بعد موت جوزي حصوي لصفحة روايات رولا
الصبحية اللي بعد المدافن
المطر كان بينزل براحة فوق فيلا الشناوي القديمة في التجمع الخامس. صوته ما كانش عالي كفاية يداري الوجع والكسرة اللي في قلبي، بس كان بارد كفاية يخلي كل نفس بيوجعني.
يوم واحد بس كان عدى على وقفتي قدام قبر جوزي.
كريم الشناوي كان عنده 33 سنة بس لما جلطة مفاجئة خطفته مني. قبلها بأسبوع، كان قاعد بيضحك معايا على السفرة وبيقولي: “أنتي بتشيلي الهم بزيادة يا مريم”. ودلوقتي، دبلته في إيدي، وصوته اختفى من البيت، وأهله واقفين على عتبة الفيلا وكأني كنت ضيفة تقيلة وآن أوان طردها.
”لمي هلاهيلك دي واطلعي برا بيتنا يا مريم.”
حماتي، الحاجة شاهيناز الشناوي، كانت بتجر شنطتي القماش القديمة على أرضية المدخل الرخام. كانت لابسة عباية حرير سودا شيك، وواقفة في الداري مش طايلها المطر، وأنا واقفة في الطين برا بنفس الفستان اللي دفنت بيه ابنها إمبارح.
زقت الشنطة من على السلم، فاتفتحت وكل هدومي، ويونيفورم التمريض بتاعي، وحاجاتي الصغيرة اتمطرت في الطين.
من وراها، ياسمين، أخت كريم الصغيرة، رفعت موبايلها وبدأت تصوّر لايف وهي بتضحك بلؤم: “الله على المنظر! لازم الكل يشوف الحتة البيئة دي لما تصدق نفسها وتفتكر إنها بقت من عيلة الشناوي”.
بصيت لهم، كنت تعبانة لدرجة تمنعني حتى من الرعشة، وفاضية من جوايا لدرجة تمنعني من العياط.
قربت شاهيناز مني وصوت كعبها بيرن: “كريم مات، يعني الحلم الجميل اللي كنتِ عايشاه انتهى. مفيش حد يحميكي هنا تاني. أنتي مضيتي على وصل الأمانة وعقد التنازل قبل الجواز… تخرجي من هنا زي ما دخلتي، شحاتة وملكيش مليم”.
بصيت تحت رجلي، لقيت ألبوم فرحنا مفتوح في الطين. المنظر ده وجعني أكتر من الشنطة، وأكتر من كلامهم، وأكتر من المطر. وطيت براحة ولميته، كان الطين مغطي وش كريم وهو بيضحك في الصورة، مسحته بكمي وضميت الألبوم لصدري كأنه آخر حاجة دافية فاضلالي في الدنيا.
بصيت لشاهيناز وقلت لها بهدوء: “عندك حق… أنا معيش حاجة”.
ياسمين ضحكت بسخرية.
لفيت وشي ومشيت في طريق الفيلا الطويل تحت المطر، وسبت هدمتي المتبهدلة ورايا. مشيت وأنا مش معايا غير ألبوم الفرح… والسر اللي كريم سابهولي.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
السر اللي كريم سابه وراه
لمدة ست شهور، عيلة الشناوي افتكروا إني فص ملح وداب. افتكروا إني رجعت شقتي القديمة الإيجار في عين شمس، ورجعت لشغلي في المستشفى ونبطشيات الـ 12 ساعة، والأكل على القد، وحياتي العادية اللي مكنتش تملى عينهم. افتكروا إن ورقة التنازل اللي مضوني عليها قبل الجواز جابت مفعولها.
بس كانوا واهمين.
كريم كان عارف أهله كويس جداً، أكتر من أي حد. كان عارف إن أبوه، الحاج رأفت الشناوي، بيموت في قرش التجارة وإمبراطورية الملاحة بتاعته أكتر من بني آدمين بيته. وكان عارف إن شاهيناز بتموت في المنظرة والـ “إيجو”. وعارف إن ياسمين بتصرف فلوس الشركة على لبس البراندات والسفر كأن الفرس بينزل من سقف بيتهم.
قبل وفاته بثلاث أسابيع، كريم غير كل حاجة.
قعد سراً مع المستشار القانوني بتاعه في مكتبه في جاردن سيتي، ونقلي ملكية أسهم الأغلبية، وحق التصويت، والإدارة التنفيذية الكاملة لشركة “الشناوي للملاحة والنقل البحري”. مش عشان أنا طلبت، عشان كان واثق فيا.
كل يوم تلات الصبح بعد المدافن، وفي الوقت اللي عيلة الشناوي فاكريني فيه مكسورة وبشحت، كنت بقعد في غرفة اجتماعات مكيفة في أكبر مكتب محاماة في الدقي.
درست الأوراق لحد ما عيني زغللت. قريت تقارير الشحن، الحسابات، مصاريف الإدارة، والمراجعات القانونية. عرفت الفلوس بتروح فين، وعرفت الحسابات السرية اللي رأفت الشناوي بيحول عليها، وعرفت الشركة اللي بناها جد كريم كانت خلاص على شفا فلاس وضياع بسبب الطمع والمنظرة الفاضية.
حزني ما اختفاش… ب جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا س اتحول لـ طاقة وإصرار.
ليلة الحفلة السنوية
حفلة “مؤسسة الشناوي الخيرية” كانت متقيمة في قاعة فندق “الماسة” في القاهرة الجديدة في ليلة من ليالي أكتوبر.
ده الجو اللي عيلة الشناوي بتموت فيه: كاميرات، فساتين سواريه ملايين، رجال أعمال، تصوير للصحافة، ومستثمرين بيحاولوا يداروا قلقهم. قاعة كاملة مليانة ناس بتقيس قيمة البني آدم بفلوس تبرعاته وباسمه الأخير.
رأفت الشناوي كان واقف عند الباب بالبدلة التوكسيدو بيسلم على الناس كأنه هتلر في زمانه، وشاهيناز واقفة جنبه بطقم الألماظ وابتسامة صفرا مرسومة بالمسطرة، وياسمين بتتنطط بكأس العصير والموبايل عشان توري الفانز عيلتها الكريمة وهي بتعمل خير.
فجأة، عربية مرسيدس سودا أحدث موديل وقفت قدام باب الفندق. السواق نزل فتح الباب… وأنا نزلت. الكاميرات كلها لفت عندي.
كنت لابس فستان سواريه أخضر زمردي مجسم، كريم كان قايل لي زمان إنه هياكل حتة من عينيا. شعري كان ملموم شيك وناعم، وحوالين رقبتي كان عقد ألماظ من الخزنة الشخصية لعيلة الشناوي؛ العقد اللي شاهيناز قالت لي في وشي زمان: “دبلة فضة كتيرة عليكي”.
القاعة كلها سكتت أول ما دخلت. الكلام وقف، والكاسات اتعلقت في الهوا.
شاهيناز أول ما شافتني ابتسامتها اختفت تماماً، موبايل ياسمين نزل، ورأفت الشناوي وشه اتخطف كأنه شاف عفريت.
شاهيناز مشيت بسرعة ناحيتي وهي بتحاول تكتم صوتها وفحيحها كله غل: “أنتي إيه اللي جابك هنا؟ ومين اللي دفع ثمن الفستان ده؟ وإزاي تتجرأي وتلبسي الألماظ ده يا شحاتة؟”
بصيت لها بكل برود: “مساء الخير يا شاهيناز هانم”.
عينيها كانت بتطلع شرار: “اطلعي برا بدل ما أطلب لك الأمن يرميكي في الشارع ويظبطك”.
رأفت الشناوي وصل جنبها، وشه أحمر وعروقه بارزة من الغضب ورا الابتسامة الميتة: “دي حفلة خاصة بـ في آي بي، أنتي مكانك مش هنا”. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
أخدت كاس عصير من نادل معدي، وقفت بثقة وقلت له: “لم الدور يا حاج رأفت وخليك حذر”.
ضحك بسخرية: “أبقى حذر؟ ومن مين؟ من حتة ممرضة سوابق حسابها في البنك ميعملش تمن كرسين هنا؟”
بصيت في عينه مباشرة: “حذر من إن الناس تشوفك وأنت بتطرد صاحبة القصة كلها، والمالكة لأغلبية أسهم شركة الشناوي للملاحة من حفلتها”.
القاعة قلبت مدافن
رأفت الشناوي تنح، ولأول مرة في حياته ملقاش رد يقوله.
شاهيناز بربشت بعينيها وهمست: “صاحبة الأغلبية؟”
وقبل ما رأفت ينطق، المستشار مدحت بيه، محامي كريم الله يرحمه، طلع من وسط الناس وهو شايل ملف جلد أسود، وعلى وشه ابتسامة ثعلب مستني اللحظة دي من زمان.
وقال بصوت جهوري: “يا رأفت بيه، أوراق تركة كريم بيه الشناوي اتوثقت في الشهر العقاري بالكامل قبل وفاته بثلاث أسابيع”. وسلمه الملف.
رأفت فتح الملف بإيد بتترعش، والدم هرب من وشه وهو بيقرأ.
المستشار مدحت كمل وصوته جايب لآخر القاعة عشان كل أعضاء مجلس الإدارة والمستثمرين يسمعوا: “كريم بيه كان بيمتلك قانونياً 51% من أسهم شركة الشناوي للملاحة ورثها عن جده. وفي وصيته الأخيرة وتوجيهه الرسمي، نقل الأسهم دي بالكامل، مع حق الإدارة والتصويت، لمراته السيدة مريم الشناوي”.
ياسمين بوقها اتفتح من الصدمة: “لا.. مستحيل، الكلام ده تزوير!”
بصيت لها وقلت: “لا يا حبيبتي، حقيقي وزي الألف”.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
رأفت كان بيقلب الورق كأنه عايز يقطعه ويخلق حقيقة تانية: “عقد التنازل! هي ماضية إنها ملهاش حق في أي حاجة!”
المستشار مدحت رد عليه: “عقد التنازل كان بخصوص الأصول اللي قبل الجواز يا فندم. ملوش أي علاقة بإن كريم بيه ينقل ملكية أسهمه الخاصة لمراته بصك شرعي وقانوني منفصل”.
الناس بدأت تهمس ووشوش عيلة الشناوي بدأت تقع في أكبر ليلة ليهم قدام المجتمع.
كريم كان كاشفكم
سبت رأفت واقف في مكانة وطلعت على المسرح الصغير اللي في صدر القاعة. مسكت المايك، والقاعة كلها بقت زي المدافن، مفيش نفس.
بدأت كلامي: “جوزي كان بيعشق الشركة دي، كان بيحب العمال اللي شقيانين فيها، والعائلات اللي بيوتها مفتوحة منها. بس كريم مكنش مغفل”.
فك رأفت تشنج، فنظرت له كملت: “كان عارف إن فلوس الشركة بتتسحب لشراء شاليهات في الساحل، وسيارات فارهة، ومشاريع وهمية على الورق مابتجيبش غير ديون. كان عارف إن حسابات الشركة بقت محفظة شخصية لهواة المنظرة، وإن المركب كانت بتغرق والكل بيضحك للكاميرات”.
المستثمرين بدأوا يبصوا لبعض، وأعضاء مجلس الإدارة علامات الرعب ظهرت عليهم وبصوا لرأفت. شاهيناز كانت بتهز رأسها بهستيريا وبتقول بصوت واطي: “مريم… بس… اسكتي”.
بس أنا مسكتش: “كريم اختارني عشان عارف إني هحافظ على شقاه. أنا قضيت عمري ممرضة في عناية أطفال مركبة، وبعرف يعني إيه أحافظ على حاجة رقيقة بين الحياة والموت. وبعرف ألقط الإشارات اللي غيري بيطنشها، وبعرف أحارب لأجل اللي ملوش ضهر”.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
لفيت وشي لأعضاء مجلس الإدارة وقلت: “النهاردة الصبح، وبصفتي صاحبة القوة التصويتية الأكبر، دعوت لمجلس إدارة طارئ. وبأثر فوري، تم عزل رأفت الشناوي من منصب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، وتجميد صلاحياته لحين انتهاء الجرد والتدقيق المالي”.
القاعة اتضربت بقلب، هرج ومرج وصوت الناس علي. الصحفيين رفعوا موبايلاتهم لايف، والمستثمرين بدأوا يكلموا مكاتبهم. رأفت الشناوي كان واقف متسمر والملف في إيده كأنه شايل جبل. وقال: “أنتي متقدريش تعملي كدا”.
وطيت صوتي بس المايك وصل الهمسة لكل ودن: “عملت خلاص يا حاج”.
شاهيناز افتكرت المطر
شاهيناز جرت ناحية المسرح، وشها اتقلب 180 درجة. الست المتكبرة اللي رمت شنطتي في الطين اختفت، وظهرت مكانها واحدة مرعوبة، وبتشحت رضايا بعد ما عرفت إن كل حاجة راحت منها.
قالت وهي بتمسك طرف فستاني: “مريم.. حبيبتي.. أرجوكي، أنا كنت في غيبوبة من الصدمة على ابني ومكنتش في وعيي، إحنا أهل يا بنتي”.
بصيت لإيدها ورجعت خطوة لورا: “الأهل مابيرموش أرملة ابنهم في المطر يوم دفنته”.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
شفايفها رعشت: “غلطة وسامحيني عليها”.
قلت لها بالراحة: “لأ، دي مكنتش غلطة، ده كان اختيارك. أنتي شوفتيني في عز كسرتي وقلتي دي الفرصة اللي أوريها فيها وشي الحقيقي”.
ياسمين بدأت تعيط بدموع تماسيح: “أنتي كدا بتخربي بيتنا وتضيعينا”.
بصيت لها: “أنا مش بضيعكم يا ياسمين، أنا بس بشيل الستار اللي كان بيكبّر عيبكم ومخليكم عايشين في الطراوة”.
شاورت لأفراد الأمن الجداد اللي عينتهم، فدخل 6 رجالة ببدل سودا من باب القاعة.
وقلت: “من فضلكم، اتفضلوا مع رأفت بيه، وشاهيناز هانم، والآنسة ياسمين لبرا، لإنهم بيعطلوا الحفلة”.
رأفت زعق بعلو صوته: “دي شركة أبويا وجدي!”
بصيت له لآخر مرة: “كانت شركة كريم… ودلوقتي شركتي وأنا اللي هحميها”.
وهما خارجين والأمن بيقودهم، شاهيناز لفت وشها ليا وهي مرعوبة والدموع في عينيها. رفعت المايك وقلت: “آه.. صحيح يا شاهيناز هانم، فيلا التجمع الخامس مسجلة كأصل من أصول الشركة… يعني ملك “الشناوي للملاحة”.
الست جمدت في مكانها.
كملت: “قدامك 24 ساعة تلمي حاجتك وتخلي الفيلا. بعد كدا، الأمن هيطلع الشنط بتاعتك ويرميها على الرصيف برا”.
القاعة مكنش فيها نفس، وابتسمت لها نفس الابتسامة اللي ادتهالي في المطر: “أظن أنتي مجربة وعارفة الخطوات كويس”.
البداية الجديدة
بعد ما الباب اتقفل وراهم، القاعة فضلت ساكتة شوية، بعدين لفت للضيوف وإيدي ثابتة وقلبي حديد.
وقلت: “أنا بعتذر عن الشوشرة دي. من الليلة، شركة الشناوي للملاحة مش هتبقى عزبة شخصية لأي حد يصرف منها على منظرت الفاضية وخداعه. هنرجع نبنيها بالحق، والشفافية، والإنصاف لكل عامل بيعرق فيها”.
راجل أعمال بدأ يصفق، ووراه التاني، ولحد ما القاعة كلها هزها التصفيق.
مابتسمتش عشان انتصرت أو انتقمت، ابتسمت عشان كريم وثق فيا وأنا طلعت قد الأمانة ومخذلتوش.
بعد تلات شهور، كنت واقفة في مكتب رئيس مجلس الإدارة في الدور الأخير بمقر الشركة في الدقي. المركب بدأت تمشي صح، ومجلس الإدارة اتعدل، والتحقيق المالي طلع بلاوي تخلي رأفت الشناوي يقضي بقية عمره في المحاكم. أما شاهيناز وياسمين، فبقوا عايشين في شقة إيجار بعيد خالص عن المظاهر اللي كانوا بيقيسوا بيها البشر.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
بصيت لدبلة كريم في إيدي وهي دافية، وهمست: “وفيت بعهدي يا حبيبي… وحميت اللي كنت بتحبه”.
كانوا فاكريني نكرة.
وتركوني في المطر.
وافتكروا صمتي قلة حيلة.
بس ساعات الصمت مبيبقاش استسلام… بيبقى تكتكة وترتيب.
ولما بتيجي اللحظة الصح، الشخص اللي حاولوا يدفنوه في الطين بيطلع بجذور أقوى من أي حد حاول يكسره.