السكوت مش دايماً علامة الرضا حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
السكوت مش دايماً علامة الرضا.. ساعات بيكون تحضير للرد!
نسيبي الجديد وجوزته جايين من قلب جنيف في سويسرا خصيصاً عشان نتعرف على بعض. وقاعدين على العشا، وفجأة قرروا يقلبوا الكلام فرنساوي، وهمّ متأكدين 100% إني مش فاهمة كلمة واحدة من اللي بتقال.
وفي اللحظة اللي سمعتهم فيها بيتكلموا عن بنتي..
حطيت الشوكة والس\كينة بالراحة أوي جنب الطبق.. عشان لأول مرة في حياتي، مش هسكت.
أنا اسمي ميرفت.
عندي 63 سنة، مطلقة، طلعت معاش قريب، وعايشة لوحدي في شقة صغيورة في الشيخ زايد.
أنا قضيت معظم حياتي شاطرة جداً في “فن الاختفاء”.. إني أكون موجودة بس محدش يحس بيا.
العادة دي اتكونت عندي بالتدريج على مدار 31 سنة جواز.
طليقي ما كانش من النوع اللي يزعق أو يقولها صريحة “اسكتي”.. ما كانش محتاج يعمل كده اصلاً.
كانت تكفيه:
رفعة حاجب.
اتنهيدة بقلة صبر.
أو سؤال بصوت واطي: “هو انتِ شايفه إن مالوش لازمة الكلام ده دلوقتي؟”
الحركات الصغيرة دي كانت كفيلة تخلي ألمّ لساني وأسحب أي رأي كنت ناوية أقوله.
ولما الطلاق تم رسمياً من 4 سنين، كنت تقريباً نسيت يعني إيه أخد راحتي في الكلام من غير ما أحس إني المفروض أعتذر على وجودي.
بنتي نور عندها 30 سنة، شغالّة مصممة جرافيك في شركة في المعادي.
بنت ذكية، عملية، وواضحة جداً. كنت ديماً بدوب في صراحتها، بس في ناس كانت بتفهم عدم تصنعها ده على إنه “قلة ذوق” أو “عشم زيادة”.
من سنتين، اتعرفت على كريم، مهندس مدني متربي في بلجيكا وسويسرا.
شاب محترم، هادي، وبيموت فيها.
لما يخطبها، نور كلمتني أنا أول واحدة قبل أي حد.
وبعدها بـ 3 شهور، أهل كريم جم مصر.
نور وكريم أجروا شاليه تحفة في السخنة عشان نلم الشمل في أجازة عيد العمال. الشاليه كان ليه تراس خشب كبير بيبص على البحر علطول، وحاجة تفتح النفس.
وأنا سايقة في طريقي للسخنة، وقفت عند ماركت كبير، جبت ورد، وعيش سخن، وإزازه شربات توت ومرمية هدايا..
ما اقدرش أدخل إيدي فاضية أبداً.
دي عادة تانية باقية معايا من أيام الجواز: أوعى تدخلي على حد وإيدك فاضية، هاتي أي حاجة عشان محدش يسأل انتِ داخلة ليه أساساً.
نور استقبلتني في المطبخ والدقيق مغرق المريلة بتاعتها:
نور (بتوشوشني): “يا ماما، أرجوكي.. أنا عايزة الويك إيند ده يعدي على خير. طنط فريدة لزيزة، بس بتدقق في التفاصل أوي. وعمو سامح نفس الكلام.. ناس فخورين جداً بنفسهم وبأصلهم.”
ميرفت: “حاضر يا حبيبتي، هبقى عاقلة.”
نور (كشرت): “مش ده قصدي يا ماما!”
بس ده اللي أنا فهمته:
خليكي لطيفة.
صغّري نفسك.
أوعي تحرجي حد.
فريدة خرجتلي وهي نزلة من الشاليه وأنا بطلع الشنطة من العربية.
ست طويلة، شيك أوي، لابسة بنطلون كتان مكوي بالمسطرة وبلوزة حرير أوف وايت. شكلها رايح يقص شريط معروض فنون مش نازل يقعد على البحر في السخنة!
بوستني من الخدين:
فريدة: “ميرفت! سمعنا عنك كتير أوي.”
لغتها الإنجليزي كانت مسطرة، وابتسامتها دافية.. بس محسوبة بـ الميزان.
وسامح سلم عليا بضغطة إيد قوية. شعر أبيض شيك، ساعة ماركة، وثقة بالنفس بتصرخ: “أنا عارف إني صاحب المكان في أي حته أدخلها.”
قعدنا نشرب عصير على التراس قبل العشا.
الشمس كانت بتغرب والبحر شكله يسحر، وصوت الموج هادي.. ونور وكريم قاعدين يتكلموا في تفاصيل الفرح.
سامح بدأ يفتي ويقول رأيه في كل حاجة: الهندسة، النبيذ، الشوارع في مصر، وتقريباً كل حاجة في الحياة.
وفجأة.. فريدة بصلت لجوزها وبدأت تتكلم فرنساوي.
وأنا كنت فاهمة كل كلمة.
اللي محدش فيهم يعرفه.. إنه قبل ما أكون زوجه، وأم، ومدرسة عربي في ثانوي.. أنا عشت في باريس وليون 8 سنين كاملين!
سافرت هناك لوحدي وأنا عندي 22 سنة، بشنطة هدوم واحدة، ومن غير أي خطة مستقبليّة.
اتعلمت الفرنساوي هناك وأنا بشتغل جرسونة، وأنا بفاضل في أسواق الخضار، وأنا بتخانق مع المؤجرين.. بنية إني أبني حياتي في بلد مابترحمش الأجانب المكسورين.
بس أنا عمري ما اتكلمت عن السنين دي.
نور كانت تعرف بالظروف إن ممتها عاشت بره زمان، بس عمرها ما سمعتني بتكلم فرنساوي ناطق.
وبعد السنين دي كلها في الجواز، البنت الشجاعة اللي كانت في فرنسا دي بقت تحس إنها مجرد حكاية قديمة سمعتها زمان، مش أنا.
عشان كده.. فضلت ساكتة وبسمع.
في الأول كلامهم كان مبهم ومبلوع:
فريدة شايفه الشاليه لطيف، بس “بلدي حبتين” على ذوقها.
سامح شايف إن المصريين بيتلخبطوا بين إنهم عايشين في طبيعة حلوة وبين إن عندهم “ثقافة”.
أنا بلعت ريقي وأخدت بق عصير.
بعدين فريدة بصت لنور وقالت بالفرنساوي:
”هي طيبة.. يمكن بسيطة زيادة عن اللزوم، بس يعني.. غلبانة.”
كريم ملامحه اتغيرت وشبّك إيده:
كريم (بالفرنساوي): “من فضلك يا ماما.. متقوليش على الست اللي هتجوزها إنها بسيطة.”
فريدة حركت إيدها باستهانة:
”أقصد مش معقدة.. نيتهم بيضا. مش بتتنعنع ولا بتعمل نفسها حاجة هي مش كدا.”
وكملوا كلام بالفرنساوي، عشان فاكرين إن البرنسيسة اللي قاعدة قدامهم مش فاهمة حاجة.
على العشا، نور قدمت “بيكاتا بالمشروم” قعدت تتدرب عليها أسابيع، عشان تعمل حاجة تعجبهم وتكرمهم.
سامح مدح الأكل جداً بالإنجليزي..
وبعدين لف لمراته وقالها بصوت واطي بالفرنساوي:
”دلوقتي بس فهمت ليه نور معندهاش إتيكيت ولا رقي.. أمها مبين عليها ست طيبة وكل حاجة، بس واضح إنها ماشافتش الدنيا ولا خرجت بره حارتها!”
أنا عيني فضلت مثبتة في الطبق.
فريدة ردت عليه:
”عادي يا سامح، مفيش عيب إن الواحد يعيش حياة عادية ومحدودة.. مش كل الناس عندها شغف، ولا طموح، ولا شجاعة تعمل حاجة بره المألوف.”
إيدي اتشنجت على الشوكة.
نور لاحظت فجأة:
نور: “في حاجة يا ماما؟ الأكل مش عاجبك؟”
ميرفت: “لا يا حبيبتي.. كل حاجة زي الفل.”
لكن سامح ما سكتش، وكمل بالفرنساوي:
”أنا بس أتمنى كريم ميفضلش طول عمره شايل شيلة ست معندهاش أي خلفية ثقافية عدلة.. أنا عايزي أحفادي يفهموا أصلهم الحقيقي جاي منين.”
كان يقصد سويسرا.
كان يقصد عيلته.
ما كانش يقصد نور.
وأكيد.. ما كانش يقصدني أنا.
في اللحظة دي.. في حاجة جوايا اتكسرت، وحاجة تانية اتولدت.
بصيت لبنتي.. اللي بقالها طول اليوم في المطبخ بتطبخ لضيوف بيقيموها في سرهم بتقييمات هي اصلاً ما تعرفش عنها حاجة.
وبعدين بصيت لـ سامح وفريدة..
هم فهموا سكوتي على إنه “جهل”.
وافتكروا إن هدوئي دليل على إن مفيش جوايا حاجة تتقال!
بالراحة أوي.. نزلت الشوكة جنب الطبق.
سامح كان لسه بيتكلم ومندمج.. رفعت عيني وبصيت في عينه مباشرة.
وبـ فرنساوي باريسي أتقن وأنسق من لغتهم هم شخصياً.. قلتله:
”Je vous prie de m’excuser, Philippe… mais ma fille n’a absolument rien à apprendre d’une famille qui confonde la politesse avec l’hypocrisie.”
(عن إذنك يا سامح.. بس بنتي مش محتاجة تتعلم أي حاجة من عيلة بتتلخبط بين الأدب وبين النفاق!)
الترابيزة كلها سكتت!
كريم بؤه اتفتح من الصدمة، ونور تشنجت وهي بتبصلي ومش فاهمة أنا بتكلم فرنساوي منين، وأما سامح وفريدة.. فوشهم جاب ألوان الطيف كلها في ثانية واحدة!
كملت أنا بقى بالمصري عشان بنتي تفهم:
“ونور بنتي أجدع وأرقى من إنها تتقيم من ناس فاكرة إن الثقافة باللغة، مش بالأصل والجدعنة.”
حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الثاني: شجاعة بنت مصر تظهر في باريس!
سامح كان لسه بيتكلم ومندمج ومسترسل في كلامه الفرنساوي، لما رفعت عيني وبصيت في عينه مباشرة.
وبـ فرنساوي باريسي أنيق ومتقن أوي — من غير ما أزعق ولا أرفع صوتي، بس بنبرة حازمة تخلي الحديد يلين — قلتله:
ميرفت: “سامح.. اعذرني إني قاطعتك، بس أنا استمتعت جداً بحواركم ومحبتبش أقاطعكم من بدري.”
السكون نزل على الترابيزة زي الصاعقة!
شوكة فريدة اتجمدت في الهواء.
سامح وشّه اتخطف وبقى أبيض زي الملاية!
كملت كأني بشرب شاي:
ميرفت: “أنا عشت في ليون 8 سنين كاملين.. كنت بشتغل في حي ‘ميرسييه’ وعايشة جنب ‘كوا روس’. اتعلمت الفرنساوي هناك من أصحاب البلد الأصلية اللي مابيرحموش أجنبي. فـ أنا فاهمة كل كلمة اتقالت من ساعة ما قدمكم عتبت البيت.”
نور بنتي بصتلي بعيون مبرقة ومصدومة، وكريم حط إيده على وشه من كسفته!
رددت كل الكلام اللي قالوه بالحرف: كلامهم عن البيت العادي، وعن إن نور “بسيطة”، وعن حياتي المحدودة، وحرمكوا من إن عيلتنا معندهاش “ثقافة”.
وبعدين نزلت بالقاضية:
ميرفت: “حضرتك قعدت على سفرة بنتي، وأكلت من أكلا قعدت تتمرن عليه أسابيع عشان تكرمكم وتفرحكم. واستخدمتم لغة فاكرينها حامية نفاقكم عشان تهينوها في وشها! في مصر وفي ليون، ده ما اسمهوش ‘رقي ثقافي’.. ده اسمه ناس معاها فلوس بس معندهاش ريحة الإتيكيت ولا الأصول. ودي أسوأ أنواع الفقر.”
فريدة حاولت تقاطعني: “بس يا ميرفت…”
رفعت إيدي بكل هدوء:
ميرفت: “أنا لسه مخلصتش كلامي يا فريدة. أنتوا اتكلمتوا عن عيلتي ساعتين، ودلوقتي جه دوري.. وأنا بديكم قدركم وبكلمكم بلغتكم عشان تفهموا.”
وحكيتلهم عن نور:
ازاي بنت نفسها بنفسها، وعملت اسم في شغلا في مجال صعب من غير مساعدة ولا وسوسة من حد. ازاي كسبت احترام كل الناس في شغلها وفي المعادي وفي كل مكان، من غير ما تحتاج تتباهى بساعات ماركة ولا بسفريات بره.
ميرفت: “ونور اختارت ابنكم.. كريم شاب محترم ومتربي، ودلوقتي هو كسفان من تصرفاتكم دي. وده معناه إنكم ربيتوه أحسن من التصرف اللي عملتوه النهاردة. وأحفادي مش هيطلعوا فاكرين إن سويسرا أو جنيف أحسن من القليوبية ولا القاهرة.. هيعرفوا إن جدتهم في يوم من الأيام سافرت لوحدها بشنطة هدوم واحدة وبنت نفسها. دي الثقافة الحقيقية اللي هورثها لولاد بنتي.”
مسكت الشوكة تاني، ورجعت أتكلم عربي عادي خالص، وبصيت لنور:
ميرفت: “الأكل تحفة يا نور يا حبيبتي.. الصوص مظبوط بالظبط.”
الجزء الثالث: الاعتراف بالحق فضيلة!
السكوت اللي جه بعد كده كان مريح لنفسيتي جداً.
بس الغريبة إن سامح ما قامش ولا اتعصب.. حط الس\كينة والشوكة على الطبق، وبصلي بالإنجليزي عشان نور تفهم:
سامح: “مدام ميرفت.. عندك حق. أنا مكسوف من نفسي.”
أنا كنت مستنية هجوم أو كبرياء مجروح، بس هو اعترف بغلطته قدام الكل:
سامح: “إحنا استخبينى ورا اللغة عشان القسوة كانت سهلة لما افتكرنا إن محدش فاهمنا. يا نور.. الكلام اللي قلته كان جبن وقلة أصل. انتِ استقبلتينا بأحسن طريقة، وأنا رديت ده بعدم احترام.”
فريدة عينيها دمعت وقالت:
فريدة: “أنا قلت عليكي بسيطة يا نور.. بس الحقيقة إني كنت خايفة. خايفة عشان كريم بيحبك وبيموت فيكي أكتر ما بيحبنا إحنا. وبدل ما أعترف بخوفي، صغرت منك عشان أحس إني أعلى.”
الصراحة دي ما مسحتش الإهانة، بس فتحت باب جديد للصلح.
النهاية: الست اللي جوايا ما ماتتش!
باقي الويك إيند اتغير تماماً.
سامح قعد يسألني بشغف عن الأيام اللي قضيتها في فرنسا، واكتشفنا إنه كان بياخد تدريب هندسة في نفس المكان وفي نفس السنين اللي كنت عايشة فيها هناك!
سهرنا للسابعة صباحاً بنفتكر المطاعم القديمة وبنرسم خريطة على منديل وبنتجادل بالفرنساوي، ونور كانت واقفة على السلم وبتعيط من كتر ما هي مش مصدقة إن دي مامتها!
في آخر يوم، فريدة جت قعدت جنبي في التراس وقالتلي:
”أنا نفسي أتعرف على البنت اللي كانت عايشة في فرنسا وهي عندها 22 سنة.. حاسة إن نور ما تعرفهاش، ولا انتِ كمان كنتِ فاكراها.”
ميرفت: “أنا بتعرف عليها من أول وجديد أهو.. ومفيش مانع تيجي معايا في السكة.”
السنة اللي بعدها، نور وكريم اتجوزوا في فرح تحفة على النيل.
سامح جاب أنظف أنواع العصير، وفريدة ساعدتني أختار الفستان عن طريق الفيس تايم، وكانت بتصلحلي الفرنساوي بحب كأنها اختي.
وفي كلمة الفرح، سامح قال جزء من كلمته بالفرنساوي، وبعدين ضحك وقال:
”أنا هترجم للمصريين، بس مش هترجم لـ ميرفت.. عشان اتعلمت على طبق بيكاتا إنها فاهمة كل كلمة!”
الكل ضحك، وأنا ضحكت معاهم.. ولأول مرة، مابقتش حاسة إن محتاجة أكسف نفسي أو أصغّرها عشان أرضي حد.
القصة ما كانتش عن سامح وفريدة.. القصة كانت عن اللحظة اللي حطيت فيها الشوكة جنب الطبق.
على مدار 31 سنة جواز، اتعودت أكون الست اللي تبص في طبقها وتسكت. طليقي علمني بالتدريج إن “السكوت” هو آمن نسخة مني.. وللأسف صدقته.
بس الفرنساوي كان بيعبر عن مرحلة تانية خالص.. مرحلة الشجاعة، والشنطة الواحدة، والبنت اللي مش بتخاف تطالب بحقها.
لما فريدة شتمت بنتي بالفرنساوي، هي صحّت الست اللي جوه ميرفت.. والست دي عمرها ما اتعلمت تطأطئ رأسها!
دلوقتي، نور وكريم عندهم بنوتة صغيرة اسمها “فريدة الصغيرة”.. عايشة بين لغتين وثقافتين، وعندها 4 جدود بيموتوا فيها.
ولما بشيلها، بتكلم معاها فرنساوي.. وأول كلمة كاملة قالتها لي كانت: “mon amie” (صديقتي).
وسامح لسه بيبعتلي إيميلات بالفرنساوي، وبيختم كل ميل بـ:
”إلى الست اللي كانت فاهمة كل كلمة.”
وأنا ببتسم وبقول في سري: أنا ما فهمتش عشان كنت عاملة فخ.. أنا فهمت عشان زمان، قبل ما أي حد يعلمني أختفي، كنت شجاعة كفاية إني أسافر وأكون نفسي.
والست دي عمرا ما اختفت.. كانت مستنية بس حد يكلمها بلغة الخوف ما يعرفهاش!