اجبار

لعبة الوجوه المستعارة
كانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً عندما بدأت أضواء فيلا عائلة الراوي تتلألأ لټخطف الأبصار، مصابيح الكريستال تتدلى من الأسقف العالية لتلقي بنورها الدافئ على الجدران الرخامية، بينما امتدت طاولة الطعام الطويلة التي بدت وكأنها لوحة مرسومة في مجلة عالمية، مغطاة بأفخر أنواع الأطباق والشموع البيضاء التي تفوح منها رائحة الياسمين. كان هذا الحفل هو الاحتفال السنوي الثالث لعيد زواج فرح وشريف، حفلٌ أرادت فيه السيدة سهام، والدة شريف، أن تجمع فيه وجهاء المجتمع، وأقارب العائلة من الدرجة الأولى والثانية، ورجال الأعمال الذين يشاركون زوجها رأفت بك الراوي في صفقاته الضخمة.
وسط هذا الصخب والضحكات المتبادلة والكاسات الغالية التي تتردد أصداؤها في المكان، كانت فرح تجلس بهدوء يخفي وراءه عاصفة. كانت ترتدي فستاناً من الحرير الأخضر الغامق، يبرز بساطتها التي طالما سخروا منها. لم تكن فرح تضع الكثير من مساحيق التجميل، ولم تكن ترتدي مجوهرات ضخمة كباقي النساء الحاضرات، بل كانت تكتفي بخاتم زواجها البسيط وساعة يد كلاسيكية. بجانبها، كان يجلس زوجها شريف، ممسكاً بهاتفه، يتابع بعض أرقام البورصة، ساهياً تماماً عن وجودها، كعادتهم في كل محفل. سكوته في تلك اللحظات كان دائماً أشد إيلاماً لها من أي إهانة مباشرة، لأنه كان يعكس تخليه الضمني عنها أمام عائلته.
فجأة، انقطعت الموسيقى الهادئة، وتقدمت السيدة سهام بخطوات واثقة، واضعةً على الطاولة ملفاً جلدياً فاخراً، بنبرة حادة وجافة سُمِعت في أرجاء الصالة امضي هنا.. كفاية إن العيلة كلها شايلة واحدة عمرها ما قدمت أي حاجة. تجمّدت الحركة في الفيلا، ونظر المعازيم بدهشة مخلوطة بالفضول والشغف بالدراما. فتحت سهام الملف وزقت القلم پعنف نحو فرح، مستطردة ده عقد الطلاق، المحامي راجعه بند بند، وإنتِ مش من حقك تطلبي أي حاجة، لأنك أصلاً دخلتِ البيت ده وملكيش أي حاجة.
ساد صمت ثقيل، تخللته همهمات خاڤتة ونظرات شماتة من بعض القريبات اللواتي انتظرن هذه اللحظة طويلاً، ظناً منهن أن فرح مجرد فتاة ريفية بسيطة حالفها الحظ بالزواج من سليل عائلة الراوي. أما رأفت بك، كبير العيلة، فقد استمر في رشف مشروبه دون أن يرفع عينه ليتطلع في وجه فرح، وكأن الأمر لا يعنيه أو كأنه مبارك ضمناً. نظرت فرح إلى القلم، وتذكرت السنوات الثلاث الماضية؛ كيف كانت تتحمل تعليقات سهام السامة عن كونها بسيطة زيادة، وأنها لا تناسب هذا المستوى، وعجزها عن مجاراة أسلوب حياة الأثرياء. وفي كل مرة كانت تشتكي لشريف، كان جوابه التقليدي معلش يا فرح.. دي طريقتها بس، استحمليها عشان خاطري، دون أن يجرؤ يوماً على الوقوف في وجه والدته لحمايتها.
طرقت فرح بأظافرها على الملف بهدوء شديد، فنفد صبر سهام وقالت مستنية إيه؟ امضي وخلي ابني يبدأ حياته من جديد مع واحدة تليق باسم عيلتنا. هنا تحرك شريف قليلاً وضغط على فكه قائلاً بصوت منخفض ماما.. ماكنش لازم يحصل ده قدام الناس كلها. فردت سهام بقسۏة بالعكس.. بعض الدروس لازم تتاخد قدام الكل عشان الكل يعرف حدود مقامه. التفتت فرح إلى شريف، انتظرته أن يقول كلمة واحدة، أن يرفض، أن يطلب تأجيل الأمر، لكنه خفض عينه إلى الأرض متهرباً. في تلك الثانية تحديدا، ماټ آخر خيط من الأمل داخل قلب فرح، وتحول ۏجعها إلى يقين بارد بانتهاء اللعبة.
مسكت فرح القلم بثبات، مالت الرقاب لمراقبتها وهي توقّع اسمها بالكامل دون تردد أو دمعة واحدة، هدوءها العجيب أثار حنق سهام التي سألتها باستغراب كده بسهولة؟

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *