقلها باسمك إلا إذا دفعتيلها فلوس.»
​أمي جرت وقربت منهم بسرعة.
​«يا طارق يا بني، اللبس وسوء التفاهم بيحصل في أي عيلة.»
​أنا فتحت الشنطة الصغيرة اللي في إيدي.
​فريدة ابتسمت بسخرية.
​«أيه؟ مجهزة لنا جدول إكسيل ولا أوراق حسابات؟»
​«أحسن من كده بكتير.»
​طلعت ظرف رفيع.
​من ست شهور، السيستم والبرنامج التأميني بتاع الشركة أدى إنذار عن طلبات غريبة وغامضة بخصوص فيلا الزمالك. فيه حد كان باعت صور من أوراق وصية جدي لشركة تمويل وقروض خاصة، ومعاها ورق عليه إمضاء مزورة باسمي بتدي لفريدة الحق إنها تاخد قروض بضمان الفيلا بقيمة ٣ مليون دولار عشان تمول مشروعها.
​التوقيع كان مزور طبعاً.
​عرفت ده فوراً لأن فريدة نقلت الإمضاءة الطويلة المزخرفة اللي بكتبها على كروت أعياد الميلاد، مش الإمضاءة الصغيرة المختصرة اللي بستخدمها في المعاملات الرسمية والعقود. اللمسة الصغيرة دي كانت هي الخيط اللي كشف كل حاجة.
​من غير ما أحسس حد، عينت خبير خطوط وتزوير، وبلغت محامينا، وسبت قسم المكافحة والتزوير في شركة التمويل يكملوا كلام ورسايل مع فريدة عشان نجمع ونوثق كل إيميل، ورسالة، ومكالمة مسجلة.
​فريدة مكانتش تعرف خالص إن القرض أصلاً ماتوافقش عليه ولا الفلوس نزلت.
​كانت فاكرة إن معاد استلام الفلوس يوم الإثنين الجاي.
​حتى إنها كانت ووعدة طارق إنها هتديله جزء من الفلوس دي عشان يفتح عيادته الطبية الجديدة. كانت قايلا له إن مستقبله مضمون خلاص بفضل «أملاك عيلتها».
​رفعت الظرف فوق.
​«الظرف ده فيه تقرير خبير الخطوط والتزوير، وأوراق الوصية الأصلية، وصور من طلب القرض والإمضاءة المزورة اللي بتقدميها.»
​الابتسامة اختفت تماماً من على وشها.
​بابا وقف على حيله.
​«ندى، كفاية فضايح لأختك قدام الناس.»
​بصيت له وقلت:
​«هو أنت كنت بتساعدها يا بابا؟»
​سكوت تام.
​والسكوت ده كان هو الإجابة الكافية.
​طارق بص لبابا ولفريدة بذهول.
​«هو فيه مصايب تانية كمان؟»
​فريدة ضحكت فجأة ضحكة هيسترية.
​«دي بتهوش وبتحور! هي دايماً بتعمل كده—تستخبى ورا الأوراق والمستندات عشان عارفة إن محدش بيطيقها ولا عايز يقعد معاها.»
​وهنا عملت غلطة عمرها.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *