أنا لغيت عملية ابنك ج2الاخير
”عشان ورثت مني جين السخرية والاستظراف دا.”
قال بثقة: “دا كلام غير دستوري.. هراجع المحامي بتاعي.”
بعدها بحوالي 4 أسابيع، جالي فيديو على الواتساب من قرايبنا، ومعاه رسالة: “قُلت لازم تشوف المقطع دا.”
مكنتش عايزه أفتحه.. بس فتحته في ساعتها طبعاً.
كان فيديو لشريف، واقف على مسرح بفرة إضاءته خافية في ساقية الصاوي، والجمهور كاوين قليلين. كان باين عليه التعب والفضى، والهالات تحت عينه واضحة.
قرب من المايك وقال: “أختي الكبيرة لسه لغية الدعم المالي عني قريب.. واضح إن سن 35 سنة دا هو السن القانوني لوقف المصروف العائلي.”
الجمهور فرقع ضحك. وأنا كرهت الصوت دا أوي.
شريف تمشى على المسرح وقال: “حاولت أتكلم معاها بالعقل.. قولتولها يا داليا افهمي، أنا فنان! بصت في عيني وقالتلي: ‘يبقى أنصحك تجوع بالحديث والتراث بتاع الفنانين زمان’.”
الجمهور ضحك أعلى وبشكل متواصل.
فضلت بصة للشاشة، وجاهزة ورجليا بترتعش.. الجملة دي أنا قولهاله بالحرف من سنتين أيام بودكاست السياسة!
فتحت شات الواتساب بيننا فوراً.
”أنت سرقت مني جملة تانية يا شريف.”
بعد 3 دقائق رد: “دي بتخدم البناء الدرامي للإيفيه.”
”أنت بتستخدم ح حقوق ملكيتي الفكرية في فقرة كاملة بتشتكي فيها إني قطعت عنك الفلوس!”
”في مجال الفن يا داليا، دا اسمه كوميديا متداخلة وعميقة.”
”في مجال القانون يا شريف، دا اسمه سرقة مع سبق الإصرار.”
بعتلي إيموجي بيعيط من الضحك.
وبعدين، وفي مفاجأة صدمتني، بعت رسالة تانية:
”مدير النادي إداني 500 جنيه أجر الفقرة النهاردة.”
فضلت باصة للرسالة دي كتير أوي.. 500 جنيه. مبلغ عبيط، ما يجيبش أكل أسبوع. بس دي فلوس هو كسبها بجد، واقف قدام ناس غريبة وقدم حاجة وأخد أجرها.
كتبتله: “ما شاء الله.. بقيت بتدخل دخل خاضع للضرائب أهو.”
رد: “بلاش تبوظي اللحظة عليا.”
ابتسمت وقفلت التليفون. المكالمة دي مكنتش معناها إني هفتح تحويلات البنك تاني، الخزنة اتقفلت للأبد. بس على الأقل، الحرارة والغل قلوا شوية.
الفصل السابع: إعادة الترتيب
بعد 90 يوم من قطع الفلوس، أمي عرضت الشقة الكبيرة للبيع رسمياً.
في الأول عملت مناحة، وكلمت خالتو ماجدة وهي بتعيط وتقول إن إني طردتها في الشارع ورميتها للفقر.
خالتو ماجدة، ربنا يجازيها خير على عقلها، ردت عليها وقالتلها: “يا إجلال، ابنك عنده 35 سنة وقاعد في البدروم، خليه يشيل معاكي الكراتين بدل الندب.”
أمي بطلت تتكلم مع خالتو ماجدة في موضوع البيع دا خالص.
الشقة اتباعت بسرعة غير متوقعة، وبسعر أعلى من اللي كانوا طالبيناه. وبعد ما دفعت باقي المديونية للبنك، فضل مع أمي مبلغ محترم كفى إنها تدفع مقدم شقة صغيرة أوضتين وصالة في مجتمع سكني هادي للمتقاعدين، على بعد 20 دقيقة مني.
أصغر.. أرخص بكثير.. والأهم: مفيش فيها بدروم.
التفصيلة دي بالذات كانت حاسمة.
شريف، لما لقي البدروم راح، سأل أمي ببجاحة لو ينفع ياخد الأوضة التانية في الشقة الجديدة.
أمي وافقت.
بس حطت شرط: يقعد 6 شهور بالكتير.. ويدفع إيجار للأوضة.
لما خالتو ماجدة حكتلي الموضوع دا على التليفون، شرقت في العصير.
”إيجار؟!” كحيت.
”أيوة،” خالتو ضحكت.
”بفلوس حقيقية؟”
”أيوة يا داليا.”
”يعني جنيهات ورق رسمية؟ مش دعاية وإيفيهات؟”
قفلت السكة في وشي وهي بتضحك.
شريف، ويا للمفاجأة، استمر في شغل المخازن. في الأول كان بيتعامل مع الشغل بإنفة واستعلاء، وكأنه باحث بيدرس طبقات الشعب، بس مع الوقت المشرف بتاعه لاحظ إنه سريع جداً في إدخال البيانات ومراجعة الأكواد، فنقلوه قسم “مراقبة المخزون والجرد”.
لما حكالي الأخبار دي بنص عين، كلمته فوراً.
”يا شريف، دي أغرب وألذ حاجة حصلت في التاريخ!”
برطم وقال: “قصدك إيه؟”
”أنت قفلت مشروع التيشيرتات زمان عشان قولت ‘إدارة المخزون بتموت الإبداع’.. ودلوقتي شغلتك الحقيقية بقت جرد ومخزون!”
شتم وفصل الخط في وشي.
بس كمل في الشغلانة. وفضل ينزل ورش الكوميديا بالليل. بيسعى لـ “البراند” بتاعه، بس المرة دي بيدفع بنزين عربيته من جيبه، بيدفع فاتورة تليفونه، وبيمول حلمه بنفسه.
والعجيب إن شيل المسؤولية ما موتش حس الفني الإبداعي عنده ولا حاجة.. هو بس خلاه مهبط، ومجهد، ومستني الإجازة زي بقية البشر الطبيعيين!
الخاتمة: الخطة الجديدة
فضلت أنا وأمي في حالة حرب باردة لمدة شهرين.
وفي يوم حد بالليل، التليفون رن.. كان رقمها. فضلت بصة للشاشة محتارة أرد ولا أسيبها ترن.
رديت: “ألو.”
”إزيك يا داليا،” قالتها من غير النبرة الدرامية المعتادة.
سكتنا شوية.
”مالك أخباره إيه دلوقتي؟ عينه كويسة؟” سألت في الآخر.
قعدت على كرسي المطبخ بتعب: “الحمد لله، كويسة جداً. الالتئام ماشي في ميعاده.”
”هو.. هو لسه بيلبس النظارة؟”
غمضت عيني، ومستنية كلمة “مش قولتلك!”. “أيوة يا أمي، لسه بيلبسها.”
سكتت تاني، وبعدين قالت بسرعة وكأنها خايفة الجرأة تروح منها: “أنا عارفة إن دا مش معناه إن العملية مكنتش ملهاش لازمة.”
فتحت عيني. الجملة دي كانت أصلب اعتراف بالهزيمة تطلعه إجلال من غير حكم محكمة!
”تمام..” رديت بحذر.
اتحنحنت وقالت: “أنا.. أنا اتكلمت مع ماجدة اختي.”
جسمي اتشد: “أها؟”
”شرحتلها وجهة نظري.. وحكيتلها على اللي حصل مع المستشفى.”
استنيت بقية الكلام.
”ماجدة قالتلي إن مكنش ليا أي حق أدخل.. وكانت.. كانت شديدة معايا أوي في الكلام.”
”دا العادي بتاع خالتو ماجدة،” قولت. “أنا بحترم صراحتها.”
أمي تجاهلت التريقة وقالت: “قالتلي إن حتى لو كنت فاكرة إني بحميكوا من قرارات مالية غلط، انتحال شخصيتك كان خطأ لا يغتفر.”
”أيوة، كان كدة فعلاً.”
السكوت رجع تاني تقيل.
”أنا أظن،” أمي قالت ببطء وصوتها بيرتعش، “أني اتعودت إنك أنتِ اللي بتشيلي كل أزمة. بعد ما أبوكي مات، أنا اترعبت.. وأنتِ.. أنتِ جيتي وقعدتي مكانه. صلحتِ كل حاجة، ودفعتِ الفواتير. وأنا بدأت أتوقع دا منك دايماً.. وشريف بدأ يتوقع دا.”
أخدت نفس مكسور: “أظن إحنا الاتنين افتكرنا إن طالما أنتِ قادرة تشيلي الحمل بسهولة، يبقى المفروض تشيليه دايماً.”
بلعت ريقي بصعوبة وأنا بصة لخشب الكرسي.
”أنا كنت مرعوبة من الفلوس يا داليا.. كنت خايفة البيت يضيع.”
”عارفة يا أمي.”
”وأقنعت نفسي إنك لو دفعتِ المبلغ الكبيرة دا في عملية مالك، حسابك هيفضى.. وهتقفي دعمك لينا.”
وأهي الحقيقة.. المرة، البشعة، ظهرت في النور أخيراً. الموضوع مكنش تشكيك طبي ولا نظارات.. كان خوف أناني بحت.
”لو كنتِ اتكلمتي معايا عن الخوف دا ببساطة،” قولت بصوت واطي، “كنت هسمعك.”
ردت: “بس برضه كنتِ هتسافري وتعملي العملية.”
”من غير تردد.. أيوة.”
”وكنتِ هتقفي مساعدتك ليا؟”
فكرت في السؤال.. وبصيت لسنوات الاستغلال اللي سمحت بيها.
”بصراحة يا أمي؟ يمكن لأ. لو كنتِ طلبتِ المساعدة الأدبية والأصول، غالباً كنت هفضل أنزف عشان البيت دا يفضل مفتوح.”
سكتت. الاعتراف دا وجعنا إحنا الاتنين، لأنه كشف حجم الخلل اللي كنا عايشين فيه. أمي راحت لأقصى درجات التزوير واللعب عشان تسيطر، وتضمن الفلوس، فأتسببت في نفس النتيجة اللي كانت مرعوبة منها.
همست في الآخر: “أنا أسفة يا داليا.”
ما رديتش في ساعتها.
”أسفة عشان اتصلت بمركز الجراحة.. وعشان عديت حدودي.”
دي الجملة اللي كنت محتاجة أسمعها بالتحديد.
”أنا سامعاكي يا أمي،” قولت. “وأنتِ فاهمة طبعاً إن حركة زي دي مستحيل تتكرر تحت أي ظرف؟”
”فاهمة.. وعارفة إني اتشالت تماماً من أي ملف طبي تخص مالك.”
”صح.”
ما رجعناش عيلة مثالية بلمسة سحرية، الوجع كان لسه جديد. ما رجعتش التحويلات المباشرة. أمي نقلت الشقة الصغير، وشريف قعد معاها 6 شهور بالظبط يدفع إيجار، وبعدين نقل مع واحد صاحبه كوميديان هاوي أتعرف عليه في الورشة، وقسموا شقة صغيرة مع بعض.
وواضح إن إثنين كوميديانات عايشين في شقة بحمام واحد بيطلع ماتريال ونكت ملهاش أول من آخر.
أمي بتيجي تزور مالك من وقت للتاني، بس بتطلب ميعاد الأول. ما بتقدمش نصايح طبية، ولا بتتصل بدكاترة. وأوقات بتسأل عن أسعار حاجات معينة.
وأنا اتعلمت أرد ببساطة: “الموضوع متغطي جوة الميزانية.”
أول مرة قولت الجملة دي، وشها اتضايق أوي.. بس بلعت كلامها وعدتها.
أما أنا وشريف، فبيننا هدنة سخرية بحذر. بيبعتلي نكت، أغلبها بايخ بصراحة.
بس قريب، بعت نكتة حلوة بجد. فضلت باصة للشاشة 3 دقائق، مش عارفة أعمل إيه، وفي الآخر طلبت رقمه.
”إيه؟” رد بدفاعية.
”عندي سؤال في الإجراءات.”
”عن إيه؟”
”عن النكتة اللي لسه باعتها.”
اتنرفز فوراً: “مالها؟ جامدة على فكرة!”
”مين اللي كتبها يا شريف؟”
سكت ثانية: “أنا.”
”بجد؟ مش واخدها من بوست على الفيسبوك؟ مش سارقها من رسالة قديمة مني؟”
”لأ يا داليا.. قعدت على المكتب وكتبتها.”
ابتسمت: “طب.. مبروك.”
”على إيه؟”
”إنك صنعت منتج بنفسك من الصفر.”
شتمني وقال إني شخصية شريرة ومادية، وبعدين بدأ يضحك.. وضحكت معاه.
نظر مالك استقر والحمد لله. لسه بيلبس نظارة، وفي الواقع، نظارة غالية أوي وعدسات خاصة. الفريم التيتانيوم لوحده عمل مبلغ وقدره.
لما ذكرت السعر قدام أمي بالصدفة في زيارة، عينها وسعت: “المبلغ دا كله في نظارة؟!”
بصيتلها برقعة عين ورفعت حاجبي.
اتثبتت مكانها، وبقها مفتوح.. بلعت ريقها، وابتسمت بالعافية: “يلا.. لايقة عليه ومخلية شكله زي الدكاترة الكبار.”
تطور.. مش كمال، بس تطور لا يمكن إنكاره.
من كام أسبوع، كنت في أوضتي بحط البدلة في الشنطة عشان سفرية شغل جديدة، ومالك دخل عليا ومال على الباب.
”مسافرة فين المرة دي؟”
”الإسكندرية.”
”قاعدة أد إيه؟”
”48 ساعة.”
هز رأسه: “تيتا جاية يوم السبت صح؟”
”أيوة، استأذنت واخدت ميعاد.”
”قشطة.” لف عشان يمشي، وبعدين بصلي تاني: “هي مامي؟”
”نعم يا مالك.”
”هو أنتِ لسه بتحولي لأبيه شريف مصروفه؟”
وقفت والشراب في إيدي: “لأ.. الخزنة اتقفلت. بتسأل ليه؟”
ابتسم: “عشان عزمني على الغدا في المطعم الأسبوع اللي فات.”
نزلت الشراب بالراحة: “شريف هو اللي دفع الحساب؟”
”أيوة.”
”بالفيزا بتاعته؟”
”أيوة.”
”وهي.. الفيزا قرأت وقبلت والعملية تمت؟”
مالك لف عينه بملل: “أيوة يا مامي، قبلت والدنيا تمام.”
هزيت رأسي ببطء، وحسيت بدفا غريب في صدري: “أخويا الصغير.. بيعزمك على الغدا.”
”دا عنده 36 سنة يا مامي!”
”عارفة يا مالك.. بيكبروا بسرعة أوي.”
مالك ضحك وكمل مشي في الممر.
فضلت واقفة لوحدي في الأوضة الهادية، باصة للشنطة المفتوحة، وأدركت إن السيستم والتركيبة الأساسية لحياتي اتغيرت تماماً وللأبد.
لمدة عشر سنين، كنت عايشة في وهم إن حبي لعيلتي بيقتضي إني أكون الدرع والحماية المطلقة ليهم. لو القسط اتأخر، بكتب الشيك. لو شريف فشل، بفتح شبكة الأمان. لو أمي اتوترت، بهديها بالفلوس. لو حد عمل مصيبة، أنا الوسادة اللي بتمتص الصدمة.
وبسبب إني دايماً كنت بمتص الصدمة وأسهل الوقعة، شريف عمره ما لقي سبب يتعلم إزاي يقف على حيلها، وأمي عمرها ما حست بمسؤولية الميزانية.
هما مكنوش عاجزين.. أنا اللي كنت بتمول عجزهم، عشان كان أسهل عليا من إني أواجه إحساس الذنب.
قطع الفلوس كان شكله قسوة ومأساة لمدة 14 يوم.. وبعدها شريف لقي شغلانة بمرتب، وأمي باعت الشرف اللي مش قادرة عليه واشترت الواقع اللي على قدها. محدش مات.. ومحدش اترمى في الشارع.
هما ببساطة.. اتأقلموا.
والشخص الوحيد على ظهر الأرض اللي كان محتاج حمايتي المطلقة، كان قاعد في الكرسي اللي جنبي في العربية طول الوقت.. طفل عنده 12 سنة، خايف من الضلمة، وبيرجوني أنقذ نظره.
أمي راهنت إن رغبتي القديمة في لعب دور المنقذ هتغلب غريزة الأمومة عندي. راهنت إني هستسلم للضغط زي كل مرة.
بس حساباتها كانت غلط.
فريق الجراحة أنقذ عين مالك.. والمكالمتين البساط بتوع البنك؟ حققوا اللي كان المفروض أعمله من عشر سنين: جابوا اتنين كبار، وخلوهم يعملوا جرد لحياتهم لأول مرة.
شريف لسه بيفضل يقول إن قصة “القطع المالي الكبير” أديته أقوى ماتريال في كارييره في الكوميديا.
وأنا دايماً بفكره إن نص الإيفيهات دي بتاعتي أنا.
بيقول إن في العيلة، الإلهام الفني ملكية عامة.
بقوله إن المنطق دا بالذات هو اللي جابنا ورا ودخلنا في الهبل دا من الأول!