من ١١ سنة، وعيلة جوزي بتتريق على شغلي
حصري لصفحة روايات رولا
من ١١ سنة، وعيلة جوزي بتتريق على “الشغلانة الصغيرة” بتاعتي، ومقتنعين إن ماليش لقمة عيش من غيره. لحد ما جه اليوم اللي عمل فيه عزمومة فخمة، وقامت أمه وشالت طبق الأكل من قدام بناتي الاتنين—وهو واقف بيتفرج وكل اللي قاله: “مش عايزين مشاكل.” ما تناقشتش. أخدت بناتي ومشينا. وتاني يوم الصبح، جه جوزي يدور على مراته اللي طول عمره شايفها “ملهاش حيلة”—بس لما حط رجله في البيت اللي عمره ما عرف إن عندي زيّه، اكتشف أخيرًا حقيقة الست اللي استقل بيها على مدار ١١ سنة كاملين.
الجزء الأول من ٣
أطباق العشا اللي حماتي شالتها من قدام بناتي
أول حاجة عملتها حماتي إنها شالت أطباق العشا من قدام بناتي الاتنين.
وماعملتش كده في السكات.
كانت قاصدة والناس كلها واخدة بالها.
جوزي، “هشام”، كان عامل اليوم ده اللي كان بيباهي بيه ويسميه “حفلة العزبة” بتاعته، في مكان متأجر وواسع وفخم برة في الشيخ زايد. المكان كان متقفل ببوابات حديد ضخمة وطويلة، ومحاط بحدائق متظبطة على الفرازة، وشجر كبير، وتراسات حجر، ودخلة عربيات مدورة مليانة عربيات أحدث موديل.
يجي تسعين واحد من القرايب والصحاب وشركاء الشغل جوم بعد الضهرية.
هشام بقاله أسابيع بيكلم الكل عن إن المكان ده بيمثل بداية مرحلة جديدة ورهيبة في حياته.
بس الحقيقة اللي ماقالهاش لحد إنه مابيمتلكش الفيلا دي أصلًا.
بس الحقيقة دي هتتعرف بعدين.
أما دلوقتي، الكل كان مستمتع بالوهم.
كان فيه فرقة جاز بتعزف تحت صيوان أبيض كبير، وفازات ورد شيك متوزعة على كل تربيزة، والموفيه المفتوح مغرق المكان: جمبري وسي فود، لحمة مشوية بتتقطع، عيش سخن، خضار مشوي، وأكل يكفي ضعف عدد الضيوف اللي حاضرين.
أنا والبنات كنا قاعدين في تربيزة بعيدة خالص عن التربيزة الرئيسية.
”فريدة” كان عندها تمان سنين.
و”كارما” كان عندها خمسة.
يادوب أكلوا نص أكلهم لما لقيت حماتي، “سهير”، قربت مننا.
سهير كانت لابسة بدلة حريمي شيك لونها أوف وايت ومختارها الدهب والألماظ بتاعها الغالي، ولابسة الوش المتكبر الواثق اللي دائمًا بيلبسوه لما تحس إن المكان بتاعها.
من غير ما تسأل ولا تستأذن، راحت مادة إيدها وشايلة طبق فريدة.
وبعدين شالت طبق كارما.
فريدة فضلت تبص لها وهي مش فاهمة.
”تيتة، أنا لسه باكل!”
سهير ابتسمت وكأن البنت قالت حاجة تضحك.
”الأكل كتير في كل حته يا حبيبتي، الأطباق الرئيسية دي معمولة عشان تربيزة العيلة الكبيرة.”
وبعدين بصت لي وقالت:
”بعدين المفروض أمك تكون فهمت خلاص إن الأصول والعادات ليها احترامها.. اسم العيلة لازم يفضل مرفوع بطريقة أو بتانية.”
كنت فاهمة قصدها كويس أوي.
دي جملة بقالها سنين بتكررها بأشكال مختلفة.
عشان أنا وهشام خلفنا بنتين ومامخلفناش صبيان، سهير كانت بتتعامل مع بناتي وكأنهم في مرتبة أقل في عيلة “الشناوي”.
كام حد من القرايب سمعوا كلامها.
ومحدش فتح بقه ولا اعترض.
سهير راحت مسلمة أطباق البنات لواحد من الويترات، وحطت بدالهم علبة بلاستيك على تربيزتنا.
كان جواها حتت عيش، وخضار، وصوص، وأكل متجمع من أطباق السرفيس.
”ده يكفيكوا أنتوا التلاتة وزيادة.”
زقت العلبة ناحيتنا بسرعة.
فيه شوية صوص اتقلبوا على فستان كارما الأزرق الفاتح ولطخوا خد فريدة.
بنتي الصغيرة اتسمرت مكانها.
وفريدة بصت بعيد في الجنينة ناحية أبوها.
وأنا كمان بصيت.
هشام كان قاعد في التربيزة اللي في النص وسط القرايب وصحاب الشغل.
لثانية واحدة، صدقت إنه ممكن يقوم ويجيلنا.
بس فضّل قاعد في كرسيه زي ما هو.
راح ناداني بصوت مسموع: “يا ميرفت، أرجوكي بلاش تعملي مشكلة من ولا حاجة.. أمي بتتصرف بعفوية وعايزة تفرح، سيبيني أفرح باليوم ده.”
الجملة دي نهت حاجة جوايا خالص.
مش عشان دي أول مرة يكسر بخاطري ولا يقلل مني.
تحصل كتير.
بس المرة دي، بناتي سمعوها بنفسهم.
مسحت خد فريدة بالراحة.
وبعدين نظفت فستان كارما.
ولا واحدة فيهم نطقت كلمة.
وفي السكوت ده، فهمت أخيرًا قد إيه سكوتي أنا طول السنين اللي فاتت كان بيعلمهم يرضوا بالإهانة.
الست الناجحة اللي جوزي عمره ما عرفها
عيلة هشام كانوا فاكرين إني بشتغل دوام جزئي في مكتب سماسرة أو إيجارات عقارات.
سهير كانت دائمًا بتسمي شغلي ده “الشغليانة الصغيرة”.
وأخت هشام مرة اتتريقت في عزومة رمضان وقالت إني محظوظة إن هشام بيكسب كفاية عشان يصرف على واحدة “طموحها على قدها”.
عمرى ما صححت لهم المعلومة.
اللي محدش فيهم كان يعرفه، إني من ١٢ سنة أسست شركة “كالدير للاستشارات العقارية”.
الشركة بدأت بعقد استشاري صغير، وكبرت في السكات.
وعلى ما جه يوم حفلة هشام، كنا بنقدم استشارات لكبار المطورين العقاريين، وبنمثل مجموعات مستثمرين، وبننسق صفقات استحواذ على عقارات، وشغالين في مشاريع في القاهرة، والإسكندرية، والساحل، وكمان السخنة.
أنا المالك الأكبر للشركة.
وفلوسي وحساباتي منفصلة تمامًا ومستقلة.
وقضيت سنين قاصدة أعدي كلام جوزي وأخليه يستقل بيا.
يمكن الكلام ده يبان عبط دلوقتي.
بس وقتها كنت بضحك على نفسي وبقول “بحافظ على بيتي وجوازي”.
من سنين، لما الشغل بدأ يكسب مبالغ أكبر بكتير ملي هشام بيتخيلها، جيت في مرة حكيت له عن الربع سنوي اللي حققنا فيه أرباح ممتازة.
رد فعله صدمتني.
ماقالش مبروك حتى.
بالعكس، قعد طول الليل يسألني هو أنا ليه مهتمة أوي بالشغل وليه بقضي وقت طويل كده، وكلام كله تريقة وسخرية من نوعية: “هو أنتِ صدقتي نفسك وفاكرة إنك بقيتي سيدات أعمال ولا إيه؟”
الليلة دي علمتني درس.
هشام بيحب يعيش عيشة الأغنية ويبقى مستريح.
بس مابيحبش فكرة إن مراته تبقى أنجح منه أو بتكسب أكتر منه.
فبقيت أهدى وأسكت.
هشام كان شغال في المبيعات في شركة توريدات تكنولوجية، وبيدخّل دخل كويس، بس طريقة حياته كانت معتمدة بالكامل على المنظرة والشو.
العربية الجيب الفخمة.
البدَل الـ Brand.
اشتراكات النوادي الغالية.
العزومات والمطاعم المطرقعة.
والساعة اللي بيفضل يتكلم عنها قدام الغريب والقريب لحد ما الناس حفظوا ماركتها من كتر الرغي.
بس في البيت، كان بيمشيني بميزانية مصاريف محسوبة بالقرش ويحاسبني على الفواتير والسوبر ماركت.
ولسنين، كنت ببلع التناقض ده وأسكت عشان التعب والمناهدة كانوا بيفرهدوني.
لحد ما سهير بدأت توجه نفس الطريقة والتنطيط ده لبناتي.
قبل حفلة الشيخ زايد بكام أسبوع، فريدة دخلت عليا الأوضة وانا بطبق الغسيل.
”ماما، ممكن أسألك سؤال؟”
”قولي يا حبيبتي طبعًا.”
ترددت شوية وبعدين قالت:
”هي تيتة كانت تتمنى لو كنا ولاد مش بنات؟”
إيدي أتقطعت عن التطبيق ووقفت.
”ليه بتقولي كده يا فريدة؟”
”عشان دائمًا بتقول إن الصبيان هما اللي بيشيلوا اسم العيلة.”
وبعدين فريدة بصت في الأرض وقالت:
”يعني أنا وكارما ملناش قيمة ومابنشيلش اسم العيلة؟”
السؤال ده فضل يرن في ودني وماراحش من بالي.
قضيت سنين أقنع نفسي إن السكوت والحلم دول طولة عقل ونضج.
بس الأطفال مابيفهموش السكوت على إنه عقل.
أوقات بيفهموه على إنه موافقة واستسلام.
خدعة الخمسة مليون جنيه
لما هشام جه أعلن إنه اشترى فيلا الشيخ زايد بمليونات، أنا كنت عارفة الحقيقة من قبلها.
كان متأجرها لإقامة مؤقتة.
فلوسه وديونه كانت راكبة بعضها ومزنوق لآخره بس كان هيتموت والقرايب يفتكروا إنه وصل للمستوى والرخاء اللي محدش فيهم كان متوقعه.
فعمل الحفلة الكبيرة دي.
وسماها حفلة “سكن جديد”.
وجاب بوفيه مفتوح على أعلى مستوى.
وعزم صحابه في الشغل.
وخلى القرايب ييجوا بسفريات ومواصلات من أقاليم ومحافظات تانية عشان يحضروا.
وقبل الحفلة بشهر تقريبًا، جه كلمني في مشكلة ثانية.
كان محتاج سيولة وسيولة كبيرة.
”أمك عندها قرشين شايلاهم على جنب,” قالها لي. “كلميها تسلفنا مبلغ ويمشي الدنيا مؤقتًا.”
قلت له إن أهلي ممكن يفكروا بس الموضوع يمشي بأوراق وعقود رسمية.
وبعدها بكام يوم، هشام مضى على أوراق بتثبت إن عليه مديونية بـ ٣٠٠ ألف جنيه (وقت كتابة العقد بالدولار).
ماقراش الأوراق حتى، ومضى وخلاص.
فاكرة شكله وهو بيبص في الورق بسرعة ويقلب.
”أهلك المفروض يفرحوا إنهم أخيرًا هيحطوا فلوسهم مع حد بيعرف يشغل الفلوس وتكبر في إيده،” قالها بكل ثقة.
الجملة دي كمان فضلت معلقة في دماغي.
مافيش أي مبالغ اتدفعت عشان تنقذ المنظرة وعيشة الشو بتاعته.
بس إمضته فضلت توثيق رسمي على عقود هو وافق عليها بكامل إرادته.
وعقد شركة الحفلات والبوفيه كان نفس الكلام.
هشام كان عايز أغلى وأفخم باقة.
أحسن أكل.
مزيكا لايف.
عمالة وخدمة زيادة.
وديكورات مستوردة.
كل حاجة.
والمبلغ المتبقي كان مفروض يدفع في نفس يوم الحفلة، وهشام كان ملزم بيه شخصيًا حسب العقد.
ومضى العقد ده بنفس الثقة اللي بيمضي بيها أي حاجة.
عشان كده، لما سهير شالت الأكل من قدام بناتي وهشام جه قال لي “بلاش مشاكل ونكد”، كنت عارفة تمامًا أنا هعمل إيه.
مش هعمل أي حاجة.
أنا خلاص خلصت، وما بقتش هصلح وراه ولا هقفه على حيله تاني.
قمت ومسكت إيد كارما.