عقد الشقة

​زعقت فوزية وهي واقفة على باب الأوضة، وبتدافع عن المكان كأنه ورث أبوها، مش كأنها هجمت على شقة مش بتاعتها بعباية ستان روز وفردة شبشب جديدة:
— اطلعي برة من هنا وإلا هطلبلك البوليس! ابني هو اللي شاريلي الشقة دي!
​مريم وقفت متنحة مكانها والشنطة لسه في إيدها.
​كانت الساعة داخلة على 9 بالليل في يوم مطرة في القاهرة. مريم كانت لسه راجعة من الإسكندرية بعد 5 أسابيع قضتهم مع أختها الصغيرة اللي كانت بتعمل عملية جراحية صعبة. طيارتها اتأخرت، وريحة هدومها كانت مكمكمة من خنقة السفر، وكل اللي كانت مريم عوزاه إنها تدخل بيتها، تقلَع جزمتها، تشرب بؤ مية ساقعة، وتنام لحد ما الدنيا تبطل دوشة.
​بس حماتها كانت هناك.
​قاعدة في صالتها.
​وبتشرب في كوبايتها.
​كوباية جدتها عائشة.
​الكوباية البيضا اللي مرسوم عليها ورد أزرق بالإيد وفيها شرخ صغير عند الودن. مريم كانت محتفظة بيها سنين كأنها حتة من طفولتها. جدتها كانت دايماً تقولها إن الحاجات المكسورة مبترخصش طول ما لسه بتعرف تشيل الدفا جواها.
​دلوقتي، فوزية كانت ماسكاها بصوابعها المليانة غوايش وخواتم ذهب، وسايبة بقعة روج أحمر على حرفها.
​مريم قالت وهي بتحاول تستوعب المنظر:
— طنط فوزية؟
​الست ردت عليها بغل:
— متكلمنيش كأن ليكي حق هنا. التمثيلية بتاعتك خلاص خلصت، ومصطفى فهمني كل حاجة.
​مريم بصت حواليها.
​شقتها مبقتش شبهها. الصور العائلية اختفت من على جزامة المدخل؛ صورتها مع أهلها في القناطر، وصورة أختها وهي بتضحك وبقها مليان تورتة، وصورتها هي ومريم وهي ماسكة المفاتيح يوم ما مضت عقد الشقة عند المحامي… كله اتمسح.
​مكانهم بقى فيه براويز آيات قرآنية، مفارش لاسيه، مخاد مبرومة قطيفة، وفازة ورد ضخمة. حتى اللوحة المودرن اللي كانت معلقاها في الصفرة اتسحبت واتحط مكانها تابلوه مذهب ضخم.
​الريحة كمان اتغيرت؛ ريحة بخور تقيل، كلور رخيص، وريحة طبيخ بايت مريم ملمستوش.
​سألتها:
— أشيائي فين؟
​فوزية ضحكت ببرود:
— شيلناها.. في حتة متكركبش المكان.
​— شيلتوها فين يعني؟
​— جرى إيه يا مريم؟ متتعديش حدودك مع صاحبة البيت. أنتِ سِبتي البيت ده ووزعتي نفسك في الإسكندرية وكأن مفيش راجل وراكي. ابني أخد قرار رجالة.
​مريم كبشت بإيدها جامد على يد الشنطة.
​الشقة دي في مصر الجديدة. كانت شارياها قبل ما تتجوز مصطفى بسنتين كاملين. دفعت ثمنها من شقاها كمستشارة مالية، ومن الحوافز اللي مصطفى كان دايماً يتريق عليها قدام الناس، بس كان بياخدها منها في السر لما مشاريع الـ “سبوبة” بتاعته كانت بتقف ومبيلاقيش فيها لِبة.
​مصطفى مدفعش جنيه واحد في مقدم الشقة، ولا دفع قسط واحد، ولا حتى نزل اختار بلاط الحمام، رغم إنه بعد كده كان بيقعد وسط صحابه يتفشخر ويقول “احنا شطبنا وجددنا”.
​مريم قالت بقوة:
— الشقة دي باسمي أنا.
​فوزية رفعت راسها لفوق وشرقت:
— كانت باسمك!
​الكلمة نزلت على مريم زي المية الساقعة.
​— يعني إيه كانت؟
​— ابني مضى على ورق خلاص. ملوكيش عيش هنا تاني. هو اشترى الشقة دي ليا عشان أنا أهله، إنما أنتِ مبقتيش تبعنا. كنتِ مجرد ست متسلطة وشايفة نفسك عشان بتكسبي أكتر منه.
​مريم حست برعشة باردة في ضهرها.
​هي ومصطفى كانوا منفصلين بقالهم 3 شهور، ورغم كده مكنوش لسه بدأوا في إجراءات الطلاق رسمي. كان بيجي يقعد كام ليلة في الشقة بحجة إنه “بيلم حاجته”، ودايماً بياخد دور الضحية ويقولها “لازم نتكلم كبار”.
​دلوقتي، الموضوع طلع أكبر من كده بكتير.
​فوزية قربت منها خطوة:
— وبعدين متجيش تعملي لنا شوشرة هنا. الجيران كلكوا عرفوا إن مخك فوت. مصطفى مأكد لهم إنك متبهدلة ونفسيتك تعبانة من ساعة ما سبتيه.
​مريم بصت لها وساكتة.
​سنين وهي ستحملة كلام متغطي بسمّ الهزار؛ إنها باردة، وإن الست متكسرش كلام جوزها، وإن مصطفى بيحس إنه قليل عشان هي اللي بتدفع الفواتير، وإن الست الأصيلة متسافرش كتير تبع الشغل.
​بس إنها تشوف فوزية جوة بيتها، وبتشرب من كوباية جدتها وبتطردها من ملكها.. الحنفية قفلت جواها.
​لا صرخت.
​ولا عيطت.
​كل اللي عملته إنها سابت الشنطة جنب الباب، وطلعت موبايلها وكلمت أمن العمارة.
​— أستاذ محمد، أنا أستاذة مريم شقة 8. في حد غريب دخل شقتي من ورايا، وبتتهجم عليا ومش عاوزة تخرج. اطلعلي حالاً ومعاك البواب والمشرف.
​وش فوزية اتخطف واصفر، بس رجعت تبتسم باستهزاء:
— اعلى ما في خيلك اركبيه. ابني معاه الورق.
​مريم ردت ببرود:
— تمام، وريهوني بقى لما يجوا.
​بعد عشر دقائق، كانت فوزية واقفة في الطرقة برة وبتزعق في الأمن والمشرف، في حين إن مريم كانت بتمسح كوباية جدتها وبترجعها مكانها.
​بس قبل ما ينزلوها، فوزية التفتت وقالت جملة جمدت الدم في عروق مريم:
— لما مصطفى يجي، هتعرفي إنك مأخدتيش منه قفا في جوازك بس… ده أنتِ خسرتي الشقة كمان.
​ساعتها مريم عرفت إن الحكاية مش مجرد حما غلسة بتهجم على شقة.
​ده كان أول خيط في لعبة قذرة لسه هتبدأ.
الجزء الثاني: اللعبة القذرة
​طرد فوزية كان سهل.. سهل بزيادة.
​عم إبراهيم، مشرف العمارة، راجع الدفاتر والملفات وأكد اللي مفيش فيه شك: مريم سوليس هي المالك الوحيد والشرعي للشقة رقم 8. أفراد الأمن أخدوا فوزية لحد الأسانسير وهي عمالة تصرخ وتدعي إن دي كُسرة نفس وظلم، وإن مريم دي واحدة خطافة، وإن مصطفى هيجي يطربق الدنيا فوق دماغها في خمس دقايق.
​بس مريم مكنتش قادرة تشيل الجملتين دول من دماغها:
“ابني معاه الورق.”
“أنتِ خسرتي الشقة.”
​لما قفلت الباب، السكون اللي حل في الشقة مريحهاش.. ده وراها بلاوي.
​في حد نام على سريرها. هدومها متبهدلة. كذا درج مفتوحين. وفي الحمام، مستحضرات فوزية واخدة نص الرف. وفي المطبخ لقت كيس زبالة فيه أكياس أكل دليفري، وفواتير سوبر ماركت، وصورة بطاقة مصطفى متطبقة ومرمية.
​بعدها عينيها جت على مكتبه.
​مصطفى كان واخد ركن في الطرقة بقاله شهور ومسميه “مكتبي المؤقت”. كان بيشيل فيه ورق مشاريعه المضروبة، وعقود عمره ما شرحها، وفولدرات بأسماء شركات وهمية كبيرة.
​الدرج اللي تحت خالص كان مقفول بقفل.
​ومريم عارفة مصطفى كويس؛ مبيقفلش بقفل إلا على الحاجة اللي لسه خايف إنها تتكشف.
​دخلت أوضتها، فتحت علبة صفيح قديمة، وطلعت منها نسخة مفاتيح الطوارئ. المفتاح الثالث فتح الدرج.
​جوة، كان فيه دوسيه بيج مكتوب عليه بخط إيده:
“تنازل / أمي.”
​مريم حست إن قلبها سقط في رجليها.
​أول ورقة كانت إقرار وتفويض منسوب ليها، وممضي باسمها، بتسمح فيه لفوزية بالإقامة الكاملة في الشقة بصفتها “سكن عائلي دائم”.
​الإمضاء كان شبه إمضائها بالملّي.
بس هي ممضتش على الورقة دي!
دي منقولة بالكربون من عقد قديم.
​الورقة الثانية كانت الكارثة الأكبر: طلب قرض بضمان السكن، باسم مصطفى لمشروع تجاري، ومستخدم فيه الشقة رقم 8 كضمان مالي وعقاري للشراكة العائلية.
​مريم قعدت على الأرض من الصدمة.
​الموضوع مطلعش مجرد حما غلسة وطمعانة في شقة حلوة في مصر الجديدة.
ده تزوير ونصب علني.
​مصطفى كان بيحاول يستغل الشقة عشان يرفع بيها فلوس وقروض، ومطلع نفسه قدام البنوك والمستثمرين إنه صاحب حق في الملكية. وعشان الحبكة تكمَل، جاب أمه، وغير العفش، واحتل المكان عشان يثبت حالة إن الشقة مستقرة عائلياً باسمه.
​كان عاوز يربك كل حاجة قبل ما يبدأوا في إجراءات الطلاق.
كان عاوز يوسخ الشقة بـ “تمكين” وحوارات قانونية تطلعها من إيدها، عشان يبتزها ويتفاوض معاها من وسط العك ده.
​مريم صورت كل ورقة بموبايلها. وبعدين صورت فيديو للشقة، وللعفش المتغير، وللدوسيه، والباب الصغير اللي ركبه في الطرقة.
​بعدها كلمت محاميتها، أستاذة لمياء عبد الرحمن؛ ست هادية، كلامها قليل، بس قلمها في المحاكم بيسيب علامات مبتتمحيش.
​لمياء ردت من ثالث رنة:
— ابعتيلي كل حاجة حالاً.
​مريم بعتت الصور.
فاتت 4 دقايق بالظبط.
وبعدين لمياء كلمتها تاني:
— مريم، اسمعيني كويس. متتكلميش مع مصطفى لوحدك نهائي. متمديش إيدك على أي ورقة بالتوقيع. وماتخليهوش يدخل الشقة. ده مبقاش خلاف عائلي يا مريم، دي قضية تزوير في أوراق رسمية، ونصب، ومحاولة استيلاء على ممتلكات.
​— أمه قالت إنه جاي في الطريق.
​— يجي، بس متفتحيش الباب. لو وصل، افتحي الاسبيكر وخليني معاه على الخط.
​الساعة 10:17 بالليل، موبايل مريم اتهز.
كان مصطفى.
مردتش.
​بعت رسالة:
“أمي قاعدة بتعيط تحت في الشارع.. أنتِ عملتي إيه؟”
​وبعدها رسالة ثانية:
“ماتكبريش الموضوع وتعمليلنا فضيحة.”
​وبعدها رسالة ثالثة:
“الأحسن ليكي تتكلمي معايا قبل ما تعملي حاجة تندمي عليها.”
​مريم بصت للدوسيه البيج اللي على الترابيزة.
أخدت نفس طويل وردت عليه بجملة واحدة:
“أنا قاعدة بتفرج على الورق اللي أنت زورته.”
​الرد مجاش بعد 20 ثانية حتى:
“مريم، أنتِ مش فاهمة حاجة.”
​ابتسمت بوجع وسخرية.
لأ.. هي فاهمة.. وفاهمة كويس أوي كمان. لأول مرة من سنين، كل حاجة بقت واضحة قدامها.
​في اللحظة دي، جرس الباب ضرب.
مرة.
ثانية.
ثالثة.
​ومن ورا الباب، جه صوت مصطفى وهو بيقول:
— افتحي يا مريم.. لو مش عاوزة تخربي المعبد على اللي فيه.. افتحي حالاً!
​(ي
الجزء الثالث: المواجهة
​مريم متهزتش. مشيت بخطوات ثابتة لحد الباب، بس مفتحتش. طلعت موبايلها وفتحت الاسبيكر زي ما المحامية قالت لها، ووقفت ورا الباب الحديد وهي حاطة إيدها في وسطها.
​قالت برأس مرفوعة وصوت ثاقب:
— مش هفتح يا مصطفى. وأعلى ما في خيلك وخيل والدتك اركبوه. المحامية معايا على الخط، وكل الورق اللي أنت زورته في حرز حريز برة الشقة دي أصلاً.
​صوت مصطفى ورا الباب اتمسح منه الهدوم والتهديد، واتحول لنبرة رعب حاول يداريها بالزعاق:
— مريم بلاش جنان! ورق إيه وتزوير إيه؟ أنتِ فاهمة غلط، ده تمويل للمشروع الجديد والشقة ضامنة بس، وأنا كنت هفكه في خلال شهرين! افتحي وبلاش فضايح قدام الجيران!
​في اللحظة دي، جه صوت أستاذة لمياء عبد الرحمن من الموبايل، حاد زي المشرط:
— يا باشمهندس مصطفى، أنا أستاذة لمياء، محامية أستاذة مريم. أحب أبلغك إن “الضامنة بس” دي اسمها في القانون جناية تزوير في محررات عرفية واستعمالها، وعقوبتها السجن المشدد. ده غير النصب والشروع في الاستيلاء على مال الغير. إحنا حالياً بنقفل المحضر، والشرطة لو جت مش هتيجي عشان خناقة عائلية، هتيجي بقوة القانون.
​السكوت حل ورا الباب. مصطفى نفسُه انقطع. كان فاكر مريم لسه الست الطيبية اللي بتسكت عشان “البيت ميتخربش”، ومكنش متخيل إنها لقطت اللعبة بالسرعة دي.
​بدأ يخبط براحة، وبنبرة منكسرة:
— مريم.. عشان خاطري.. بلاش نودي بعض في داهية. أنا وأمي ملناش مكان نروحه لغاية ما أمور الشركة تظبط. خلينا نتفاهم، هقطع الورق قدامك حالاً.
​مريم بصت لكوباية جدتها عائشة اللي كانت شايلاها في إيدها، وافتكرت جملتها: “الحاجات المكسورة مبترخصش طول ما لسه بتعرف تشيل الدفا جواها”. بس مصطفى مكنش مجرد شرخ.. مصطفى كان عاوز يكسرها مية حتة ويبيع الأنقاض.
​ردت عليه ببرود قاتل:
— اللي بيتصلح يا مصطفى هو اللي اتكسر بالغلط.. مش اللي اتهد بـ غل وتخطيط. المحضر هيتقدم الصبح، والطلاق هيترفع بكره في المحكمة. ودلوقتي.. اِمشي من هنا بدل ما أخلّي الأمن يطردك زي ما طرد والدتك.
​مريم سمعت صوت خطواته وهي بتبعد عن الباب، سريعة ومهزومة.
​أخدت نفس طويل، وقفلت الموبايل بعد ما شكرت المحامية. الشقة رجعت هادية تاني، بس المرة دي الهدوء كان حقيقي. قعدت على الكنبة، حطت كوباية جدتها قدامها، وبصت للشرخ الصغير اللي فيها وابتسمت.
​العاصفة عدت، والشقة رجعت لأصحابها.. ومريم عرفت تاخد حقها تالت ومتلت.
​تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *