متشربيش

— **«متشربيش المية دي.. جوزك لسة حاطط فيها حاجة دلوقتي.»**
التحذير ده جه في هيئة همسة، في نفس اللحظة اللي كانت فيها “دنيا” بترفع إزاحة المية على بؤها في موقف “أحمد حلمي” للميكروباصات. قدامها كان واقف راجل معدي الستين سنة، لابس الفيست البرتقالي وماسك مقشة قديمة، وكان بيبصلها بنظرة جمدت الدم في عروقها.
— **«كبي المية في حوض الورد ده واعملي نفسك شربتي،»** كمل كلامه وقال: **«كمان كام دقيقة هتفهمي كل حاجة.»**
دنيا كانت عاوزة تبعد وتطنش، افتكرته راجل بركة أو مجنون وبيعمل حوارات. بس في اللحظة دي لمحت جوزها “سامح” واقف بضهره عند الميكروباص اللي رايح الزقازيق، وبيحط الشنطة في الشنطة الورانية. كان قدامها أقل من دقيقتين عشان تاخد قرار.
مالت بالإزازة على حوض زرع مليان ورد بلدي أصفر وبمبي، سابت نقطتين في القاع، قفلت الغطا، وعملت نفسها بتشرب في نفس اللحظة اللي سامح لف فيها وارجعلكها.
— **«بقيتي كويسة يا حبيبتي؟»** سألها وهو بيبوس رأسها.
— **«اه.. الحمد لله، شكراً يا سامح.»**
ابتسملها بنفس الحنية اللي كان بيعملها بيها كباية الشاي كل يوم الصبح على مدار 7 سنين. وبعدها ركب الميكروباص عشان يسافر لأهله، اللي كان طالع بحجة إنهم محتاجينه عشان سباك الحمام بايظ ومحتاجين مشتريات.
وقفت دنيا تتابع الميكروباص لحد ما اختفى وسط زحمة الشارع، وبعدين لفت وبصت على حوض الزرع…
الورد كان بيدبل قدام عينيها!
الأوراق انكمشت الأول، وبعدين أطرافها اسودت. وفي أقل من 10 دقايق، كمية من الورد وقعت على الطين المبلول ميتة، كأن روحها اتسحبت منها في ثانية.
دنيا حست إن ركبها خبت في بعضها ومش شايلاها.
بقالة شهور بتعاني من دوخة، وغممان نفس، وهمدان في جسمها، وطعم صدأ غريب في بقها. الدكاترة قالولها أنيميا واسترس ونقص فيتامينات. وسامح كان يبان مرعوب عليها؛ يعملها عصير، وشاي بالنعناع، ويحضر إزازة المية جنب السرير، وشوربة دافية “عشان تترد فيها الروح”. والغريب إن لما كان بيسافر في شغل، كانت دنيا بتبدأ تتحسن.
عمُرها ما ربطت الأحداث ببعضها…
غير في اللحظة دي.
دورت على الراجل بتاع المقشة. كان اسمه “عم إبراهيم”، راجل كان شغال مسعف زمان لمدة 30 سنة، وله يجي 10 سنين بينظف الموقف. حكالها إنه شاف سامح كذا مرة قاعد في قهوة قريبة مع واحدة ست شقراء، وسمعهم بيتخانقوا.
— **«كانت بتقوله إنها تعبت من الانتظار،»** عم إبراهيم حكالها: **«وجابت سيرة بوليصة التأمين وطالبت بإنفاذ وعده. وهو رد عليها وقالها إنه خلاص لقى طريقة تخلي الموضوع يبان كأنه مرض طبيعي.»**
دنيا نفسك اتقطع وثواني مش عارفة تاخد نفسها.
من شهرين بس، سامح أصر إنه يعمل بوليصة تأمين على الحياة للاتنين، وهي مضت من غير ما تقرأ التفاصيل.. كانت بتثق فيه عمياني.
عم إبراهيم كمل كلامه:
— **«النهارده شفته واقف ورا النصبة بتاعة الشاي، فتح الإزازة وحط فيها كم نقطة من قطارة صغيرة.. عشان كده جيت لحقتك.»**
دنيا شالت الإزازة جوة شنطتها وأخدت تاكسي وعلى البيت. أول ما وصلت، فضت باقي السائل في برطمان إزاز نضيف وشالته مستخبي جوة التلاجة، وبعدين قعدت على السفيرة.. نفس الترابيزة اللي وقّعت عليها ورق التأمين.
الساعة جابـت 8 بالليل، وسامح اتصل.
— **«أخدتي الفيتامينات بتاعتك يا حبيبتي؟»** سألها بصوت كله حنية.
دنيا بصت للبرطمان المستخبي ورا إزازة اللبن.
— **«أيوة،»** ردت: **«حاسة إني بقيت أحسن بكثير.»**
سكت ثانية واحدة بس..
— **«الحمد لله يا قلبي.. ارتاحي أنتِ، وأول ما أرجع هخلي بالي منك أكثر من الأول.»**
دنيا عصرت التليفون في إيدها لحد ما صوابعها وجعتها، لأنها في اللحظة دي فهمت إن جوزها مكانش خايف على صحتها…
هو كان بيحسب فاضل قد إيه في عمرها.
وكانت لسة مش متوقعة اللي جيلها في الطريق.
:
## الجزء الثاني
تاني يوم، دنيا أخدت البرطمان وراحت به على معمل تحاليل خاص. مشرحتش إنها شاكة في جوزها؛ هي بس طلبت تحليل كيميائي كامل. الموظفة في الاستقبال قالتلها إن النتائج هتاخد 3 أيام. كانوا أطول 72 ساعة في حياتها.
خلال الفترة دي، وهي شغالة محاسبة في عيادة سنان، دنيا كانت بتراجع في دماغها كل فطار، وكل كباية شاي، وكل كباية مية سامح عملهولها. افتكرت إن أعراضها بدأت بعد شهر واحد بس من إمضاء بوليصة التأمين. وافتكرت كمان إن لما كان بيسافر الإسكندرية أو طنطا عشان شغل شركة اللوجستيات والشحن، كانت نفسها بتتفتح وأكلها بيرجع ودوختها بتروح. ولما سامح يرجع… يرجع معاها الضعف والهمدان.
المعمل طلب حضورها شخصياً. الدكتور مدير المعمل حط قدامها ملف مقفول ومختوم على المكتب:
— **«لقينا مادة “سلفات الثاليوم” بتركيز مسموم وخطر جداً،»** وقالها: **«المادة دي موصلتش لإزازة المية بالصدفة… فيه حد حطها بقصد وتعمد.»**
دنيا حست إن الهواء اتسحب من الأوضة. الدكتور شرحلها إن التعرض للمادة دي لفترة طويلة ممكن يسبب تلف خطير في الأعضاء أو حتى الوفاة. ونصحها كمان تروح مستشفى فوراً يفحصوا أعضاء جسمها وتعمل بلاغ في النيابة على طول.
في نفس اليوم بالليل، دنيا راحت النيابة ومعاها الإزازة، وتقرير المعمل، ومحضر التحاليل والمستندات الطبية، وصورة من بوليصة التأمين. استقبلتها رئيسة النيابة، سيادة الرائد “سارة”، ست صوتها قوي وكلامها ميزان، سمعت كل تفصيلة من غير ما تقاطعها.
— **«متجبيش سيرة لجوزك خالص،»** حذرتها وقالت: **«ردي على مكالماته عادي جداً زي كل مرة. متآكليش ولا تشربي أي حاجة يعملها، ولو رجع البيت بدري قبل وقته، اخلقي أي حجة واطلعي برة البيت.»**
النيابة أخدت عينة رسمية، ووصلوا لمكان عم إبراهيم، وأخدوا إذن بتفتيش الشقة. وفي الدرج التحتاني لمكتب سامح، لقوا قطارة سودة مستخبية تحت عدة تصليح قديمة… والمادة كانت هي هي نفس المادة اللي في الإزازة.
بس المصيبة الأكبر ظهرت جوة تليفون سامح.
واحدة اسمها “فريدة”، عندها 27 سنة وشغالة في جيم في المعادي. بقالها 14 شهر على علاقة بيه. في الرسائل، فريدة مكانتش بتتكلم عن طلاق، كانت بتتكلم عن الفلوس:
* *”بعد موضوع التأمين قلتلي كل حاجة هتخلص بسرعة.”*
* *”أنا لقيت طريقة تخلص الموضوع من غير ما حد يشك.”*
* *”لو الموضوع مخلصش قبل ديسمبر أنا همشي.”*
* *”زود الجرعة شوية، الدكاترة فاكرينها استرس وأنيميا.”*
دنيا قرأت “الكرين شوتس” بهدوء مرعب أربك الظابطة سارة نفسها. واكتشفت إنها هي المؤمن عليها الرئيسية، وسامح هو المستفيد الوحيد بمبلغ ملايين. فريدة كانت حجزت شقة في الغردقة وبتبعت لسامح صور العفش والشواطئ وتذاكر الطيران! بينما دنيا بتمرض وتعبانة، هما كانوا بيرتبوا لحياة جديدة.
النيابة قررت تقبض عليه أول ما يرجع. وسامح اتصل بالليل من بيت أهله:
— **«أنا جايلك الصبح بدري يا حبيبتي.. وحشتيني. هعملك كباية الشاي اللي بتريحك وتخففك.»**
دنيا غمضت عينيها وقالتله:
— **«مستنياك.»**
تاني يوم الصبح، دنيا راحت استخبت في بيت أمها. الساعة 11:20 الصبح جيلها تليفون من سيادة الرائد سارة:
— **«سامح اتقبض عليه خلاص. بس وإحنا بنفتش شنطته لقينا حاجة غيرت مجرى القض..ية تماماً!»**
دنيا اتجمدت مكانها:
— **«لقيتوا إيه؟»**
الظابطة سكتت ثواني وردت:
— **«بوليصة تأمين ثانية… ومش باسمك أنتِ!»**
وقبل ما دنيا تسأل مين الضحية الجديدة، الخط قطع!
## الجزء الثالث
دنيا اتصلت تاني فوراً. وبعد محاولات، ردت سيادة الرائد سارة:
— **«بوليصة التأمين الثانية باسم أم سامح.. وهو برضه المستفيد الوحيد.»**
دنيا مقدرتش تقف على رجلها وقعدت على الكرسي.
البوليصة كانت معمولاة من 3 أسابيع بس. الحاجة “سعاد” أمه كانت بتعاني من الضغط ووجع الضهر المزمن، بس مفيش عندها أي مرض خطير أو مميت. سامح استغل التعب ده عشان يقنعها تمضي. وحسب كلامه في التحقيق بعد كده، قالها إن التأمين ده هيغطي مصاريف علاجها وإنه “ميزة من الشركة بتاعته”.
وفي الشنطة لقوا إزازة فاضية وأجندة مكتوب فيها تواريخ وأعراض وعمودين: عمود حرف **«د»** وعمود حرف **«س»**.. دنيا فهمت إن **«د»** يعني دنيا، و **«س»** يعني أمه سعاد!
سامح مكانش مسافر الزقازيق عشان يصلح سباكة ولا عشان يساعد أبوه.. كان مسافر عشان يبدأ نفس الخطوة ونفس العملية مع أمه!
النيابة بعتت قوة فوراً لبيت أهله. وفي المطبخ لقوا علبة شاي مفتوحة، وفيتامينات ملعوب فيها، وإزازة مية فيها آثار من نفس المادة. نقلوا الحاجة سعاد للمستشفى، والتحاليل أثبتت التعرض للمادة في مرحلة مبكرة. الدكاترة أكدوا إنها لحقت نفسها في الوقت المناسب.
لما عم “سيد”، والد سامح، عرف الحقيقة، جاله هبوط حاد في الضغط وأزمة. مكانش قادر يستوعب إن ابنه اللي دافع عنه طول عمره، كان مستعد يقتل مراته وبعدها يقتل أمه بنفس البساطة دي! كان بيكرر ويقول:
— **«أكيد فاكرينه حد تاني! ابني ميعملش كده!»**
بس الأدلة كانت بتزيد كل يوم.
سامح اتدقق معاه في التحقيق بنفس اليوم. في الأول أنكر كل حاجة؛ قال إن القطارة اللي لقوها في الشقة دي مبيد حشري، ورسايل فريدة كانت “هزار وخيال بين اتنين”، والأجندة دي جرد للشركة. بس لما واجهوه بتحاليل المعمل وكاميرات الموقف، غير كلامه وقال إن فريدة هي اللي ضغطت عليه واستغلته:
— **«هي اللي كانت بتضغط عليا،»** قالهم: **«كانت بتهددني إنها هتسيبني. أنا مكانش قصدي أعمل كده بجد.»**
ولما الظابطة سألته عن إزازة دنيا، سامح طلب محامي ورفض يتكلم.
فريدة اتقبض عليها في نفس الأسبوع. دخلت النيابة بنضارة شمس وببرود تام وموقف متغبر. أنكرت علمها بأي سم، واعترفت بالعلاقة بس قالت إن سامح وعدها بالطلاق وإن كلمة “نحل المشكلة” كان قصده المشاكل الزوجية.
بس الحوار ده انهار لما النيابة رجعت الرسائل الممسوحة من أكونت تاني.
في واحدة منها، فريدة كانت كاتبة:
* *”لو دنيا هتاخد وقت، أمك موضوعها أسهل عشان الكل هيفتكر إنها ماتت من الضغط.”*
وفي ثانية:
* *”بالبوليصتين هنشتري شقة الغردقة ونفتح الجيم.”*
الفكرة كانت إنهم يقبضوا فلوس بوليصة دنيا الأول، وبعدها بوليصة أمه. وكانوا ناوين يعزلوا للبحر الأحمر ويفتحوا جيم. في حساباتهم مفيش بني آدمين، فيه بس أرقام فلوس.
دنيا طلبت تقرأ المحادثات كلها بنفسها مرة واحدة. الرائد سارة حاولت تمنعها، بس دنيا أصرت. كانت عاوزة تعرف الخيانة وصلت لحد فين.
اكتشفت إن سامح كان بيتريق على أعراض تعبها:
* *”النهارده بتقولي حاسة بطعم صدأ في بقها.”*
* *”تمام، قولها دي الأنيميا.”*
* *”شربت العصير كله.”*
* *”عفارم، هانت، كل يوم بيعدي بيقربنا.”*
ولما فريدة سألته إذا كانت دنيا شاكة في حاجة:
* *”لا، دي بتثق فيا زيادة عن اللزوم.”*
الجملة دي بالذات هي اللي كسرت دنيا.
معيطتش لما قرأت إنهم عاوزين يقتلوها عشان الفلوس. معيطتش على صور شقة الغردقة ولا ترتيبات الجواز اللي فريدة بعتتها. عيطت لما فهمت إن سامح حول ثقتها الأعمى فيه لأقوى سلا..ح يقتلها بيه.
افتكرت السنين اللي كانوا بياكلوا فيها سندوتشات فول وطعمية مع بعض وبيقولها: *”متخافيش، أنا جنبك”*. يمكن الكلام ده كان حقيقي في يوم من الأيام. وخسارة الذكرى دي والنسخة دي من جوازها كان وجعها زي قبول الجر..يمة بالظبط.
خلال الأسابيع اللي بعد كده، دنيا عاشت مع أمها. مكانتش بتعرف تنام، بتفتش في كل إزازة مية، وبتخاف تاكل أي أكل ماشافتش بيتعمل ازاي. أمها “حاجة كريمة” كانت بتطبخ قدامها ومكانتش بتضغط عليها أبداً.
في يوم، وهما بياكلوا شوربة لسان عصفور، دنيا سابت المعلقة وبدأت تعيط:
— **«إزاي ما خدتش بالي يا أمي؟»**
أمها قعدت جنبها وقالتلها:
— **«عشان الحب مش جر..يمة يا بنتي.. الجر..يمة هي اللي هو عمله بالحب ده.»**
الجملة دي فضلت علمانة مع دنيا وواقفة في دماغها.
الفحوصات الطبية أثبتت إنها اتعرضت للسم لفترة طويلة، بس أعضائها كانت لسة شغال كويس. احتاجت علاج ومتابعة مستمرة وأسابيع راحة. شعرها بدأ يقع بكميات صغيرة، والضعف أخد شهور عشان يروح. كل عرض كان دليل جسدي إن سامح مش بس فكر يقتلها، ده كان بيحاول بقاله كتير.
عم إبراهيم شهد في النيابة. حكى عن اللقاء في الموقف، والحوار اللي سمعه في القهوة، واللحظة اللي شاف فيها سامح بيلعب في الإزازة. الكاميرات مجابتش القطارة بوضوح وش لوش، بس جابته وهو بيشتري المية، وبيدخل زاوية دارية مفيهاش رؤية، وبيرجع والغطا مفتوح.
وظهرت سجلات لمورد غير شرعي؛ سامح استخدم معارفه في شركة الشحن عشان يجيب المادة. الشركة طردته وساعدت النيابة في التحقيقات.
القض..ية بقت خبر محلي والصحف سمتها “الست اللي أنقذها الورد البلدي”. دنيا رفضت أي لقاءات صحفية، وما ردتش على اللي بيسألوها ليه ما شكتش من الأول. فهمت إن لوم الضحية بيخلي الناس تتخيل إن الكارثة مبتصلش غير للي بيغلط.
رفعت دعوى طلاق قبل المحاكمة. سامح مضى عن طريق محاميه من غير ما يطلب يشوفها ولا يعتذر حتى. دنيا راحت الشقة لأخر مرة، شالت صورة الفرح وشالت الدبلة اللي من غير فص. مكانتش عاوزة تنكر إن الـ 7 سنين كأنهم ما كانوش، كانت عاوزة تعترف إن القصة الحقيقية ممكن تنتهي وتكشف كذبة كبيرة.
المحاكمة بدأت بعد 6 شهور.
القاعة كانت مليانة. سامح كان خاسس وشعره مقصوص جداً. لما دنيا دخلت، بص لها كأنه بيستجدى عطفها وشفقتها. هي قعدت ورا النيابة وما بصتلوش اصلاً.
المحامين حاولوا يلبسوا التهمة لفريدة وسامح يرميها عليها والعكس، بس الرسائل كانت واضحة إن الاتنين عارفين بالخطه.
النيابة عرضت التحاليل، والبوالص، والأجندة، والرسائل، والقطارة، وآثار السم في بيت أهله، وشهادة عم إبراهيم. الخبراء وضحوا إن تسمم دنيا متطابق مع التواريخ المكتوبة، وأثبتوا إن أمه بدأت تاخد جرعات صغيرة قبل القبض عليه بأيام.
أصعب لحظة كانت لما أمه الحاجة سعاد طلعت على المنصة وهي ماسكة عكاز، وبصت لابنها وهي بتهتز وتترعش:
— **«أنا ربيتك متمدش إيدك على جنيه حرام.. تقوم تحط لروح أمك ومراتك سعر؟!»**
سامح نزل رأسه وعيط لأول مرة من ساعة ما اتقبض عليه.
بس دنيا ما حستش براحة. الدموع مش بتمحي السم، ولا بتبدل الندم ببراءة. يمكن كان بيعيط على أمه، يمكن على نفسه، أو يمكن عشان ضيع المستقبل اللي كان فاكر إنه هيشتريه بموت اتنين.
قبل قفل المحاكمة، سامح طلب يتكلم. اعترف إنه حط المادة في العصير والأكل، بس حلف إن مكانش عاوز يوصل “للآخر”، وقال إنه كان ناوي يوقف الموضوع وكل حاجة خرجت عن سيطرته وإنه لسة بيحب دنيا!
دنيا سمعته من غير ما تتحرك.
ولما خلص، القاضي سمح لـ دنيا تقرأ بيان.
وقفت وهي ماسكة ورقة بين إيديها:
— **«لفترة طويلة كنت فاكرة إن غلطتي هي إنني وثقت،»** قالت: **«وبعدين فهمت إن الثقة مكانتش غلطتي. غلطتي كانت هتكون إني أسكت لما عرفت الحقيقة. أنا عايشة عشان راجل غريب قرر ما يبصش الناحية الثانية. أتمنى القض..ية دي تفكر الكل إن التدخل ممكن ينقذ حياة، وإن مفيش أي وعد بالحب يبرر إننا نتجاهل علامات الخطر.»**
ما بصتش لـ سامح وهي بتقعد.
الحكم صدر بعد أسابيع: السجن المشدد لسامح بتهمة الشروع في قتل زوجته وأمه، والتزوير والنصب والجرائم المتعلقة بالمواد السامة. وفريدة اتسجنت كشريكة في الجر..يمة. البوالص اتلغت وشقة الغردقة عمرها ما اشترت.
وهي طالعة من المحكمة، دنيا لقيت عم إبراهيم واقف على الرصيف. لابس نفس الفيست البرتقالي رغم إنه مكانش شغال اليوم ده.
— **«جيت عشان أطمن إن الموضوع انتهى،»** قالها وهو محرج.
دنيا حضنته:
— **«انتهى عشان أنت اتكلمت.»**
— **«انتهى عشان أنتِ كان عندك الشجاعة تصدقيني.»**
بعد سنة..
دنيا كانت عايشة في شقة صغيرة قريبة من وسط البلد بالقاهرة. غيرت شغلها واشتغلت في شركة مقاولات. مكانتش بتركب نفس المواصلات ولا بتروح الأماكن اللي كانت بتروحها مع سامح. مكانش هروب، لكن كانت بتخلق طرق جديدة مفيهاش ذكريات حد تاني.
صحتها تحسنت، والتحاليل رجعت طبيعية، وبدأت جلسات علاج نفسي. كانت لسة بتراجع بعض أزايز المية، بس الخوف قل عن الأول وما بقتش تخاف في كل أكلة.
على شباك مطبخها حطت 3 قوارير زرع فيهم ورد بلدي أصفر وبمبي.
كل يوم الصبح كانت بترويهم بنفسها.
ومرة في الشهر كانت بتزور موقف “أحمد حلمي”. تاخد معاها شاي كشري وفطير لعم إبراهيم. يقعدوا جنب حوض الزرع اللي الورد الأولاني مات فيه. يتكلموا في حاجات بسيطة: الجو، الميكروباصات، بنته اللي عايشة في طنطا، وعن شغل دنيا الجديد.
تقريباً عمرهم ما اتكلموا عن سامح.
في يوم أحد في شهر أكتوبر، بعد سنة بالظبط من الصبحية دي، دنيا بصت للورد الجديد في الموقف. الهواء كان بيهز الأغصان بس الورد كان واقف بثبات.
— **«ساعات بفكر إيه اللي كان هيحصل لو مكانتش سمعت كلامك؟»** اعترفت له.
عم إبراهيم سند إيديه الاتنين على المقشة:
— **«كنت هروح للبوليس،»** رد عليها: **«بس كنت عاوزك تشوفيه بعينك. لما حد بيبقى عايش جوة كذبة، الحقيقة بتبقى محتاجة حاجة أقوى من مجرد الشك.»**
دنيا بصت للورد.
فهمت إنها لشهور كانت بتلخبط بين التحكم والاهتمام، بين الإلحاح والحب، وبين السكوت والسلام. وفهمت كمان إن النجاة مش معناه النسيان، لكن معناه إنك تمنع الماضي إنه يقرر كل خطوة في الحاضر.
قامت، شالت التيرموس وودعته.
وهي ماشية ناحية الخروج، سمعت وراها صوت المقشة وهي بتعدي على الأرض: **حش، حش، حش.**
الميكروباصات بتروح وتيجي. العائلات بيحضنوا بعض. البياعين بينادوا على الشاي والسندوتشات. المدينة شغالة وعايشة ومُنيرة.
دنيا خرجت للشارع من غير ما تلتفت وراها.
في شنطتها كانت مفاتيح شقتها الجديدة. في تليفونها رسالة من أمها بتسألها إذا كانت هتأكل معاها محشي يوم الجمعة.
وفي شباك مطبخها، كانت مستنياها 3 قوارير ورد مليانة ورد واقف بثبات…
**زيها بالظبط.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *