احمد
في الوقت اللي كنت بقول فيه “قبلت الزواج”، كان أبويا وأمي بيرفعوا كاساتهم وبيشربوا نخب أختي، وبيكرروا إن فرحي ممكن يستنى. 😔🥂 ولما البوفيه الفخم بتاعهم اتلغى، أمي طلبت مني بكل بجاحة: “متبقاش أناني”؛ أنا سكت، وفتحت الفويسات واكتشفت إن كل حاجة كانت متخططلها من بدري.
— «لو بجد بتحب العيلة دي يا أحمد، متمثلش وتعمل دراما عشان كام كرسي فاضي».
ده اللي أمي قالتهولي قبل فرحي بيومين، وكأن جوازي من سلمى كان مجرد تخليص ورق وروتين، مش اليوم اللي بقالي سنة بحالها بجهزله.
الفرح كان في هاسيندا صغيرة في السخنة. مكان هادي وبسيط: شجر بوغانفيليا، ومسجد صغير لونه أبيض، وترابيزات خشب، وإضاءة دافية، وساحة رقص جنب الجنينة. سلمى هي اللي اختارت المكان عشان كانت بتقول إن كل حاجة فيه بتحسسها بالنظافة، وكأن دوشة وزحمة القاهرة سيبناها ورا ضهرنا وبعيد عننا.
بس الدوشة جاتلي لحد عندي.
من أول ما صحيت السبت ده، وأنا حاسس إن فيه حاجة اتكسرت. أمي مبعتتليش حتى رسالة “مبروك”. أبويا كل اللي عمله إنه حط إيموجي (لايك) في شات العيلة. مي، أختي، نزلت ستوري من قاعة فخمة في التجمع، كلها ورد أبيض وكاتبة عليها: “النهاردة بيبدأ حلمنا”.
حفلة خطوبتها.
في نفس يوم فرحي بالظبط.
والأوسخ من كده إن ميعاد فرحي كان محجوز من 11 شهر. مي اتخطبت بعدي بكتير، بس قررت إن حفلتها هي وشريف، خطيبها، “أهم وأولى” يوم السبت ده، عشان نسايبها وأهل خطيبها جايين من الإسكندرية، ومعاهم شركاء العيلة في الشغل. ولما جيت أشتكي، أمي ردت عليا بالكلمتين بتوع كل مرة:
— «إنت عاقل يا أحمد، وإنت اللي بتفهم وتستحمل».
أنا فضلت أفهم وأستحمل طول عمري. فهمت لما لغوا حفلة عيد ميلادي عشان مسابقة الرقص بتاعة مي. فهمت لما أخدوا تحويشتي وشقايا عشان يسددوا ديونها. فهمت لما أبويا كان بيقولي إن أختك “حساسة ورقيقة” وإنت راجل وتقدر تستحمل.
بس اليوم ده، وأنا داخل قاعة الفرح، مكنتش قادر أفهم ولا أستوعب الكراسي الفاضية دي.
كرسي أمي. كرسي أبويا. كرسي مي. كراسي قرايبي وعمامي. وكرسي كريم، صاحبي وعمرى من أيام الثانوي، اللي حلفلي ميت يمين إنه هيكون شاهدي في الفرح.
محدش جه.
سلمى دخلت وهي ماسكة في إيد باباها، فستانها كان بسيط وجميل أوي. كانت بتضحك، بس أول ما عينيها جت على الكراسي الفاضية من ناحيتي، دموعها لمعت في عينيها. ولما وصلت عندي، ضغطت على إيدي جامد وقالتلي بصوت واطي:
— «بص في عيني أنا.. النهاردة إنت مش ملك ليهم».
حاولت أتمسك بالكلمة دي بكل قوتي. قولت “قبلت”، وهي قالت “قبلت”. أهلها عيطوا من الفرحة، وصحابها صقفوا، وصحابي في الشغل بقوا يصرخوا باسمي وكأنهم بيحاولوا يملوا بحبهم كل الفراغ اللي أهلي سابوه في القاعة.
لكام ساعة، مثلت إني قادر أعدي الموضوع.
بس وإحنا بناكل، موبايلي مبطلش رن واهتزاز ثانية واحدة. في الأول 5 مكالمات من أمي. بعدين 18. بعدين 41. وعلى ما وصلنا لتورتة الفرح، كانت المكالمات الفايتة وصلت لـ 63 مكالمة ورسائل فويس كتير.
خرجت للجنينة وأنا بفك البيبيون وضاربني ضيق في صدري. في اللحظة دي جالي مسج من عمتي فاتن:
«أحمد، متفتحش الموبايل وتواجه دلوقتي. في حفلة مي عمالين يقولوا إنك حددت فرحك في نفس اليوم مخصوص عشان تضايق أختك وتبوظ فرحتها».
جسمي كله تلمد ومبقتش عارف أنطق.
رسالة تانية وصلت:
«كريم كمان عمال يقول كدة للناس.. بيقول إنك مكنتش عايزه يبقى شاهدك أصلاً».
حسيت بغثيان وعايز أرجع.
أهلي مسابونيش وبس.. دول كمان كانوا بيفبركوا قصة تطلعني أنا الشرير في الرواية.
وقبل ما ألحق أرد، عمتي بعتت فويس بصوت واطي وبتوشوش:
«البوفيه بتاع حفلة مي اتلغى. الشيف جلال قال إنه مش هيشتغل لناس بتهين وتكسر قلب ابنها من دمها. أمك عايزاك تكلّم جلال فوراً وتقوله يرجع، وبتقول إنه مدين ليك بجميل ولازم يرده».
الشيف جلال كان من أشهر وأكبر منسقي البوفيهات في مصر. أنا اللي وقفت جنبه وجبتله أول عقود شغل كبيرة لما بدأت في تنظيم المؤتمرات والشركات. أهلي عمرهم ما اهتموا يعرفوا أنا بشتغل إيه ولا مع مين، بس دلوقتي افتكروا إنهم يستغلوا علاقاتي.
الفويس اللي بعده من أمي نزل عليا زي القلم على وشي:
«أحمد، بطل شغل العيال الصغيرين ده. مي عمالة تعيط وحفلتها بتتبهدل. لو مصلحتش القرف ده حالاً، أنا هعرف الكل الفضيحة اللي إنت عملتهالنا النهاردة».
بصيت على الصالة جوه.. لقيت سلمى بتبص عليا وبتدور عليا بابتسامة قلقانة، بتحاول متورينيش إنها شايلة همي.
ولأول مرة في حياتي أفهم الحقيقة المرة.. أنا بالنسبة لعيلتي مكنتش ابن.. أنا كنت بس اللي بيستحمل، ويسكت، وينقذ مي كل ما تغرق وتعمل مصيبة.
مكنتش أتخيل أبداً إن الحفلة اللي باظت دي مكنتش أسوأ حاجة.. الصدمة الحقيقية كانت السر اللي كانوا مخبينه ورا كل ده.