ياسمين روايات رولا

​البنت الصغيرة تحت الشمسية الحمراء في وسط البلد
​اليوم ده كان المفروض يكون يوم “فرح الموسم” في مصر. الفندق الأسطوري اللي على النيل في جاردن سيتي كان متقفل بالكامل، وأكتر من 600 شخص من صفوة المجتمع ورجال الأعمال والوزراء واقفين مستنيين كتب كتاب كريم الجارحي على فريدة الشافعي.
​جوازة بمليارات.. عيلة الجارحي بتملك واحدة من أكبر شركات الشحن واللوجستيات في الشرق الأوسط، وعيلة الشافعي مسيطرة على قطاع المقاولات والبنية التحتية. جواز كان هينهي سنين من المنافسة ويخلق إمبراطورية ملهاش منافس.
​كل الناس كانت شايفه إن فريدة هي العروسة المثالية لـ كريم؛ شياكة، تعليم برة، عيلة تليق بيه، وجوازة تضمن بيزنس بمليارات.
​لحد ما كريم بص من شباك عربيتة المرسيدس الفخمة وهي واقفة في زحمة وسط البلد والدنيا بتمطر بغزارة.. وشاف ياسمين.
​ياسمين كانت مراته السابقة، اتجوزوا في السر وبسبب مشاكل اختفت تماماً من تلت سنين. فجأة تليفونها اتقفل، ومحاميها جاب له ورق الطلاق، وكل باب خبط عليه عشان يوصلها اتقفل في وشه، لحد ما بدأ يشك إنه اتهبل أو اتخيل السعادة اللي عاشها معاها.
​ودلوقتي؟ واقفة تحت محطة الأتوبيس، ليرانه بالطين، لابسة بالطو قديم دبلان، وماسكة شمسية حمراء مكسورة بتحمي بيها فايل فيه “سي في” لتقديم الوظائف.. وفي إيدها التانية طفلة صغيرة.
​فجأة البنت الصغيرة رفعت راسها..
​وبصت لـ كريم مباشرة من وراء زجاج العربية.
​البنت كان عندها نفس العيون الرمادية الفاتحة المميزة.. العيون دي مفيش راجل بيتولد في عيلة “الجارحي” إلا وبتكون عنده. جد كريم، أبوه، وكريم نفسه.
​من غير ما يفكر، كريم فتح باب العربية ونزل في المطر.
​”كريم؟ رايح فين في المطر ده؟ بوظت البدلة!”.. صرخت فريدة من وراه في العربية.
​لكن هو مكنش بيسمع. سليم، رئيس حراسته الشخصية، جري وراه بسرعة يغطيه، لكن كريم كان عدا الشارع والناس بتضرب كلاكسات وهو بيجري وسط العربيات لحد ما وصل لمحطة الأتوبيس.
​ياسمين لما شافته رجعت لورا بخوف وضمت البنت لمركبها: “متقافيش يا ليلى.. ماما معاكي يا حبيبتي”.
​كريم وصوته بيترعش: “البنت دي عندها كام سنة؟”
​ياسمين بجمود وخوف: “أرجوك ارجع لفرحك يا كريم”.
​”عندها كام سنة يا ياسمين؟!”
​”سنتين وتمن شهور..”
​الحسبة كانت صح باليوم والساعة.
​”ليه مقولتليش؟ ليه اختفيتي؟”
​ياسمين بوجع وهدوء يموت: “حاولت.. جيت مكتبك، وجيت قصر عيلتكم في التجمع، ووقفت قدام الشركة بالأيام.. حراستك كانوا بيطردوني في كل مرة”.
​كريم بص لـ سليم (رئيس الحراسة) اللي كان واقف وراه مصدوم: “أنا عمري ما جالي خبر بكده!”
ياسمين ردت: “طبعاً.. عشان والدتك ميرفت هانم هي اللي رتبت إنك عمرك ما تعرف”.
​في اللحظة دي، فريدة (العروسة) وصلت وراهم وهي شايلا فستان الفرح الأبيض الغالي عشان ميتطينش، وبصت بترفّع لـ ياسمين وبعدين لعيون الطفلة ليلى الرمادية.. وظهرت في عيون فريدة لحظة رعب حقيقية اختفت بسرعة.
​فريدة: “المعازيم في الفندق والقنوات بتغطي الفرح برة.. أي حوارات مع الست دي تخلص بعدين يا كريم، يلا اركب العربية”.
​ياسمين: “أنا مش عايزة منه حاجة.. أنا عندي انترفيو شغل هنا في الشركة اللي في أول الشارع”.
​فريدة بضحكة تريقة باردة: “وصدفة طبعاً تظهروا في طريق موكب الفرح بالبنت دي؟ كريم.. اركب العربية فوراً”.
​كريم بصلها وبص للمطر ولـ ياسمين اللي كانت بتترعش من البرد، وحس لأول مرة إن “اسم عيلة الجارحي” اللي طول عمره بيحميه مكنش غير سجن مؤذي.
​كريم: “الفرح اتلغى يا فريدة”.
​فريدة بذهول ووش خالي من الدم: “أنت اتجننت؟! بتلغي جوازة بمليارات عشان دي؟”
​كريم: “أنا عمري ما كنت عاقل قد اللحظة دي”.
​أسرار الدفاتر القديمة
​سليم بسرعة نقلهم لجناح خاص في فندق قريب عشان يهربوا من الصحافة. فريدة صممت تيجي معاهم وهي هيموتها الغضب، وياسمين وافقت بس لما كريم وعدها إنها تقدر تمشي في أي وقت.
​في الجناح، البنت الصغيرة ليلى كانت بتاكل توست بمربى وهي بتبص لـ كريم بفضول شديد، في حين كان سليم شغال على تابلت الحراسة بيجيب أرشيف الكاميرات القديم لفيلا التجمع.
​سليم: “فعلاً يا فندم.. ياسمين هانم زارت الفيلا 11 مرة في الفترة دي. الكاميرات مسجلاها، بس اسمها ممسوح يدوي من دفتر الزوار”.
​كريم: “ومين يملك الصلاحية دي غيري وغيرك يا سليم؟”
​فريدة وقفت عند الباب: “أنا ماشية.. المهزلة دي لازم تنتهي”.
​كريم: “اقعدي يا فريدة.. وصفقة عيلة الشافعي من اليوم ده انتهت”.
​فريدة: “أبويا هيهد قصر الجارحي فوق دماغكم قبل ما الساعة تيجي 12”.
​كريم: “خليه يجرب”.
​في اللحظة دي، ليلى الصغيرة نزلت من الكرسي وراحت لـ كريم، وفتحت دلاية فضة صغيرة كانت لابسها في رقبتها وقالت ببراءة: “ماما قالتلي إنك زمان كنت بتضحك أكتر من كده”.
​جوا الدلاية كانت فيه صورة لـ كريم وهو صغير على مركب في الجونة.. صورة شخصية مستحيل حد يوصلها برة العيلة.
​الباب اتفتح، ودخلت ميرفت الجارحي (والدة كريم). ست وقار شياكة لكن باين عليها الهم والتعب.
​ياسمين خافت ووقفت تحمي بنتها: “أنتي وعدتيني إنك هتبعديه عننا!”
​ميرفت هانم دمعت وبصت لكريم: “أنا وعدت أحميها هي والبنت يا كريم.. أحميهم من أبوك جلال الجارحي وعاصم الشافعي (أبو فريدة)”.
​ميرفت حكت الحقيقة: لما ياسمين عرفت إنها حامل وجت الفيلا، جلال الجارحي (الأب) عرف بالموضوع قبل ما كريم يقابلها. هددها وفهمها إن جوازها من كريم بيعرض حياته وحياتها للخطر، ووراها ورق طلاق مُمضي من كريم (وكان جلال مزور إمضاء كريم من شيكات قديمة).
​ميرفت: “أنا لما عرفت، هربتها على شقة في الأسكندرية ووفرت لها مصاريف عشان جلال وعاصم الشافعي كانوا ناوين يأذوها عشان الجوازة والدمج يتم.. لكن ياسمين رجعت الفلوس واختفت من هناك ورفضت تاخد مليم”.
​وفجأة.. سليم (رئيس الحراسة) اتكلم بنبرة صوت غريبة:
​”يا فندم.. ليلى ممكن متبقاش بنتك بيولوجياً من كريم”.
​الجناح كله سكت. ياسمين صرخت: “أنت بتقول إيه؟! أنت اتجننت؟”
سليم طلع فلاشة من جيبه: “لما ياسمين هانم راحت لمركز دكتور مدحت للخصوبة من تلت سنين عشان عملية حقن مجهري بسيطة.. المركز عمل حاجة تانية خالص بدون علمها، بطلب وتمويل من جلال الجارحي”.
​الأخ السري لعائلة الجارحي
​وقبل ما سليم يكمل كلامه، صوت ضرب نار وخناقة حصلت في الشارع تحت الفندق.. سليم رد فعله كان سريع جداً، زق ياسمين والبنت ورا الكنبة، وسحب طبنجته وضرب نار باتجاه عربية سوداء تحت الفندق كانت بتحاول تستهدف الجناح. الحراسة سيطرت على الموقف فوراً.
​سليم: “أنا أسف خضتكم.. عاصم الشافعي عرف إن ورق عيادة الدكتور مدحت اتكشف”.
​فريدة بذهول: “بابا هو اللي ورا ده؟”
​ميرفت هانم: “أبوكي بقاله تلت سنين بيحاول يتخلص من البنت دي عشان سرها ميتكشفش.. لأن البنت دي مش بنت كريم”.
​كريم بص لـ سليم.. ولأول مرة يركز في ملامحه اللي عاش معاه 25 سنة كصديق ورئيس حراسة؛ نفس العيون الرمادية، نفس رسمة الفك واليدين.
​ميرفت هانم: “قوله يا سليم..”
​سليم اتنهد بوجع: “جلال الجارحي يبقى أبويا أنا كمان.. والدتي كانت بتشتغل في قصر الجارحي قبل ما جلال بيه يتجوز ميرفت هانم. هو اعترف بيا في السر، وعلمني وشغلني معاه تحت مسمى رئيس حراسة”.
​في عيلة الجارحي، فيه بند قديم في عقود “مجموعة الجارحي” والشراكات يضمن إن “الابن الأكبر الشرعي” هو اللي بياخد الإدارة والتحكم في كل الأصول. لو سر سليم طلع، صفقة الشافعي كلها ملهاش لازمة والإدارة هتروح لسليم مش كريم.
​ولأن جلال الجارحي كان مهووس بإن سلالته تفضل مكملة وبما إنه كان شاكك إن كريم عنده مشاكل في الإنجاب وقتها، استغل عينات جينية كان واخدها من كريم وسليم في الفحوصات الدورية للشركة، وأمر دكتور مدحت بتبديل العينات عشان يضمن إن ياسمين تخلف طفل يحمل جينات عيلة الجارحي (عن طريق سليم) ويتسجل باسم كريم!
​لكن عاصم الشافعي عرف اللعبة دي، وهدد جلال إنه هيفضح القصة ويخرب بيته لو البنت دي وياسمين مظهرتش ليهم أي جرة قلم أو أثر في مصر.
​سليم حط الفلاشة: “دي فيها كل التحويلات البنكية، تزوير الدفاتر، وإيميلات جلال الجارحي وعاصم الشافعي”.
​ياسمين بكت وهي ضامة بنتها: “يعني إحنا كنا مجرد لعب في إيديكم؟”
كريم نزل على ركبه وبص للبنت الصغيرة اللي مسكت صباعه الصغير.. وبص لـ ياسمين وقال: “الماضي فيه قذارة كتير.. بس الطفلة دي ذنبها إيه في قرف الكبار؟ أنا مش هسيبها”.
​العيلة مش بالدم.. العيلة باللي بيحمي
​في نفس اليوم بالليل، الدنيا اتقلبت في مصر.
​سليم سلم الفلاشة للنيابة العامة.
​عاصم الشافعي اتقبض عليه بتهمة التحريض والفساد.
​جلال الجارحي قدم استقالته من كل الشركات واعتزل الحياة العامة تماماً في قصر في الساحل.
​فريدة وعيلتها سافروا برة مصر فوراً بعد الفضيحة.
​بعد مرور شهور..
ياسمين رفضت تاخد أي تعويضات، ونقلت تعيش في شقة هادية في الأسكندرية واشتغلت مديرة لمركز ثقافي هناك. كريم مفرضش نفسه عليها؛ كان بيروح يزورهم لما تسمح له، بيساعد في مصاريف مدرسة ليلى، وبيسمعها لما تحب تتكلم.
​أما سليم، فبقى هو رئيس مجلس إدارة مجموعة الجارحي قانوناً.. ورغم إنه كان يقدر يطرد كريم، إلا إنه أعاد هيكلة الشركة وخلاها مؤسسة مساهمة وفصل الإدارة عن العيلة تماماً وقال لـ كريم: “زمن الإمبراطوريات اللي بتتبني على كبرياء راجل واحد انتهى يا صاحبي”.
​سليم مكنش عارف يتعامل إزاي مع ليلى؛ هو أبوها بيولوجياً لكنه مكنش يعرف ومحبش ياخد مكان حد.. بس ياسمين مع الوقت خلقت له مكان في حياتها.. “أونكل سليم”. واتفقوا إن لما ليلى تكبر هيقولوا لها الحقيقة بكل حب ومن غير ما تحس بأي ذنب.
​في يوم ربيعي جميل على شط إسكندرية، كريم وسليم كانوا مع ياسمين وليلى في عيد ميلاد البنت الصغير. ليلى كانت بتجري بشمسيتها الحمراء اللي اتصلحت واترسم عليها ورد أصفر صغير.
​جريت عليهم ومعاها تاجين من الورق الملون: “دول لـ أونكل سليم.. وعمو كريم”.
سليم لبس التاج وضحك: “شكلي حلو؟”
ليلى: “شبه الملك!” وبعدين بصت لـ كريم: “هتاكل معانا تورته؟”
​كريم بص لـ ياسمين اللي كانت واقفة بعيد بتضحك بصفاء وهدوء حقيقي لأول مرة من سنين.. وقالت له: “خليك معانا يا كريم.. التورتة هتعجبك”.
​الجوازة اللي هرب منها كريم كانت هتعمله إمبراطور، بس كانت هتخليه يخسر إنسانيته وعيلته الحقيقية. المطر والشارع والصدفة ورجعته لياسمين وبنتها كلفته مليارات وصفقات واسم كبير في السوق.. لكن كسبته عيلة حقيقية وحياة يقدر ينام فيها وهو مرتاح البال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *