اهلي حصري لصفحة روايات

أهلي قعدوني على سفرة المطبخ وقالوا لي: “مش هنصرف فلوس تعليم أخوكي في الجامعة عشان نفضل معيشينك.” كان عندي ١٥ سنة، وتعبانة، وفجأة بقيت بالنسبة لهم مالياش قيمة… عشان كده مشيت قبل الفجر ومعايا ٧٣ جنيه، وشنطة ظهر واحدة، وخطة هيقضوا سنين يتمنوا لو ما كانوا ضغطوا عليا عشان أعملها.
​إيدين أمي كانت محطوطة جنب جواب التأمين المقفول، ثابته من غير أي حركة على السفرة الخشب. وأبويا كان واقف وراها ومربع إيده، قافل شباك المطبخ كأنه خلاص قرر إن مفيش حاجة تانية تتقال أو تتناقش.
​”إيه اللي هيحصل دلوقتي؟” سألتهم.
​أمي بصلتي بنفس الوش الهادي اللي بتلبسه دايماً قبل ما تقول حاجة قاسية محتاجة تتنطق بصوت حنين: “مش هنكمل في العلاج ده يا نورهان.”
​لثانية واحدة، افتكرت تقصد “مش دلوقتي”… رأي دكتور تاني، مستشفى تانية، أوراق أكتير… أي حاجة غير المعنى الحقيقي للجملة. فوق في الدور التاني، كان صوت أغاني أخويا “زياد” طالع من أوضته ورادد في السقف.
​”يعني إيه مش هنكمل؟”
​اتنهدت كأني خليتها تكرر قاعدة بديهية من قواعد البيت: “أنا وبابا اتكلمنا في الموضوع. وشايفين إنها لو مكتوب لها تخف، هتخف من عند ربنا.”
​عيني راحت لأبويا.
​قال وهو بيحاول يبرر: “مش هنقدر نصرف كل اللي حيلتنا على القصة دي. زياد داخل الجامعة السنة الجاية… مصاريف، وسكن، وكتب، إحنا مرتبين كل ده من زمان. مش هنضيع مستقبله.”
​كلمة “نضيع” نزلت عليا أصعب من أي حاجة تانية. علاجي بالنسبة لهم كان “مخاطرة” وشيء ملهوش لازمة، لكن شقة زياد ومستقبله كان هو “الحقيقة”. الفلوس كانت موجودة فعلاً، طول عمرهم بيتكلموا عنها.
​”يعني أنتم بتختاروا جامعته هو عليا أنا؟”
​بؤ أمي اتشد وقالت: “بلاش تخلي شكل الكلام بشع يا نورهان. ده مش اختيار.”
​”بس هو طالع اختيار واضح جداً.”
​”إحنا سايبينها على الله وماشيين مع اللي مكتوب لنا.”
​ظبطت طرف جواب التأمين مع طرف السفرة، وضغطت بصابعها على المبلغ التقديري للعلاج. عمرها ما زقت الجواب ناحيتي، بس أنا كنت شايفة الرقم المكتوب في الزاوية تحت… كان واضح ومحدد.
​أبويا بص ناحية السلم لما صوت مزيكا زياد علي أكتر: “أخوكي تعب وشقي طول السنة، وإحنا وعدناه.”
​”وأنتم وعدتوني أنا كمان.”
​ما حدش فيهم رد.
​السكوت ده قال لي كلام أكتير بكثير من اللي الدكتور قاله عن مرضي. طول عمري عارفة إن زياد هو المفضل عندهم. هو اللي بياخد كوتشيات جديدة، ودروس خوصوصية، ومصايف، ويتقال له برافو على حاجات أنا كان مفروض أعملها من غير ما حد يلاحظني أصلا. أنا كنت باخد الهدوم القديمة والتنبيهات الدائمة إني مأكونش “صعبة ومطلباتي كتير”. لحد اللحظة دي، كنت شايفه التمييز ده حاجة صغيرة أقدر أعديها.
​بس المرة دي كانت مختلفة. كانوا باصين لرقم ومبلغ، وقرروا إن حياتي ما تستاهلش أندفع فيها.
​زقيت الكرسي لورا. رجلين الكرسي عملت صوت حاد على بلاط الشقة، صوت يخلي أمي تتخض.
​”نورهان!” أمي حذرتني.
​استنيت أي حد فيهم يتصرف كأن البنت اللي عندها ١٥ سنة واللي واقفة قدامهم دي أهم من خططهم المالية.
​ما حدش تحرك.
​طلعت فوق، عديت من قدام أوضة زياد المقفولة، ودخلت أوضتي. قفلت الباب بالراحة من غير ما أرزعه… كنت عايزاهم يفتكروا إني فهمت كل كلمة اتقالت.
​ما حدش طلع ورايا.
​لمدة ساعة، فضلت قاعدة على السرير وأمي بدأت تحضر العشاء، وأبويا فتح التلفزيون في الصالة. ليلتهم كملت عادي جداً وكأن الجزء الصعب من اليوم خلص خلاص.
​في اللحظة دي، الخوف اتقلب في دماغي ليقين ووضوح.
​لو أنا عايزة أعيش، لازم أبطل أستنى إنهم ينقذوني.
​فتحت اللاب توب القديم بتاعي. الشاشة خدت دقيقة كاملة عقبال ما نورت، وبعدين كتبت أسئلة ما فيش طفل في السن ده المفروض يسألها: هل القاصر يقدر ياخد علاج طبي من غير موافقة أهله؟ هل الإهمال الطبي يعتبر سبب للوصاية المستعجلة؟ هل دور الرعاية بتغطي مصاريف العلاج؟ الإجراءات القانونية للاستقلال بتاخد وقت قد إيه؟
​كل إجابة كانت بتوصلني لإجراءات وأوراق وأوقات انتظار طويلة. حتى إني دورت إذا كانت مراكز الأحداث بتقدم رعاية طبية ولا لا! لعدة دقايق من اليأس، فكرت أعمل أي مصيبة كبييرة عشان يتاخد بيّ إجراء رسمي وأروح مكان أهلي ما يقدروش يرفضوا فيه علاجي.
​الفكرة طيرت النوم من عيني، بس ما كانتش تخوفني قد قعدتي في البيت ده.
​لقيت أماكن حماية ومؤسسات مساعدة قانونية. أقرب مكان كان فيه قائمة انتظار طويلة. والإجراءات كانت هتاخد شهور، وأي طلب للمحكمة محتاج أدلة وجلسات ووقت أنا ما كنتش حاسة إن عندي منه كتير.
​وفجأة، افتكرت اسم واحد: عمتي منى.
​خت أمي الكبيرة، كانت عايشة على بعد ٤٠ دقيقة مني في عمارة قديمة في شبرة. أهلي دايماً كانوا بيوصفوها إنها “فاشلة”. كانوا بيتريقوا على شغلها في إعطاء الدروس البسيطة، وعلى عربيتها الكركوبة القديمة، وحياتها الهادية. بالنسبة لهم، منى دي بالعافية عارفة تمشي أمور حياتها.
​بس عمتي منى كانت الوحيدة اللي لما تبص لي، بتبص لي فعلاً.
​لما العيلة كلها كانت بتتكلم وتاكل صوتي، كانت هي الوحيدة اللي تستنى لما أخلص كلامي. لما كان عندي ١٠ سنين، سمعتها بالصدفة بتسأل أمي: “هي البنت دي ليه شكلها كأن ما حدش حضنها من سنين؟” فاكرة إني فضلت واقفة ورا حيطة الممر وكتمت نفسي، عشان أخيراً فيه حد حس بيا ولاحظني.
​رقمها كان معايا على الموبايل. بس ما اتصلتش بيها وقتها.
​الأول، لميت حاجتي.
​قميصين، وبنطلون جينز، والشاحن، وشهادة ميلادي، وأوراقي الطبية اللي كانت مستخبية تحت كشاكيل المدرسة. فضيت حصالتي الزجاج في الدولاب وعديت الفلوس مرتين: ٧٣ جنيه. بعد كده جمعت كل ده في شنطة ظهر قديمة واستنيت لحد بعد نص الليل.
​البيت هدي خالص. صوت المواسير كان بيطقطق في الحيطان. خشب الصالة كان بيزيق لما أبويا قام من الحمام ورجع أوضته. بعد بضع دقائق، باب أوضتهم اتقفل. وأوضة زياد هديت هي كمان.
​شلت الشنطة على كتفي وفتحت باب الأوضة. صور العيلة كانت مالية الطابق والممر… زياد وهو ماسك الكؤوس، زياد في مسابقة العلوم، زياد واقف في النص بين بابا وماما وهما مبتسمين. أنا كنت طالعة في صورتين بس قدام نزلِة السلم تحت خالص.
​ما سبتش أي ورقة أو جواب.
​الهوا الساقع خبط في وشي أول ما طلعت على باب العمارة. قفلت الباب بالراحة ومشيت بعيد عن البيت الوحيد اللي عرفته في حياتي.
​بعد ما مشيت أربع شوارع، رجلي بدأت تترعش. لقيت دكة خشب جنب سوبر ماركت شغال ٢٤ ساعة تحت عامود نور كان بيعمل صوت زن مع الهوا. عربيات البضايع كانت بتتزق جنَبي، وما حدش كان واخد باله من البنت اللي قاعدة لوحدها بشنطة ظهر بعد نص الليل.
​فضلت قاعدة لحد ما السماء الكحلي بدأت تقلب رمادي.
​فكرت اتصل بالأخصائية الاجتماعية في المدرسة، بس كنت متخيلة سيناريو التحقيقات، والتقارير، ولجان المتابعة… يمكن كانوا هيساعدوني، ويمكن كانوا هيرجعوني البيت تاني عقبال ما يحققوا. ما كنتش أقدر أخاطر بإني أصحى تاني على نفس السفرة وأمي بتشرح لي ليه خوفي ده شيء مش مناسب للبيت!
​الشمس طلعت من ورا المحلات ونورت الشارع. الناس بدأت تعدي بكبايات القهوة والناس النازلة شغلها. كنت باصة عليهم كلهم من غير ما حد يلاحظني.
​أخيراً، طلعت تليفوني.
​صبعي كان ثابت فوق اسم “عمتي منى”. طلب المساعدة كان حاجة تخوف بالنسبة لي لأن طول عمري فات من عمري وأنا بتعلم أزاي ما أحتاجش لحاجة من حد. بس بعدين افتكرت جواب التأمين اللي كان مظبوط على حرف السفرة، وإيدين أبويا المتربعة، وكلمة “مخاطرة”.
​دوست اتصل.
​ردت من ثاني رنة: “ألو؟”
​زوري اتقفل. ولأول مرة من ساعة ما سبت البيت، الدموع حقت في عيني.
​”عمتي منى…” قولتها بالعافية “أنا نورهان.”
​ما كانش في صوتها أي لخبطة، ولا حدة، ولا حتى طلبت إني أشرح لها حاجة في التليفون.
​سألتني على طول: “إنتي فين يا نورهان؟”
​قولتلها المكان.
​صوت كلكس عربية عدى في الشارع، وأنا ماسكة التليفون جامد وإيديديا مهزوزة.
​قالت لي بثبات: “خليكي مكانك… أنا جاية لك فوراً.”
الجزء الثاني:
​لمدة ثلاث ثواني، ما حدش فينا اتحرك. عربية عمتي منى الحمراء القديمة كانت دايرة جنب الرصيف، وصوت عربيات الصبح بيعدي على الأسفلت المبلول، وهي باصة بتركيز على ملف الأوراق الطبية اللي كنت حاطاه على صدري ومدافعا عنه.
​وفجأة، ملامح وشها اتغيرت خالص.
قالت لي بصوت هادي وبكل ثبات: “اركبي يا نورهان.”
​على الضهر، كنت قاعدة على سفرتها الصغيرة في المطبخ وهي بتتصل بالدكتور المعالج بتاعي، وبعده محامي، وأخيراً اتصلت بأهلي. أمي ردت بصوت كان بيحاول يبان متماسك، بس صوتها اتكسر أول ما عمتي منى قالت لها إن معاها نسخ من كل الورق والتقارير الطبية.
​أمي اتعصبت وزعقت: “إنتي خدتي البنت من غير إذننا!”
​ردت عليها عمتي منى بثبات: “لا… هي جت للشخص الكبير الوحيد اللي سمعها وفهمها.”
​من الناحية التانية في الأوضة، كنت باصة على عمتي وهي بتفتح صندوق حديد قديم وتطلع منه عقد ملكية، وكشوف حسابات بنكية، وظرف مقفول بختم. وفجأة طلع صوت أبويا من الميكروفون وهو بيزعق وبيسأل بغضب هي ناوية تعمل إيه بالظبط.
​عمتي منى بصت لي في عيني بابتسامة طمأنينة، وحطت الظرف على السفرة وقالت له:
“هعمل الحرمة اللي كان المفروض تعملوها أنتم الأول من زمان.”
الجزء الثالث والأخير:
​أبويا صوته اترعش على السبيكر وقال: “حرمة إيه يا منى؟! إنتي هتاخدي البنت ضد رغبتنا؟ دي قاصر وممكن نبلغ عنك!”
​عمتي منى ابتسمت ابتسامة خفيفة، بس عينها كانت كلها تحدي. مسكت الظرف المقفول وفتحت السبيكر أكتر وقالت بثبات:
“بلّغ يا هشام… بلّغ بالمرة إنكم رافضين تعالجوا بنتك، وإن التقرير الطبي مكتوب فيه إن تأخير العلاج خطر على حياتها. بس قبل ما تروح القسم، اسمع الظرف ده فيه إيه.”
​الصالون عندهم سكت تماماً.
​عمتي فتحت الظرف وطلعت منه أوراق قديمة، وقرأت بصوت واضح:
“ده توكيل رسمي وعقد هبة قديم من بابا الله يرحمه… الوديعة اللي في البنك اللي أنتم حاطين إيدكم عليها وبتقولوا إنها عشان جامعة زياد؟ الوديعة دي نصها مكتوب باسمي أنا كوصية، ومخصص أساساً للحالات الطارئة والمصاريف الطبية لأي حد من الأحفاد! أنتم كنتم مخبيين الأوراق دي وناويين تتصرفوا في الفلوس كلها لجامعة زياد وسكنه في التجمع، وسايبين نورهان تموت بالبطيء!”
​صوت أمي اتخنق على التليفون: “إنتي… إنتي بتدوري ورانا يا منى؟”
​”أنا بضمن إن الحق يرجع لأصحابه،” عمتي ردت بقوة “المحامي معايا دلوقتي، وأوراق الوصاية العاجلة ونقل الرعاية الطبية بتترفع للمحكمة. قدامكم حل من اتنين: يا إما تتنازلوا عن الوصاية الطبية لنورهان بهدوء وتتفك الوديعة للعلاج فوراً… يا إما هرفع ق\ضية إهمال طفل وتبديد أموال القصر، والتسجيلات والجوابات اللي عندكم في البيت هتكون قدام النيابة الصبح.”
​أبويا ما عرفش يرد، وأمي بدأت تعيط وتتحسبن، بس المرة دي ما كانش فيه مجال للابتزاز العاطفي.
​خلال ٤٨ ساعة، وتحت ضغط القانون والأوراق اللي عمتي كانت شايلاها من سنين، أهلي اضطروا يوقعوا على أوراق الوصاية الصحية والتعليمية لعمتي منى. الوديعة اتفكت، وبدأت رحلة علاجي فوراً في الموعد المحدد.
​مرت السنين…
​دلوقتي، بعد ٦ سنين من الليلة دي، أنا قمت على رجلي، خفيت تماماً، وبتخرج السنة دي من كلية الهندسة.
​أهلي حاولوا كتير يتواصلوا معايا بعد ما الفلوس اتصرفت وزياد اضطر يدخل جامعة حكومية ويعتمد على نفسه، بس أنا كنت قفلت الباب ده للأبد.
​السنة دي، في يوم تخرجي، عمتي منى كانت قاعدة في الصف الأول، لابسة نفس الابتسامة الحنونة وهي بتشوفني بستلم شهادتي.
​في الليلة دي بالذات، افتكرت البنت اللي كانت قاعدة بشنطة ظهرها و٧٣ جنيه في الشارع وهي خايفة من بكرة… وبصيت لعمتي وابتسمت، وأنا عارفة إن ساعات أجدع حماية في الدنيا بتجيلك من الشخص اللي عيلتك كانت بتسميه “الفاشل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *