حماتي وخداعها
حماتي كلمتني في نص الليل وهي بتقول تعبانة ومش قادرة تنفس، بس لما عرفت جوزي كان فين وأنا بجري على بيتها… كل حاجة اتهدت.
حماتي كلمتني الساعة 2:07 الفجر بتقول إنها بتموت ومش قادرة تاخد نفسها، بس لما ربطت وقت المكالمة دي بالملخص اللي نزل من فيزا جوزي، اكتشفت إني عمري ما كنت مرات ابنه الغالية… أنا كنت مجرد “الـمُغفلة” والغطاء المثالي عشان البيه يعرف يسهر براحته صايع في نص الليل.
اسمي فاليريا — أو خلوها “فريدة” بالبلدي — عندي 44 سنة، وشغالة فنية أشعة في مستشفي خاص في الدقي. بقضي يومي بين تصوير إشاعات، وتحضير حالات، ومساعدة الدكاترة عشان يشوفوا المستخبي جوة الجسم. السخرية بقى، إني معرفتش أشوف المستخبي في بيتي!
عرفت أحمد لما كنت خلاص اتصالحت مع فكرة إني مش هتجوز. كان شخص هادي، ومحترم، ومبيشربش سجاير حتى. عجبني فيه ده، في المستشفى بشوف رجالة حياتهم باظت من الإدمان والسهر، فلما لقيت راجل بيطلب عصير قصب أو حتة حاجة ساقعة في الخروجات، قولت ده رزق وجالي من السما.
— قالي في تالت مقابلة لينا في كافيه في الزمالك: “أنا ماليش في القهاوي والخنقة، أنا راجل بيوتي وبحب اللمة.”
وكنت هبلة وصدقته.
لما خدني عشان أعرف أمه، الحاجة إيجينيا — وخلونا نسميها “الحاجة إحسان” — استقبلتني بنظرة فحصتني بيها من الجزمة لطرحة شعري. ست أرملة، شيك، من نوع الستات اللي بتتكلم بصوت واطي عشان كلامها ينزل يقرص في العضم.
قالت وهي بتحط الغدا: “مفيش ست بتعتب بيتي كده بالساهل، مرات الابن بتبان معدنها لما تزنقها.”
أحمد ضغط على إيدي من تحت السفرة وقالي:
— أمي صعبة شوية بس طيبة وهتاخد عليكي.
بس هي مأخدتش عليا، هي أخدتني لحم وفصصتني.
قبل الفرح بشهر، الحاجة إحسان كلمتني الساعة 2 بالليل:
— تعاليلي حالا، عايزة أشوفك ست بيت بجد ولا لاء.
اتخضيت وقولت الست بتموت، لبست في ثانية وأنا بترعش وسوقت نص ساعة لحد بيتها في مصر الجديدة. ولما وصلت؟ لقيتها قاعدة حاطة ميك أب كامل، وضبطة شعرها، وبتشرب شاي بالياسمين وبتسمع أم كلثوم!
قالت لي ببرود: — ده كان اختبار.. لو مرات الابن منجدتش حماتها في ثانية لما تطلبها، يبقى متلزمناش.
كان المفروض أمشي.. كان المفروض أفركش الفرح.. بس في سن الـ 43، ومع فستان متشري، وأهل فرحانين، وراجل بيحلف إنه بيعشقني، أقنعت نفسي إنها مجرد “عقدة حموات” وهتعدي. أحمد اعتذر لي تاني يوم وقال:
— حقك عليا، معلش كبرتي في نظري ونظرها، بعد الجواز كل حاجة هتتغير.
وفعلاً، كل حاجة اتغيرت.. بس للأسوأ.
بعد أسبوع واحد من شهر العسل، الموبايل هز الساعة 1:18 بالليل.
— فريدة.. صدري واجعني وقايدة نار.. تعاليلي.
صحيت أحمد مخضوضة:
— أحمد.. والدتك تعبانة جداً.
فتح عين واحدة وقالي:
— معلش يا حبيبتي، هي بتخاف لما تقعد لوحدها، روحي إنتي والنبي، إنتي بتفهمي في الإسعافات وشغالة في مستشفى وهتعرفي تهديها، أنا عندي ميتينج مهم الصبح في الشركة.
ونزلت في البرد.. رحت لقيت الحاجة إحسان قاعدة بتتفرج على قنوات التسوق، وضوافرها لسه مدهونة مانيكير أحمر بيلمع.
قالتلي: — النغزة راحت.. بس اعمليلي كوباية مغات أو سحلب دافي عشان معدتي متقلبش.
ورجعت بيتي مع آذان الفجر.
والموضوع ده بقى المسلسل اليومي بتاعي. صداع، ركبتي بتوجعني، قلقانة، سقعانة.. دايماً في الفجرية، ودايماً في الأيام اللي بكون فيها مهدودة من الشغل. في الأول كانت مرتين في الشهر، بعد كده بقت مرتين في الأسبوع! كنت بسوق وعيني هتموت من قلة النوم، أعمل الشاي، أدور على الدوا، أعمل الشوربة، وهي مفيهاش الهوا!
كانت تقولي بلهجة آمرة: — إياكي تصحي أحمد، كفاية عليه هموم الشغل ومصاريف البيت، إنتي ست البيت ولازم تستحملي.
وكنت بسمع الكلام عشان أكون “الزوجة الأصيلة”، وكل ما أجي أشتكي، تفكرني بالاختبار الأولاني وتقولي: “قبل الجواز كنتي بتجري.. دلوقتي خلاص ضمنتي الراجل فطلعتي أنيابك؟”
جسمي انهار.. خسيت يجي 5 كيلو في أسبوعين.. وفي المستشفى اتلخبطت في فايل أشعة بتاع حالة حرجة، والمشرف بتاعي شدني في المكتب وقالي:
— فريدة، غلطة الأشعة هنا بتموت.. إنتي مش مركزة خالص، فيكِ إيه؟
معرفتش أقوله إيه.
أمي كمان لاحظت وقالتلي:
— وشك دبلان يا بنتي، هو أحمد مزعلك في حاجة؟
ابتسمت بوجع وقولت:
— لاء يا أمي، ده بس إرهاق الشغل وبظبط نومي.
كذبت عشان مقلقهاش.
في ليلة من الأيام، الحاجة إحسان كلمتني بتقول إن عندها سخونية ورعشة مش قادرة تقف منها. كنت لسه راجعة من نبطشية طحن في المستشفى، ومع ذلك روحت. لما دخلت، لقيتها قاعدة على الكنبة سمنة على عسل، وبتضحك بصوت عالي على مسرحية لـ عادل إمام!
قالتلي: — هاتيلي حباية بندول من المطبخ واقعدي جنبي شوية.
لما دخلت وجبت المية وجيت، لقيتها نامت وبتشخر بسلام وأمان.
وقفت أبص لها، وحسيت بحاجة جوايا انكسرت.. طقت في دماغي. كانت الساعة 4:11 الفجر. ولأول مرة مستنتش لما تصحى، خدت شنطتي ونزلت وجريت على بيتي.
أول ما دخلت باركينج العمارة بتاعتنا في المهندسين، لمحت أحمد واقف تحت عمود النور بيطوح.. ومعاه بنت صغيرة، لابسة فستان سواريه مكشوف وهيلز عالي، وسنداه من وسطه.
البنت بتبص لي وبتقولي بكل بجاحة: — أوبس.. هو حضرتك مراته؟ معلش يا فندم، الأستاذ سكر من نص كاس، أنا جيت أوصله بس عشان هو زبون دائم ومقرض عندنا في الكباريه.
زبون دائم! في كباريه! وهو قايلي مبيشربش بيبسي حتى!
أحمد أول ما شافني، السكر طار من عينه وفاق في ثانية.
بصلي برعب وقال: — إنتي إيه اللي جابك دلوقتي؟ مش كنتي عند أمي؟!
السؤال ده جمد الدم في عروقي أكتر من منظر البنت اللي معاه.
قولتله وأنا كلي بترعش: — آه كنت عند أمك.. بس أمك نامت.. قولي أنت بقى.. كنت فين والست والدتك بتموت؟
معرفش ينطق كلمة، والغطا كله اتكشف.
البنت سابت أحمد وهي بتبتسم بسخرية وركبت تاكسي ومشت، وسابتنا واقفين في باركينج العمارة في عز الفجر. أحمد كان بيحاول يمسك إيدي وهو بيتلعثم والكلام بيطلع منه بالعافية:
— فريدة.. اسمعيني بس.. والله دي أول مرة، أصحابي هما اللي ضغطوا عليا.. وأمي تعبت فجأة ومكنتش عايز أقلقك..
ضحكت بصوت عالي، ضحكة وجع وقهوة ممزوجة بقرف.
— أول مرة؟ البنت بتقول “زبون دائم”! وأمك.. أمك اللي كانت بتسهرني بالفجر عشان أعملها مغات وسحلب وهي قاعدة بتتفرج على مسرحيات، كانت بتعمل كده عشان تخلالي الجو وتديك الغطاء المثالي عشان تسهر وتصيع براحتك!
في اللحظة دي، كل المكعبات ركبت في مكانها. افتكرت نظرات الحاجة إحسان، واختباراتها، وكلمتها لما كانت تقولي “لازم تستحملي وماتصحيتش أحمد”. هي مكنتش بتخاف عليا ولا عليه، هي كانت بتشتري ابني “الحبيس” حريته على حساب صحتي ونومي وكرامتي. الأم وابنها عملوا عليا تمثيلية قذرة لمدة شهور.
أحمد حاول يقرب:
— فريدة، عشان خاطري، بلاش فضايح في العمارة، نتطلع شقتنا ونتفاهم.
— مفيش تفاهم يا أحمد. الشقة دي مش هعتبها تاني.
سبته واقف مكانه بيطوح، وركبت عربيتي. مروحتش لأمي عشان مخوضهاش في وقت زي ده. طلعت على المستشفى اللي بشتغل فيها، قعدت في استراحة الدكاترة وأنا برتجف، وبدأت أجمع الخيوط. فتحت الأبلكيشن بتاع البنك، وطلعت كشف حساب فيزا أحمد للشهرين اللي فاتوا.. وبدأت أقارن التواريخ والساعات مع سجل المكالمات اللي بيني وبين أمه.
النتيجة كانت صدمة، بس مريحة لعقلي اللي كان هيتجنن:
يوم الثلاثاء (قبل أسبوعين): مكالمة الحاجة إحسان الساعة 1:30 صباحًا بتشتكي من “ركبتها”.. وفي نفس الدقيقة، سحب نقدي بـ 3000 جنيه من مكنة ATM جنب كباريه شهير في شارع الهرم.
يوم الجمعة اللي فات: مكالمة “ضيق التنفس” الساعة 2:10 فجرًا.. يقابلها دفع بالفيزا في مطعم سهر في الزمالك الساعة 2:40 الفجر.
كل “تعب” للحاجة إحسان، كان وراه سهرة لأحمد. كانوا بيستغلوا طيبتي، وسني، وخوفي على بيتي، عشان يربطوني جنب الست، والبيه يعيش حياته القديمة اللي داراها عليا قبل الجواز.
أول ما الشمس طلعت، كلمت أخويا الكبيـر وطلبته يجيني المستشفى. حكيتله كل حاجة بالدليل.. كشف الحساب وسجل المكالمات وصورة البنت اللي لقطتها بكاميرا الموبايل وهي سانداه تحت عمود النور.
أخويا مكدبش خبر، أخدني وطلعنا على الشقة، لميت كل هدومي وحاجتي في شنط، وأحمد قاعد على الكنبة حاطط راسه بين إيديه ومش قادر ينطق بكلمة، لأن الـمُغفلة اللي كانت بتشيل قرفه وقرف أمه، فاقت.
وأنا خارجة من باب الشقة، الموبايل رن.. الشاشة نورت باسم “الحاجة إحسان”.
فتحت الخط، وجالي صوتها المسرسع:
— إيه يا فريدة؟ مشيتي وسيبتيني ليه البارح؟ أنا قمت ملقتكيش، وجسمي مكسر تاني، تعاليلي والنبي اعمليلي…
قاطعتها بصوت قوي وناشف، لأول مرة في حياتي:
— اعملي لنفسك يا حاجة إحسان.. وأحمد زمانه جايلك، خليه يعملك المغات والسحلب، أصل الكباريه قفل والبيه فاق.. والغطا اتكشف خلاص. وزي ما دخلت بيتكوا بكرامتي، هخرج منه وبقضية خلع هتحكوا بيها في المهندسين كلها.
قفلت السكة في وشها، وبلوك ليها ولابنها. خسرت كام شهر من عمري وصحتي، بس كسبت الباقي من حياتي.. وعرفت إن اللي بيستحمل “الخطأ” بحجة الطيبة، بيصحى في الآخر يلاقي نفسه مجرد أداة في لعبة ملعونة.