امي ضربت مراتي حصري لصفحة روايات رولا
العزومة الكبيرة بتاعة راس ااسنة في بيت أمي، اللي المفروض كانت تلم الشمل، اتقلبت لخناقة شوارع بسبب حاجة تافهة كان ممكن تعدي وتنتهي في المطبخ مع صينية المكرونة بالبشاميل اللي وشها اتحرق.
مرت أخويا، نيرمين، ست عندها ٣٨ سنة، شياكة وأناقة مبالغ فيها، متجوزة دكتور سنان، وعندها موهبة مرعبة في إنها ترمي الكلام وتجرح اللي قدامها من غير ما تعلي صوتها أو تبان زعلانة. كانت دايماً بتبص لـ أميرة مراتي بنظرة فوقية، كأنها متغاظة إن في حد في الدنيا بيثبت إن الأخلاق والجدعنة ملهمش علاقة بالفلوس. أميرة بقالها ست سنين صابرة وبتعدي ومبتبينش إن تلقيح الكلام بتاع نيرمين بيضايقها.
”أنتي دايماً بتعملي من الحبة قبة ودراما على الفاضي يا أميرة،” نيرمين قالتها وهي بتلف كباية العصير في إيدها ببرود: “بس معلش، في ناس مننا مكبرتش وهي بتتعلم إزاي تعيش على الكوبونات والندم.”
السفرة كلها سكتت تماماً.
ملامح أميرة اتغيرت، مش للغضب، لكن لملامح تعب وإرهاق سنين. بصت لـ نيرمين وقالت:
”قولي اللي أنتي عايزة تقوليه بوضوح يا نيرمين، بلاش تلقيح.”
أمي، الحاجة فريدة، حطت الشوكة من إيدها على الطبق ورزعتها خفيف:
”أميرة، مش عايزين نكد، متدوريش على المشاكل.”
”أنا مبدأتش المشاكل يا طنط،” أميرة ردت بوضوح: “بس أنا خلاص استكفيت ومش هفضل مبتسمة وهي بتهينني قدام بنتي.”
بنتنا ليلى، اللي عندها سبع سنين، كانت قاعدة جنبي بفستان العيد الأحمر، ماسكة كباية اللبن بإيديها الاتنين وعيونها بتلف بين الوشوش، بتدور على أي حد كبير تحس معاه بالأمان في اللحظة دي.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
نيرمين ضحكت باستهزاء:
”يا شيخة سيبك.. بنتك بتسمع في مدرستها كلام ألعن من كده بكتير.”
هنا أميرة وقفت من على الكرسي:
”لأ.. بنتي بتسمع هنا كلام أوحش بكتير من اللي بتسمعه برا.”
وفي اللحظة دي، أمي وقفت.
أمي طول عمرها مكنتش بتحتاج تزعق عشان تسيطر على المكان، سكوتها كان كفيل يهز البيت. بس ليلتها، ملامح وشها اتغيرت لشخص تاني خالص عمري ما شوفته قبل كده. خطت ناحية أميرة وضربتها بالقلم على وشها قلم قوي لدرجة إن نجفة الصالون حسيت إنها اتهزت من قوته.
ليلى شهقت وحطت إيدها على بوقها، وأثر القلم الأحمر بدأ يظهر على وش أميرة.
أمي وطت ووشوشت أميرة بغل:
”هتفضلي طول عمرك بنت حواري وشحاتة.. خدي بنتك واطلعي برا بيتي.”
الصالون كله اتجمد.
بصيت لأمي، وبصيت لـ أميرة اللي واقفة دموعها في عينيها بس لسه محتفظة بكرامتها وكبريائها، وبصيت لـ ليلى اللي إيديها الصغيرة كانت بتترعش من الخوف.
منطقتش.. مجادلتش.. ومدافعتش عن حد في اللحظة دي. مسألتش أمي إزاي تعمل كده في الست اللي وقفت جنبي وساعدتني أبني حياتي من تاني بعد وفاة أبويا، والست اللي جابتلها حفيدتها الوحيدة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
وقفت من على الكرسي بكل هدوء.
”ليلى.. البسي جاكيتك.”
أمي بصتلي بذهول:
”رأفت…”
بصيت في عيونها مباشرة:
”لأ يا أمي.”
الكلمة دي كان ليها صدى أقوى من أي زعاق.
بينما أميرة كانت بتهدي ليلى في أوضة الضيوف، كنت أنا بلم هدومنا في الشنط. أخويا مازن دخل الأوضة وورايا وقالي بصوت واطي:
”رأفت، متمشيش وتكبر الموضوع أكتر من كده.”
قفلت سستة الشنطة وبصيتله:
”دي ضربت مراتي بالقلم يا مازن.”
”دي أمك برضه يا رأفت!”
”وأميرة هي بيتي وعيلتي.”
نزلنا من البيت، والجو برا كان برد وساقعة طوبة ومطر خفيف بينزل تحت كشافات الشارع. مفيش مخلوق في البيت حاول يوقفنا وإحنا خارجين من الباب.
تاني يوم الصبح، تليفوني رن، وكانت أمي بتعيط.
الجزء الثاني: شروخ في جدار العيلة
كنت قاعد على طرف السرير في بنسيون بسيط على أطراف القاهرة، وتليفوني عمال يتهز على الكومودينو.
أميرة كانت نايمة على جنبها ومحضنة ليلى ونايمين. الأوضة كانت ريحتها مطهر قديم وملايات مغسولة، ومن الشباك كان باين الشارع الزراعي والعربيات بتعدي في هدوء الصبح.
اسم أمي ظهر على الشاشة تاني.
سبت التليفون يرن لحد ما سكت.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
جالي فويس نوت، وبعدها رنة تانية، وبعدها رسالة:
”رأفت، أرجوك رد عليا. أنا عايزة أفهمك.”
كنت حاسس بحمل السنين كله فوق كتافي. لما أبويا مات وأنا عندي ٢٤ سنة، أمي انهارت تماماً، وأنا اللي بقيت مسؤول عن كل حاجة. شيلت هم البيت، فواتير، تصليحات، مشاوير الدكاترة، وكنت دايماً اللي بيمتص غضبها بعد أي خناقة هي بتفتعلها مع قرايبنا، وأروح أعتذر لهم نيابة عنها، وأقنع نفسي إن بر الوالدين معناه إني أستحمل أي حاجة من غير ما أشتكي.
لحد ما قابلت أميرة.
كانت بتشتغل شفتين في مستشفى حكومي عشان تكمل مصاريف دراستها في التمريض. كانت بتسوق عربية ماروتي قديمة متبهدلة، ومبتتكسفش من ظروفها القديمة. كبرت في بيت بسيط جداً فوق السطوح في حارة من حواري طنطا، مع أم مشغولة دايماً وجوز أم بيضيع القرشين اللي معاهم. عمرها ما حاولت تجمل ماضيها، كانت بتتعامل مع ظروفها القديمة كأنها أوسمة حرب عدت منها بكرامتها.
أمي عمرها ما تقبلت الخلفية دي.
في الأول، الإهانات كانت بتيجي متغلفة بـ “ذوق” مزيف:
”يا حبيبتي يا أميرة، إحنا هنا بنستخدم فوط القماش مش المناديل.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
”هو مفيش حد علمك تقولي الكلمة دي إزاي؟”
”رأفت طول عمره كان نفسه يتجوز واحدة من توبنا ولها طموح.. بس يلا، الطيبة كفاية.”
أميرة كانت بتعدي بجدعنة تفوق الوصف. كانت تعمل أكل وتبعتهولها، وتوديها جلسات العلاج الطبيعي لما عملت عملية في مفصل الحوض، وبتعزمها في كل حفلة ليلى بتعملها في المدرسة.
لكن مفيش حاجة كانت بتعجب.
فتحت الفويس نوت بتاع أمي، وصوتها طلع في الأوضة، كان مرعوش ومليان دموع:
”رأفت يا حبيبي، أنا أسفة جداً. أنا منمتش طول الليل. مش عارفة إيه اللي جرالي، نيرمين نرفزتني والكل كان مشدود، وأميرة كانت قليلة الذوق معايا. بس أنا مكنش ينفع أمد إيدي عليها. أرجوك كلمني، العيد مينفعش يخلص بالمنظر ده.”
سمعت الفويس مرتين.
مش عشان مش فاهم، بس عشان كنت بحلل حقيقة الكلام اللي ورا النبرة دي.
الرسالة كانت واضحة: أنا أسفة، بس…
أميرة كانت قليلة الذوق.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
العيد مينفعش يخلص كده.
أمي عمرها ما جابت سيرة أميرة غير وهي بترمي عليها جزء من الغلط.
أميرة اتحركت ورايا وقالت بصوت ناعس:
”دي هي؟”
هزيت رأسي بـ “آه”.
”قالت إيه؟”
إديتها التليفون تسمع. سمعت من غير ما تعمل أي رد فعل، ولما الفويس خلص رجعتلي التليفون وبصت للشباك. النور كان مبين علامة زرقا خفيفة بدأت تظهر مكان القلم على وشها. بطني وجعتني من المنظر.
”أنا مش هرجع البيت ده تاني يا رأفت،” أميرة قالتها بجمود.
”مش هترجعي.”
”وليلى مش هتروح هناك تاني.”
”ولا هي.”
بصت في عيني، كانت بتدور على “رأفت القديم”—اللي كان بيصالح الكل وييجي على كرامته وكرامة أهل بيته عشان “المركب تمشي”. مسكت إيدها وقولت:
”أنا كان لازم أوقف المسخرة دي من سنين.”
ملامحها هديت شوية، بس مقالتليش كلام يطبطب على خيبتي:
”فعلاً يا رأفت.. كان لازم.”
الكلمة وجعتني، بس وضحتلي الأمور أكتر.
على الساعة تسعة الصبح، كانت أمي اتصلت ست مرات. ونيرمين بعتت رسالة واحدة:
”أنت بجد مقاطع مامتك في العيد عشان أميرة مش بتستحمل الهزار؟”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
عملت للرسالة دي دليت فوراً.
بعدها بشوية، مازن كلمني:
”رأفت، أمك منهارة وتعبانة.”
”صباح الخير يا مازن.”
”بلاش تريقة.. هي عارفة إنها غلطت.”
”بجد؟”
”كانت مكسوفة ومتحصرة.”
”دي ضربت مراتي بالقلم قدام بنتي يا مازن!”
”يا عم عديها، إحنا في العيد.”
”الجملة دي صلاحيتها انتهت من ليلة امبارح.”
سكت شوية، وبعدين وطى صوته:
”أنت بجد بتبيع أمك عشان أميرة؟”
بصيت لمراتي وبنتي اللي نايمين في أوضة بنسيون لمجرد إن عيلتي مأمنتهمش في بيت المفروض إنه بيتهم:
”أنا بختار العيلة اللي أنا مسؤول عنها قدام ربنا،” وعلقت السكة.
الظهر، بعت لأمي رسالة واحدة: