أنا لغيت عملية ابنك ج2الاخير

حصري لصفحة روايات رولا
​رديت ببرود: “سوء التفاهم دا لما تطلبي قهوة من غير سكر فتجيلك بسكر. لكن أنتِ استغلتي بياناتي الشخصية بكل خسة.. أنتِ كنتِ عارفة بتعملي إيه كويس، وراهنتي إن هضعف وأعديها.. وخسرتي الرهان.”
​”أنتِ قاسية أوي يا داليا.. قاسية ومبترحميش!”
​رميت كلمتها في وشها زي القنبلة: “أنا مجرد اختارت الخيار الأرخص يا إجلال.”
​الخط سكت تماماً.. خيم صمت ميت.
​كنت عارفة إني مكنش المفروض أقول الكلمة دي بالذات، بس وأنا بمتع نظري بابني وهو بيرفرف بعينه اللي بتشفي، حسيت إن معنديش أي ذرة ندم.
​همست في الآخر: “قصدك إيه بـ الكلمة دي؟”
​”أنتِ اللي قلتيها بعظمة لسانك.. قلتي إن 8,400 دولار كتير لأن ‘النظارة أرخص’. وأنا عملت حسبة بسيطة لفلوسي، ولقيت إن المصاريف على اتنين بالغين بصحتهم كدة أظن إنها رفاهية غالية أوي عليا.”
​”أخوكي عايش في البيت دا!”
​”خبر ممتاز! يعني بيت فيه دخلين.. دا يخفف الحمل شوية.”
​”شريف معندوش شغل ولا دخل ثابت دلوقتي يا داليا!”
​”دي مشكلة في خطة عمله ونموذج مشروعه بصراحة.”
​”دا لسة بيحضر ومحضن كارييره الفني!”
​”يبقى كارييره دا يبدأ يصرف عليه بقى ويكتبله شيكات.. مع السلامة يا أمي.”
​قفلت السكة.
​شريف اتصل بعدها بـ 3 ثواني.رديت فوراً.
​زعق في وشي: “أنتِ جرى لعقلك حاجة يا داليا؟ أنتِ اتجننتي؟”
​”صباح الخير يا شريف، الكوميديا عاملة إيه معاك؟”
​”أنتِ لغيتي تحويل الدعم بتاعي!”
​”حصل.”
​”دا عربون ورشة القاهرة غير قابل للاسترداد وهيتسحب يوم الاثنين!”
​”يبقى أتمنى لك مبيعات تذاكر ممتازة في صالة البولينج الأسبوع دا.”
​”الموضوع مش يضحك يا داليا!”
​الجملة دي بغيت تموتني من الضحك، مسكت في طرف الرخامة عشان ما أقعش: “يا شريف.. إنك تقول ‘الموضوع مش يضحك’ دي ممكن تكون أدق وأصدق مراجعة نقدية أتقالت على فنك في حياتك كلها.”
​قعد يشتم ويسب بعصبية وجنون. مالك، رغم وجع العملية، قعد يضحك لدرجة إنه ماسك جنبه وبيشتكي إن الضحك بيخليه يحس بوجع في القرنية.
​شاوِرت لمالك بإيدي عشان يتنفس بالراحة: “بلاش تشجعني يا شريف.. أنا عندي مريض في البيت بيخف من عملية.”
​عيط وصوته بقى فيه كسر: “أنتِ بتعاقبيني أنا على غلطة أمي عملتها!”
​”أنت كنت مؤيد جداً للعملية دي، ودافعت عن النصب بتاعها بكل بجاحة.”
​”أنا قولت إن عندها وجهة نظر منطقية!”
​”أنت قولتلي بلاش دراما! وقولتلي إني مجنونة عشان فارق معايا نظر ابني!”
​”أنتِ فعلاً دراماتيكية! وأنتِ بتدمرِي حياتي! أنا عندي 35 سنة!”
​”وعلاقة سنك بالموضوع إيه؟”
​”كل حاجة! أنا أخوكي الكبير! المفروض العيلة تكون شبكة أمان لبعض!”
​”أنا كنت شبكة أمان من حديد بقالي سنة يا شريف، والشبكة قفلت للصيانة.”
​”يعني خلاص؟ كدة بساطة؟ عشان معاكي مرتب كويس فاكرة نفسك هتحكمي في حياتنا وتلعبي ربنا؟”
​أهو كدة.. الكارت الأخير.
​”أنا باخد مرتب كويس يا شريف لأني بشتغل 80 ساعة في الأسبوع وبنام في الملايات بتاعت الفنادق وسفر يهد الحيل. لكن أنت بتاخد المرتب دا حجج وأعذار.”
​سكت عن الزعيق.. الصوت بقاش فيه غير أنفاسه العالية.
​كملت عليه: “أنا دفعتلك مصاريف أكاديمية الكهربا، وسبتها عشان كان بيمتحنوك في الكهربا. اشتريتلكم مكنة الغسيل بالضغط العالي وشيلتها بعد نص مشوار.”
​”سوق الغسيل كان متشبك وفيه تقلبات!”
​”عم جابر جيراننا اللي خد منك المكنة بتراب الفلوس مشغلها وزي الفل ومشي الحال مع التقلبات دي!”
​”منين جابر دا كمان?!”
​”الراجل اللي اشترى منك التقلبات!”
​اتنهد بتمثيل وغل: “ماشي! استغلي كل غلطة عملتها من يوم ما اتولدت!”
​”مش محتاجة أرجع للطفولة يا شريف.. الفترة المالية اللي فاتت فيها بلاوي تكفي.”
​”أنتِ مبسوطة بكدة.. أنتِ بتستمتعي بإحساس السيطرة والقوة دا.”
​سكت شوية. الاتهام دا فاجأني. كنت كتير بتخيل اللحظة اللي هقطع فيها الفلوس دي.. وفي خيالي كنت بشوف نفسي منتصرة وقوية.
​بس وأنا واقفة في مطبخي، وبصّة لابني التعبان، مكنتش حاسة غير بتعب ووجع في عظمي.
​قلتله بصوت واطي: “لا يا شريف.. أنا مش مبسوطة. أنا مكسوفة أوي.. مكسوفة إن الأمر وصل بأمنا تعمل جر\يمة في حظر وملف ابني الطبي عشان أستوعب أنا قد إيه كنت شريكة في خرابك ودمارك دا.”
​شريف سكت فترة طويلة.
​لما اتكلم في الآخر، صوته كان صغير ومكسور: “طب.. والورشة بتاعت القاهرة؟ هجيب مصاريفها منين؟”
​”انزل دور على شغل.”
​”أنا مقدرش أشتغل شغلانة كاملة وفي نفس الوقت أبني كارييري في الستاند أب!”
​”في ملايين الناس بيشتغلوا الصبح وبيروحوا بالليل يتنقطوا وميكونوش دمهم خفيف، هتقدر تعمل الاتنين عادي.”
​قفل السكة في وشي.
​لمدة 10 دقائق، البيت كان واحة من الهدوء.. لحد ما الجروب العائلي بتاع الواتساب — البركان الخامل — انفجر.
​أمي كانت عملت استغاثة وكلمت خالتي ماجدة.. وخالتي كلمت خالي حسين.. خالي حسين الراجل اللي كان مجتنب كل دراما العيلة دي من أسبوعين، اتسحب فجأة للميدان.
​أمي فتحت الكلام في الجروب:
“داليا قطعت عننا المصاريف تماماً ورمتنا عشان مجرد اختلاف بسيط في موضوع مالك.”
​بصيت للكلام.. اختلاف طبي بسيط. يا سلام على اللف والدوران! دي لو كانت دخلت بـ عربيتي في حمام سباحة كانت هتقول عليه “تغيير في موقع الركنة”.
​شريف وراها فوراً:
“هي بتحاول تضيع مستقبلي الفني عشان عندها غل وغيره من حريتي وإبداعي.”
​خالتي ماجدة كتبت:
“استنوا هنا، هو إيه اللي حصل لعين مالك؟؟ الولد كويس؟”
​أمي كتبت بسرعة:
“داليا كانت حاطة مبلغ خيالي في عملية ملهاش لازمة، وأنا كـ جدة خايفة عليه مجرد أبديت رأيي في المصاريف دي.”
​كتبت رد طويل عريض.. ومسحته. كتب رد تاني اشد.. ومسحته برضه.
​في الآخر كتبت الحقيقة المجردة:
“إجلال اتصلت بمستشفى مالك يوم الأربعاء، وانتحلت شخصيتي، وعدت الأمن، ولغت عمليته اللي بـ 8,400 دولار بعد ما قعدنا 6 شهور على قائمة الانتظار. أنا اكتشفت النصب دا، كلمت الدكتور، ورجعت الميعاد. مالك عمل العملية يوم الخميس وبيتعافى الحمد لله. وبناءً عليه، أنا لغيت التحويل الشهري لـ إجلال، والمصروف الشهري لشريف.”
​بعت الرسالة.
​الجروب مات.
30 ثانية عدت.. دقيقة.. دقيقتين.
​في الآخر خالي حسين كتب:
“لحظة واحدة كدة.. أنتِ كنتِ بتبعتي لـ شريف مصروف؟”
​شريف رد فوراً:
“يا خالي حسين دا موضوع تاني خالص برة النقطة!”
​خالي حسين كتب:
“الولد عنده 35 سنة يا جماعة!”
​غادر شريف الجروب.
​ضحكت لدرجة إني جريت في الممر عشان مالك كان بيحاول ينام على الكنبة.
​تليفوني رن تاني.. رقم خالي حسين وخالتي ماجدة.
​رديت وأنا مستعدة: “ألو يا خالة.”
​قالتلي بصوت حاد: “داليا.. هي أمك اتصلت بالمستشفى فعلاً؟”
​”أيوة.”
​”وانتحلت شخصيتك؟”
​”أيوة.”
​سكتت مسافة طويلة.. “ليه في حد يعمل كدة يا
لفصل الخامس: دراسة الجدوى
​عدى أسبوع كامل من الصمت التام والتوتر.
​وفجأة.. تليفوني أعلن عن إشعار من كاميرا الباب.
​فتحت البث المباشر على التليفون. أمي كانت واقفة على أعتاب بيتي، ماسكة شنطتها الجلد وكأنها درع بتحمي بيه نفسها. ووراها بشوية كان واقف شريف.
​وكان شريف ماسك في إيده فولدر بني (ملف مكتبات).
​رؤية الملف دا بالذات بعتت في قلبي موجة قلق حقيقية. التاريخ بيقول إن شريف لما بيظهر ومسك أدوات مكتبية، دا معناه إنه محضر “عرض فكرة مشروع” أو “دراسة جدوى”.. معناه إنه متخيل إنه لقي ثغرة جديدة في الواقع!
​فتحت القفل وخرجت وقفت على العتبة، وقغلت الباب الخشب ورايا بصلابة. هوا الخريف كان بيرعش. ما عزمتش عليهم يدخلوا جوة.
​أمي بصتلي بزعل وإهانة: “أنتِ بجد هتسبينا واقفين في البرد كده؟ مش عارفين نتكلم كبني آدمين عاقلين؟”
​شريف هز رأسه بوقار وهيبيّة مزيفة ومستفزة.
​بصيت لشريف، وشاورت على الملف اللي في إيده: “هو مجرد شرائك لملف أوراق خليك كبرت وبقيت راجل عاقل يا شريف؟”
​ضم الملف لصدره أكتر: “الطريقة الدفاعية دي هي بالظبط اللي بتكلم عليها يا داليا. أنتِ قافلة أي باب للحوار.”
​”إيه اللي جوة الملف دا يا شريف؟”
​”دا برنامج عمل شامل ومشروع استثماري.”
​”لإيه بالظبط؟”
​”لكارييري وللبراند الكوميدي بتاعي.”
​بصيتله وأنا مش قادرة أستوعب كمية البجاحة: “أنت عامل دراسة جدوى وملف استثماري.. عشان شغلتك ككوميديان؟”
​قال بفتخر: “فيه توقعات مالية وأرباح للـ 3 سنين الجايين.”
​بصيت لأمي، وكنت متلهفة إنها تعترف بالجنون دا: “إجلال.. أنتِ سامعة اللي بيقوله؟ هو إزاي حد يحسب أرباح الضحك بمعادلات رياضية؟”
​شريف اتعصب: “ممكن تبطلي تريقة وسخرية لمدة 5 دقائق؟”
​رديت ببرود: “مش قادرة.. لأن واضح كدة إن أنا الوحيدة في العيلة دي اللي بطلع ماتريال ونكت حقيقية.”
​أمي غمضت عينها ودلكت جبهتها: “داليا.. أرجوكي.”
​”أنا مش هعتذر يا أمي.”
​قربت أمي خطوة، وقصت نبرة الهجوم، وصوتها أخد النبرة المكسورة والرجاء الشهير: “داليا.. إحنا بس محتاجين زقة. شهر واحد كمان بس.”
​أهو.. الوجه الحقيقي ظهر. مفيش أي ندم على اللي حصل في المستشفى.. ولا حتى سؤال عن صحة مالك. مجرد طلب لمد مهلة الاستغلال 30 يوم كمان.
​”شهر عشان إيه؟”
​ترجتني: “عشان قسط الشقة.”
​”الرد لأ.”
​”داليا اسمعيني! شريف والله بدأ يقدم على شغلانات حقيقية وتقليدية.”
​بصيت لشريف.. رفع الملف البني في وشي بالتحدي.
​”يا أمي دا مش ورق تقديم على شغل بمرتب.. دا مجرد ماكيت وأوهام مكتوب فيها أرقام خيالية.”
​شريف دافع عن نفسه: “الملف دا فيه مصادر دخل متعددة!”
​”وهل في مصدر واحد من المصادر دي بيجيب جنيه واحد حقيقي دلوقتي يا شريف؟ هل دخل جيبك قرش منهم؟”
​أتخرس وما عرفش يرد.
​صوت أمي بدأ يترعش، والرعب والهارب بدأ يظهر من تحت قناع التمثيل: “قسط الشقة 45 ألف جنيه، والفواتير والخدمات بتدخل في 15 ألف. معاشي بالعافية بيكفي الأكل والتأمين.. أنا مش هقدر أشيل البيت دا لوحدي!”
​”يبقى لازم تغيري المعادلة يا أمي.”
​”أغيرها إزاي يعني؟!”
​”يعني شريف ينزل يشتغل شيفتات في مخزن ولا شركة شحن، وأنتِ تضغطي مصاريفك.. أو تبيعي الشقة.”
​الدم هرب من وش أمي تماماً. بصتلي وكأني اقترحت عليها نولع في البيت عشان ناخد فلوس التأمين!
​همست وهي مرعوبة: “أبيع البيت؟”
​”أيوة.”
​”دا بيتي يا داليا!”
​”عارفة.”
​”أبوكي الله يرحمه طحن نفسه واشتغل لحد ما مات بدري عشان يدفع ثمن البيت دا!”
​”صح، أيوة حصل. ودلوقتي أنتِ طالبة مني أطحن نفسي وأموت بدري زي أبوي عشان أحافظ على متحف أنتِ مش قادرة تدفعي مصاريفه، عشان ابنك الراجل العاطل يقعد يلعب ويجرب أوهامه في البدروم!”
​عيطت وقالت: “أنا كده هخسر كل حاجة!”
​”مش هتخسري كل حاجة.. أنتِ بس مطلوب منك تدفعي ثمن السقف اللي عايشة تحته، زي بقية البشر والمجتمع.”
​شريف قرب خطوة بغضب: “أنتِ معندكيش أي رحمة ولا إحساس! أنتِ مش فاهمة البلد والدنيا برة صعبة إزاي دلوقتي!”
​لفيتله وصوتي نزل لنبرة هادية وترعب: “اسمعني كويس أوي يا شريف. أنا بسافر 200 يوم في السنة، بتفاوض على عقود بملايين الجنيهات مع حيتان شركات شايفين إن تقليل حجم الخط في الورق دا خصم. ب do كل دا وأنا بربي طفل لوحدي، وقضيت نص سنة في حرب مع شركات التأمين عشان أنقذ نظر ابني.. وفي وسط كل دا، كنت بنزف عشرات الآلاف كل شهر عشان أأكلك وشربك.. قولي بقى بالظبط، إيه الجزء الصعب في جدول يومك الشاق اللي أنا مش فاهمة ومفتقداه؟”
​رمش بعينه وارتكب تماماً: “أنا.. أنا بكتب ماتريال بالليل! وبطلع على المسرح مرتين في الشهر!”
​فضلت بصة للملف اللي في إيده ببرود، لحد ما نزله ببطء جنبه، وبقه اتفتح وما عرفش ينطق كلمة.
​أمي بدأت تعيط بجد.. عياط هز جسمها كله: “بصي بتهيني أخوكي إزاي يا داليا..”
​”هو اللي جاب ملف ألعاب على عتبة بيتي يا أمي، وطالب مني أموله. لو عايز شغلة حقيقية، يتعامل معاها كشغلة حقيقية.”
​شريف برطم: “يعني إيه الكلام دا؟”
​”يعني تدخل دخل، تقدم خدمة أو تشتغل فتاخد فلوس.. دا مبدأ الاقتصادي البدائي في الدنيا.”
​أمي مدت إيدها وهي بترتعش.. المرة دي دموعها دخلت قلبي وكسرت درعي. كرهت نفسي لأنها أثرت عليا. المرة دي مكنتش بتمثل، كانت مرعوبة بجد. الشقة دي كانت كل كينونتها، كانت الحجة الملموسة الوحيدة اللي فاضلة من ريحة أبوي.
​فتكرت أيام زمان.. صباح يوم العيد جنب الدفاية في الصالة. افتكرت مالك وهو بيمشي أول خطواته على السجادة هناك. افتكرت أبوي وهو واقف في الجراج، ويده كلها شحم، وبيعلمني بصلابة وصبر إزاي أقيس زيت العربية، بينما شريف قاعد جوة بيتفرج على الكارتون وبيقول إن ريحة الزيت بتبوظ طاقته.
​في ضعف خطير بدأ يفرش في صدري.. “شهر واحد كمان بس،” صوت واطي همس في عقلي. “أنا معايا تحويشة.. ممكن أكتب الشيك دلوقتي، وأرحمها من العياط دا.”
​دي كانت الغلطة القاتلة في سيستم حياتي.. دايماً كنت بقدر أتحمل “عملية إنقاذ أخيره”.
​أمي حسيت باللفتة أو التردد البسيط في نظرتي، رفعت عينها المترملة بالدموع وقالت: “أبوكي لو كان عايش، كان هيتكسف منك ومن اللي بتعمليه فينا دا.”
​في ثانية.. السحر انقلب على الساحر. الجيل والضعف اختفوا تماماً، وحل مكانهم صلابة زي الحديد.
​رديت وصوتي يرن في الممر: “أبويا.. عمره ما كان هيتصل بمستشفى وينتحل شخصيتي عشان يلغي عملية حفيظه اللي هيتعمى!”
​اتخضت ومسحت وشها بسرعة: “أنا اعتذرت عن الموضوع دا! قولتلك كنت بحاول ألحقك وأساعد!”
​”لأ يا إجلال.. أنتِ مكنتيش بتحاولي تساعدي، أنتِ كنتي بتحاولي تطلعي صح وخلاص!”
​”أنتِ بجد هتهدي العيلة وتضيعينا عشان غلطة واحدة؟”
​بصلتها بنظرة مبهمة: “غلطة واحدة؟”
​كشرت ووشها اتغير لما فهمت الفخ: “دي مش قصة العجلة والبيتش باج يا داليا..”
​مجرد ذكرها لموقف حصل من 22 سنة، أكدلي إنها فاهمة كويس أوي هي عملت إيه وعارفة القصة من زمان.
​شريف بص بيننا بذهول: “عجلة إيه؟”
​طلعت مني ضحكة ميتة وفاضية: “أكيد مش فاكر يا شريف.. الصدمة والوجع مكنوش بتوعك.”
​أمي وقفت وعدلت ظهرها، ووشها تحول لقناع من الكبرياء والمرارة: “داليا.. أرجوكي.”
​رديت ببساطة: “لأ.. يعني لأ. أنا مش هعمل عرض بوربوينت، ولا هفتح كشوف حسابات من عشرين سنة، ولا هقعد ألقي خطب عن الحدود الشخصية. أنا قضيت حياتي كلها بقدم أدلة وبراهين لهيئة تحكيم عارفة من الأول إن المتهم مجرم. أنا خلصت.”
​أمي بصتلي بلحظة حاسمة، هزت رأسها بالراحة، وأدركت إن البئر جف تماماً وللأبد.
​همست: “ماشي..”
لفت ومشيت في الطرقة رايحة ناحية عربيتها.
​بس شريف.. فضل واقف مكانة على العتبة!
​اتحرك في مكانه وقال: “يعني.. دا معناه إنك مش هتدفعي حتى العربون بتاع ورشة التمثيل بتاعت القاهرة؟”
​بصلتله.. النفس اتكتم في صدري لثانية.
​أمه ماشية بتعيط في نص المدخل، وبتواجه بيت 30 سنة هيضيع منها، وأخويا الواقف بيسأل هل “منحة الكوميديا” لسه شغال ولا اتلغت!
​همست بصوت واطي جداً: “شريف.. اقرأ الموقف اللي إحنا فيه.”
​بص حواليه على العتبة الفاضية، واستغرب بجد: “ما إحنا برة البيت أهو!”
​رجعت خطوة لورا جوة بيتي، ورزعت الباب الخشب التقيل في وشه.
​سندت ظهري على الباب في الهدوء بتاع المدخل. ولمدة خمس دقائق، قعدت أضحك لحد ما بطني وجعتني.. وبعدين جالي شعور بالذنب إني بضحك على انهيار عيلتي.. وبعدها رجعت أضحك تاني من كتر العبث!
الفصل السادس: كشف حساب الحياة
​عدى أسبوعين يهدوا الحيل.
​أمي قدرت بالعافية تدفع قسط الشقة المرة دي. اتأخرت 5 أيام ودفعوا غرامة تأخير، بس القسط اتقبل في الآخر. وعرفت من خالتو ماجدة إن أمي باعت نص العفش القديم والأنتيكات اللي في البدروم بسعر تراب، ولغت كل اشتراكات النت والقنوات المشفرة بلا رحمة.
​أما شريف بقى.. وفي تحول مفاجئ للقدر، اشتغل بجد!
​اتعين في وظيفة مؤقتة في مخازن شركة شحن وتوزيع كبيرة. وعرفت الخبر دا لما بعتلي رسالة الساعة 5:15 الصبح يوم الثلاثاء:
“يا رب تكوني مرتاحة ومبسوطة بقسوتك. أنا بعمل بصمة حضور الساعة 6 الصبح، ولابس فيست فسفوري زي العمال.”
​رديت عليه في ساعتها: “مبسوطة جداً بصراحة. وبعدين وردية الصبح محتاجة كوميديا وتسلية برضه، ورينا شطارتك.”
​بعتلي: “أنا بجد بكرهك من كل قلبي.”
​رديت: “على الأقل دي إيفيهات ومشاعر أصلية نابعة منك.. اشتغل عليها وطورها.”
​ما ردش عليا.
​بعد 3 أسابيع من العملية، أخدت مالك بدري من المدرسة عشان المتابعة المهمة جداً عند الدكتور.
​العيادة كانت هادية. الدكتور بدأ يفحص قرنية مالك بالميكروسكوب بدقة شديدة، وأنا صدري كان مقفول ونفسي مقطوع من التوتر.
​أخيراً الدكتور رجع لورا، وابتسم ابتسامة دافية حقيقية: “القرنية بتلتئم بشكل ممتاز يا داليا. العملية نجحت تماماً وثبتت الأنسجة.”
​طلعت نفس طويل كنت حاساه محبوس في صدري بقاله 6 شهور.
​الدكتور بص لمالك وقال: “بس يا مالك لازم نكون واقعيين، العملية دي معمول عشان تثبت المرض وما يزدادش تدهور، مش عشان ترجع نظرك 6/6 فجأة. أنت لسه هتحتاج نظارة وعدسات خاصة بقية حياتك.”
​في نفس اللحظة.. سمعت صوت أمي يتصادى في ودني كأنه طالع من العيادة: شايفة؟ مش قولتلك! ما هو لسه محتاج النظارة أهو! كان عندي حق!
​طلعت مني ضحكة متقطعة ومكتومة بغير إرادتي خالص.
​الدكتور اتخض وبصلي: “في حاجة تضحك يا مدام داليا؟”
​”لأ يا دكتور، أنا أسفة جداً.. دا مجرد إيفيه عائلي خاص أوي.”
​هز رأسه بنفاذ صبر، بالهدوء بتاع الدكاترة اللي اتعودوا يسألوا أسئلة ويدخلوا في تفاصيل عائلية غريبة.
​المهم والأساسي.. إن نظر مالك بقى في أمان، والكابوس السريع بتاع العمى وقف تماماً.
​وأنا راجعة بيه في العربية، مالك كان ساكت على غير العادة، وباصص من الشباك.
​وفجأة لفلي وقال: “يعني.. بالمنطق كده، تيتا كان عندها حق نوعاً ما.”
​ضربت فرامل جامد لدرجة إن العربية صرخت والفرامل اتعشقت، وكنت هطلع على الرصيف!
​”نعم يا روح أمك؟!”
​”أصل.. أنا لسه محتاج نظارة برضه.”
​بصيتله وقلبي بيدهك، ولقيته حاطط على وشه ابتسامة استفزاز وشر غير طبيعية.
​رديت عليه: “أنت محروم من الخروج لحد ما تدخل الجامعة.”
​”على إيه يعني؟!”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *