حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
​يومها الساعة تسعة وربع الصبح، شريف باس على دماغي قبل ما ينزل من البيت. كان لابس البدلة الكحلي اللي كنت جايباهاله في عيد جوازنا العاشر.
​— “عندي اجتماع طوارئ ومهم، متستنيش الغدا يا مي.”
​ابتسمت بهدوء وقلتله: “مش هستنى يا حبيبي، في حفظ الله.”
​أول ما عربيته اتحركت، فتحت أبلكيشن تحديد الموقع اللي مربوط بحساب العيلة. بدل ما يطلع على الشركة في مدينة نصر، العربية طلعت على محل مجوهرات شهير في الزمالك.
​متفاجئتوش ولا حاجة!
​بقالها ٦ شهور نيفين، مديرة التسويق الجديدة عنده في الشركة، شغالة معاه من ورايا. شريف كان مقتنع إني غرقانة في شقا البيت ومسؤولية ابننا أدهم اللي عنده ٨ سنين، ومش واخدة بالي من السهر لوش الفجر، ولا حجوزات الفنادق، ولا ريحة البرفان الحريمي الفاقعة في هدومه.
​استهتر بيا جداً.. لدرجة إنه في يوم نسي يمسح فويس نوت من نيفين بتضحك فيه وتقوله: “دي هبيدة ومبتفهمش حاجة.. مش هتمشي وتطرد، دي ملهاش شغلة ولا مشغلة ولا حيلتها جنيهاً بتروح بيه في أي حتة!”
​وشريف يرد بثقة: “بالظبط، دي ماسكة فيا بإيديها وأسنانها، مش رايحة في أي حتة.”
​ماكنوش يعرفوا هما بيلعبوا مع مين.
​أنا قبل ما أقعد في البيت عشان أربي أدهم، كنت شغالة محاسبة قانونية ومراجعة حسابات جنائية. وصحيح سيبت شغلي، بس عقلي في الأرقام والتفتيش مانامش.
​قبلها بتلات شهور، وأنا براجع الإقرارات الضريبية للشركة، لقيت شوية حركات مريبة. شريف كان بيهرّب فلوس من الشركة لحسابات شركات وهمية متسجلة باسم أخو نيفين. الخيانة ماكنتش في حقي بس.. ده كان بيسرق الشركة كمان! والشركة دي أصلاً بدأت ورأس مالها كان من ورث أبويا الله يرحمه، يعني ليا نصيب الحاكم فيها قانوناً. شريف نسي المعلومة دي.. بس أنا عمري ما نسيتها.
​على الساعة الضهر، عربية النقل كانت حملت آخر شنطة من فيلتنا في التجمع.
أدهم كان ماسك في إيدي وهو طالع عربية الأستاذة فريدة، المحامية بتاعتي.
​— “بابا جاي معانا يا ماما؟”
​ضغطت على إيده وبوسته: “مش النهاردة يا حبيبي.”
​الساعة أربعة العصر، شريف رجع البيت وشايل أكياس الماركات الشهيرة والهدايا. الكاميرات بعد كده جابته وهو داخل البيت وبيتسلطن بصفارة.. وفجأة كل حاجة اتغيرت!
​لُعب أدهم مش موجودة.. الصور اللي على الحيطة ممسوحة.. الدواليب فاضية.. مفيش غير ظرف أصفر كبير محطوط على السفرة تحت النجفة.
​بعدها بثواني، تليفوني رن، وصوته جه زئير: “أنتي فين يا مي؟! إيه الهبل ده؟!”
​سمعت صوت تقطيع الظرف وهو بيفتحه.
قلتله ببرود: “في مكان مش هتعرف تطوله.”
​— “إيه الورق ده؟!”
​— “قضية طلاق، وإخطارات بتجميد الحسابات البنكية.. وجوا الظرف صورة واحدة بس.”
​نفسه اتقطع فجأة.
الصورة كانت ليه هو ونيفين وهما طالعين من أوتيل في الساحل مع محسن بيه—المقاول اللي نازل عليه تحفظ وتفتيش من النيابة بسبب قضايا رشوة.
​قلتله بصوت واطي: “استهترت بالست الغلط يا شريف.” وقَفَلت السكة.
​الجزء الثاني
​رد فعل شريف في الأول ماكانش خوف.. كان كبرياء وغرور.
​جاب محامي من الكبار، وطلع شائعة في الشركة إني اتجننت، ورفع عليا قضية خطف لأدهم! وفي ظرف يومين، كانت نيفين معزومة في الفيلا وبترفع صور على إنستجرام وهي لابسة العقد الألماس اللي جابهولها الصبح، وكاتبة: “في ستات بتعرف تحافظ على راجلها.. وستات بتطرد نفسها بنفسها!”
​عملت سكرين شوت وركنتها على جنب.. يلزمنا في الأدلة.
​شريف كان بيكلمني يهدد: “أنتي بتهيني نفسك يا مي.. ارجعي واعتذري ويمكن أطلعلك بقرشين تسليكة لسان!”
​رديت عليه: “تسليكة لسان من الفلوس اللي سارقها من الشركة؟”
​ضحك بصوت عالٍ: “أنتي نسيتي السوق وبزنس الشركات بيمشي إزاي!”
​— “أنا مانسيتش الأرقام يا شريف.”
​وهو عايش الدور، كنت أنا وأستاذة فريدة قاعدين في المقر القديم لشركة والدي في وسط البلد.
​ورقة ورقة.. حركة حركة.. طلعنا كل الفواتير المزورة، والتحويلات اللي رايحة لحسابات أوفشور، والعقود الفبركة. المبلغ اللي اتمسح كان معدي الـ ٨٠ مليون جنيه!
​بس المفاجأة ماكنتش في أوراق البنك.. المفاجأة جت من شريف نفسه.
​زمان، كنت عاملة ربط تلقائي (Cloud Backup) لكل أجهزة البيت على إيميلي. وشريف من غبائه ربط التابلت بتاع الشغل بالحساب ده.
​كل الرسائل والواتساب بينه وبين نيفين كانت بتتنقل عندي بالحرف!
بيتفقوا على رشاوي المفتشين.. بيضحكوا وهما بيحرقوا ورق الحسابات.. وحتى كانوا بيمهدوا عشان يشيلوا الليلة كلها لـ أحمد، محاسب صغير وغلبان في الشركة.
​كتبتله نيفين: “أول ما مي تمضي على التنازل عن أسهمها، الشركة كلها هتبقى في جيبنا.”
رد عليها شريف: “دي هفأ وهتمضي وهي ساكتة.”
​فريدة بصتلي: “دول وقعوا مع المراجع الغلط!”
قلت لها: “هما افتكروا إنهم بيلعبوا معايا ومع أدهم ومع أحمد الغلبان.. بس الحق مبيضيعش.”
​تواصلنا مع أحمد المحاسب، ولما عرف المصيبة، جاب لنا أصل الفواتير اللي شريف أجبره يغير في أرقامها.
​بعد أسبوع، شريف طلب جلسة رؤية ورعاية مستعجلة، وجاي المحكمة لابس أشيك بدلة وعامل دور الزوج المكلوم: “مراتي عزلت فجأة ودمرت البيت وبتحرمني من ابني ومريضة نفسياً!” والمحامي بتاعه بيعرض صور الفيلا وهي فاضية.
​وقفت أستاذة فريدة بكل هدوء: “سيادة القاضي، نسمع بس المقطع الصوتي ده عشان نعرف المريضة النفسية دي هربت ليه.”
​اشتغل تسجيل صوتي من التابلت، وصوت نيفين طالع يلعلع في القاعة: “لو مي عملت وش، قول للناس كلها إنها مجنونة وبتتهيالها يخرب بيتها.. القضاة دايماً بيصدقوا الراجل الراسي اللي شكله محترم!”
​وش شريف جاب ألوان وجص!
​القاضي رفض طلبه فوراً، وأداني الحضانة المؤقتة لأدهم، ومنع شريف إنه يقرب من مدرسته أو يتكلم معاه بدون إشراف.
​خارج باب المحكمة، نيفين قربت مني بشر: “فاكرة تسجيل هيخليكي ملكة؟”
رديت عليها: “لا.. الملكية هي اللي بتخلي الملك ملك.”
​وادتها إخطار رسمي بطلب انعقاد جمعية عمومية طارئة للشركة.
بأسهمي وأسهم شركاء والدي القدامى، أنا بملك أغلبية الأصوات.
​شريف خطف الورقة بذهول: “أنتي مجنونة؟! مش هتعرفي تطرديني من شركتي!”
بصلته بثبات: “هي مابقتش شركتك لوحدك من زمان يا شريف.”
​ليلتها، شريف اتجنن، وحاول يدخل مقر الشركة بالليل عشان يمسح السيرفرات ويحرق الدلائل.. ماكنش يعرف إن مباحث الأموال العامة كانت حاطة المقر تحت المراقبة أصلاً!
​الجزء الثالث
​بعد تلت أيام، أعضاء مجلس الإدارة اتجمعوا في القاعة الزجاجية الفخمة في الشركة.
شريف دخل ومعه نيفين واثنين محامين، بيحاول يبان متماسك: “أنتي مبسوطة وأنتي بتلعبي اللعبة دي؟”
​هزيت راسي: “أنا بنهي اللي أنتوا بدأتوها.”
​أحمد المحاسب قاعد جنب فريدة، وفي آخر الطاولة كان قاعد اثنين من ضباط الأموال العامة وممثل عن هيئة الرقابة الإدارية.
شريف رجله خبطت في بعضها: “إيه الناس دي؟! بتعملوا إيه هنا؟”
​من غير كلام، شغّلت البروجيكتور.
شاشة العرض جابت خريطة الجريمة كاملة: الشركات الوهمية، التحويلات للساحل، الفواتير المضروبة، المفتشين اللي خدوا رشاوي، وعلاقتهم بمحسن المقاول.
كل كلمة مدعومة بصوت وصورة وفواتير ورسائل.
​نيفين وقفت تصرخ وتتنفض: “شريف هو اللي كان بيطلب مني أعمل الحسابات دي!”
شريف زعق فيها: “أنتي اللي أشرتي عليا أعمل الشركات دي باسم أخوكي!”
المركب بتغرق، والكل بيعض في بعضه.
​قلت لهم بابتسامة: “كملوا.. الاجتماع متسجل.”
​شريف جرى على اللابتوب عشان يقفله، الضابط وقف في وشه بصرامة: “اتفضل ارتاح يا شريف بيه.”
​فريدة قريت قرارات الجمعية العمومية:
عزل شريف من منصب رئيس مجلس الإدارة وعزله من الشركة كلياً، وإقالة نيفين فوراً.
ممثل الرقابة اتكلم: “الشركة موقوفة حالياً عن دخول أي مناقصات حكومية لحين انتهاء التحقيقات.”
​شريف بصلي بكسرة: “أنتي بتهدي بيتك وشركتنا عشان تنتقمي مني؟”
​— “أنا حَميت الشركة منك.. وحميت ابني.”
​— “فكري في أدهم!”
​— “فكرت فيه.. وعشان كده مش هسيبه يكبر ويفتكر إن الظلم والسرقة شطارة.”
​الضباط كلبشوا شريف بتهم اختلاس، وتزوير ورق رسمي، وإرشاء موظفين. ونيفين اتقبض عليها بتهمة الاشتراك والمؤامرة.
وهو طالع من الباب، شريف بصلي للمرة الأخيرة: “إحنا كنا عيلة يا مي..”
رديت عليه بكل هدوء: “لا يا شريف.. أنا وأدهم كنا العيلة، وأنت كنت الستار اللي مستخبي وراها.”
​بعد ٧ شهور، شريف اتسجن ٦ سنين سجن مشدد مع رد المبالغ والمصادرة بعد ما التحقيقات كشفت بلاوي أكتر. ونيفين خدت سنة ونصف بعد ما شهدت عليه.
محكمة الأسرة حكمتلي بالحضانة الكاملة للولد، والفيلا، وبدلات الشرف.
أنا بعت الفيلا دي بعد كده.. ماكنتش عايزة أي حاجة تفكرني بالماضي.
​بعد سنة…
​بقيت أنا رئيس مجلس إدارة الشركة بعد ما غيرنا اسمها ونضفناها. وأحمد اتقى وبقى مدير التفتيش والمراجعة.
​أنشأنا حياتنا من جديد. اشتريت بيت أبيض جميل على البحر في إسكندرية، الشروق والغروب فيه يرد الروح.
​في يوم، وأنا قاعدة في البلكونة بسبح والبحر قدامي، أدهم جه وقعد جنب إيدي:
— “ماما.. أنتي مبسوطة دلوقتي؟”
​بصيت للبحر الهادي، وبعدين بصيت لعينيه: “جداً يا قلب ماما.”
​— “عشان بابا اتعاقب؟”
​— “لا يا حبيبي.. عشان إحنا أخيراً مابقيناش بنضيع نفسنا ولا بنسكت على الحق.”
​في درج مكتبي هناك، لسه شايلة الظرف الأصفر الفاضي.
مش حطاه عشان افتكر الخيانة.. حطاه عشان افتكر اليوم اللي راجل دخل فيه البيت وهو فاكر إنه مالك حياتي ومستقبلي.. واكتشف إني كنت خلاص رجّعت حياتي لإيدي.
​النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *