قصة الطلاق ليس النهاية حصرية لصفحة روايات رولا

القصة بدأت في يوم خميس عادي جداً، مفيش أي حاجة توحي بالقلق. جالي مظروف، خط الإيد مكنتش عارفه، بس أول ما عيني جت على عنوان المرسل.. بطني وجعتني وقفلت: مستشفى ريفرسايد التذكاري.
جميع القصص علي صفحة روايات رولا
​فتحت المظروف، لقيت جواه ورقة صغيرة مكتوب فيها:
​”السيد ديفيدسون، طليقتك (مايا) كاتبة اسمك كشخص للاتصال بيه في حالات الطوارئ. هي اتنقلت المستشفى وحالتها تستدعي وجودك”.
​في اللحظة دي، كان بقالنا تلات شهور بالظبط مطلقين. نفس اليوم اللي خرجت فيه من المحكمة وأنا حاسس ومقتنع إن أصعب فترة في حياتي انتهت للآبد.. بس طلعت غلطان!
​طول الطريق للمستشفى، كنت حاسس إنني راجع بالزمن لورا. سنين طويلة حاولت بكل طريقتي أنساها، بس كل إشارة حمراء كنت أقف عندها كانت بتفكرني بحاجة. افتكرت (مايا) كانت فرحانة إزاي في أول موعد لينا، وافتكرت صوتها اللي مكنش حلو خالص في الغناء، بس كانت بتغني برضه وهي بتعمل القهوة الصبح وحافية القدمين.
​بس في نفس الوقت، افتكرت الأيام الضلمة.. الجفاء والبعد اللي كان بينا رغم إننا عايشين تحت سقف واحد. على ما وصلت المستشفى، كنت دايس على الدريكسيون بكل عزمي لدرجة إن إيدي كانت بتوجعني.
​الحقيقة المُرّة
​لما دخلت وقدرت أوصلها، كانت قاعدة جنب الشباك في وحدة العناية المركزة لأمراض القلب. لأول كام ثانية، مكنتش عارفها! (مايا) طول عمرها كانت تبان واثقة من نفسها، وعندها كبرياء حتى في أشد الأوقات، بس هنا.. كانت باينة ضئيلة، وتعبانة، ومكسورة. حسيت إن الدنيا كانت بتاكل منها حتة حتة من غير ما حد يحس، ولا حتى أنا.
جميع القصص علي صفحة روايات رولا
​بصتلي باستغراب، بس مكنش استغراب ضعف، كان استغراب حد ارتاح أخيراً، وقالت بصوت واطي: “أنت جيت؟”
رديت وأنا بتهتة، كأننا اتنين غُرب بيجاملوا بعض: “المستشفى كلموني”.
​فضلت واقف جنب الباب وهي عمالة تلعب بطرف البطانية. وأخيراً، جالي الإحباط وسألتها السؤال البديهي: “إيه اللي حصل؟”
سكتت كام ثانية، وبعدين قالت: “قلبي وقف”.
​عرفت إنها جتلها أزمة صحية وهي في الشغل بسبب أدوية كانت بتاخدها بجرعات عالية ولأوقات طويلة جداً، والدكاترة ربطوا بين الأدوية دي واللي حصلها.
سألتها وأنا مذهول: “أدوية إيه؟”
مردتش عليا علطول. كانت باينة مستنزفة تماماً، مش تعب جسم، لأ.. تعب روح، كأنها كانت شايلة جبل على كتافها طول السنين اللي فاتت.
​وهنا الحقيقة بدأت تبان.. حتة حتة، وفجأة كل حاجة وضحت. اتكلمت عن القلق، ونوبات الهلع، والليالي اللي مكنتش بتدوق فيها النوم، والخوف اللي مكنش بيسيبها لحظة. واعترفت إن الخوف ده معاها من أيام الجامعة ومكمل معاها وهي كبرت، وحتى طول فترة جوازنا. في الأول الأدوية كانت بتساعد، بس لما الخوف كان بيرجع، كانت بتدور على أي طريقة تانية تخبيه بيها.
قالتلي: “كنت فاكرة إني مسيطرة على الموضوع، بس في الحقيقة.. أنا كنت بداريه وبس”.
​إعادة ترتيب الذكريات
​وأنا قاعد هناك، كنت مصدوم في كل كياني. كل الكلام اللي بسمعه ده مكنش يمت بصلة لـ (مايا) اللي أنا أعرفها.. أو يمكن كان يمت، بس أنا اللي مفهمتش!
​وأنا بسمعها، الصور في دماغي بدأت تترتب من أول وجديد بشكل تاني خالص:
​التحضيرات والصباحات اللي مكنتش بتقدر تقوم فيها من السرير.
​العزومات اللي مكنتش بتحضرها، والدعوات اللي بترفضها.
​كل التعب والانسحاب والكدب اللي كنت بشوفه..
​كنت دايماً بفسر كل ده على إنه جفاء، أو إنها مبقتش تهتم بيا، أو إن الحب اللي بينا مات.. لحد اليوم ده طبعاً.
جميع القصص علي صفحة روايات رولا
​همستلها: “بس كان فيه علامات”.
ابتسمت بحزن وقالت: “أكيد”.
سألتها من غير ما أحس: “طب ليه مكنتيش بتقوليلي؟”
بصت في عيني لأول مرة من ساعة ما دخلت، وشفت سنين من الوجع في نظرتها: “عشان كنت خايفة”.
“خايفة من إيه؟”
“كنت خايفة تسيبني.. وبعدين بقيت خايفة تفضل معايا لمجرد إنك صعبانة عليك وتشفَق عليا”.
​سكتنا كتير.. سكوت تقيل أوي، خلاني أفكر في حاجات كان يمكن أحسن لو اتقالت من زمان. كل ما كانت بتتكلم، كنت بشوف جوازنا بنظرة تانية وخناقاتنا القديمة اللي كانت بتتحلق من غير سبب، واللحظات اللي اتهمتها فيها بالاستسلام، أو لما كانت بتسيب البيت وتمشي. كنت فاكرها مش مهتمة، بس دلوقتي بس شفت إنها كانت بتغرق، ومكنتش عايزة حد يعرف المية غريقة قد إيه.
​الفكرة دي وجعتني، خصوصاً إن فيه صوت جوايا كان بيقولي إن ده ذنبي، مع إن الحقيقة مش بالبساطة دي. المرض النفسي ليه مية وش؛ ساعات بيبان في شكل عصبية، أو تعب، أو إن الواحد يقفل على نفسه تماماً. (مايا) فضلت تمثل إنها طبيعية لسنين، وأنا قضيت سنين مصدق التمثيلية دي، من غير ما حد فينا يعرف التمن الحقيقي كام.
​رحلة التعافي الصادقة
​بعد الظهر، قابلت الدكتور بتاعها وشرحلي إن الموضوع كان ممكن يبقى أسوأ بكتير، وإنها كانت محظوظة. قالي إن المرض مش جسدي بس، دي محتاجة علاج نفسي، ومتابعة، وتغيير في أسلوب حياتها، والأهم من كل ده.. وجود حد يدعمها ويقف جنبها.
الدكتور سألني: “هو أهلها عايشين قريب من هنا؟”
​في اللحظة دي أدركت إني معرفش إجابة السؤال ده! والموضوع ده ضايقني جداً. إحنا عشنا مع بعض 7 سنين، بس في نص الطريق، تِهنا عن بعض ومعرفتش هي بتجيب قوتها منين. هو ده البعد.. بيحصل بالتدريج الممل، لحد ما تلاقي نفسك في يوم واقف قدام شخص غريب تماماً متعرَفش عنه أي حاجة.
​في الليلة دي، مشيتش. مكنش دافع واجب، لأ.. أنا مكنتش قادر جسدياً إني أسيبها وأمشي. إحنا كنا مطلقين وهي مش مسؤوليتي قانونياً، بس عاطفياً الموضوع كان أعقد بكثير.
​في الأيام اللي بعد كده، بدأنا نتكلم بطريقة مكنش بنعملها من سنين؛ من غير محامين، من غير دفاع، ومن غير أقنعة. حكتلي عن أول نوبة هلع جاتلها في السنة التانية من جوازنا وهي سايقة العربية للشغل، وإزاي كانت بتقاوم برعب رغبتها إنها تركن على جنب وتعيط. حكتلي عن إحساسها وهي قاعدة في وسط الناس وبتعد الدقائق عشان ترجع البيت، والأهم.. حكتلي عن كسوفها من نفسها، وإنها كانت فاكرة لو حكت مشاكلها هتبان قليلة في نظر الناس.
جميع القصص علي صفحة روايات رولا
قالتلي: “كنت دايماً بستنى الحياة الطبيعية ترجع.. بس عمرها ما رجعت”.
​الكلمات دي علمت معايا جداً، لأن ناس كتير بتعمل كدة، بيقنعوا نفسهم إن بكرة هيبقى أحسن، لحد ما السنين تضيع من بين إيديهم.
​رحلة الشفاء مكنتش سهلة خالص؛ كان فيه مطبات كتير، وأيام صعبة، وأيام تانية تحس إن مفيش أي أمل. بس كان فيه نجاحات برضه.. حاجات صغيرة بس كبيرة بالنسبة لها:
​تنام ليلة كاملة.
​تصحى الصبح هادية.
​تنزل تشتري طلبات من السوبرماركت من غير ما يجيلها رعب.
​الحاجات العادية دي بقت بالنسبة لها إنجازات خرافية. بقيت أروح مع الدكاترة النفسيين بتوعها، مش كزوج قلقان عايز ينقذ جوازه، لأ.. كشخص عايز يفهم ويتعلم. ولما بدأت أفهم، شفت عيوبي وتقصيري؛ كنت سريع الإحباط، وبنتقد كتير وبلومها، وده كان بيخليها تخاف وتداري أكتر. كانت دايرة مقفولة وبناكل في بعض فيها من غير ما نقصد.
​مع الوقت، التوتر اللي بينا اختفى.. مش عشان الحياة بقت وردي، لا.. عشان الحقيقة ظهرت. (مايا) بطلت تمثل إنها كويسة، وأنا بطلت أفسر كل حاجة على مزاجي. اكتشفنا إن قول الحقيقة أسهل بكتير من تمثيل الأدوار.
​البداية الجديدة
​بعد نص سنة، جوازنا كان انتهى رسمي وقانوني، بس الصداقة والاحترام هما اللي قعدوا مكان الزواج. (مايا) تابعت مع دكتور متخصص، ودخلت مجموعات دعم، وبقت أقوى بكتير. مرجعتش الشخص القديم، بس بقت نسخة جديدة وأحسن من نفسها.
​في يوم وأنا بتمشى معاها في الجنينة قالتلي: “طول السنين دي كنت بمثل إن كل حاجة تمام، ويمكن ده أكتر حاجة أذتني”.
التمثيل ده بياخد طاقة مرعبة. مكنش قلة الحب هي اللي طلقتنا، كان قلة الكلام والتواصل اللي غطى عليه الخوف والسكوت والكسوف.
جميع القصص علي صفحة روايات رولا
​دلوقتي، (مايا) بقالها أكتر من سنة في مرحلة التعافي، وبتتعامل مع قلقها بالعلاج مش بالسكوت. وأنا كمان اتغيرت؛ بقيت بسمع بجد، وبقيت عارف إن دايماً فيه قصة مستخبية ورا تصرفات أي حد.
​الطلاق مكنش النهاية؛ ده كان البداية الجديدة. أوضة المستشفى اللي (مايا) كانت هتموت فيها، طلعت هي المكان اللي بطلنا فيه تمثيل. ساعات، النهايات مابتكونش إلا بدايات لحاجة أحسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *