الدوا

 

​— “يا ماما… لو سمعت الكلام… مش هتعوزي تشتريلي الدوا تاني؟”

​الجملة طلعت من البنت كأنها همسة، بالعافية مسموعة وسط صوت الشتا اللي نازل يرف، وصوت أكياس بلاستيك بتتكتك، والزحمة اللي واقفة في طابور صيدلية معروفة في المهندسين.

​أحمد العريان كان واقف عند الباب، بدلته شربت مية الشتا، وموبايله مبيفصلش زن في إيده. برة، السواق بتاعه مستنيه بالعربية المرسيدس ومولّع الانتظار في شارع جامعة الدول، بس أحمد محركش خطوة.

​هو مكنش داخل الصيدلية عشان حاجة طارئة. واحد زيه، عنده شركات مقاولات، ومستشفيات خاصة، ونصف عقارات البلد في جيبه، مابينزلش يشتري دوا بنفسه. هو نزل بس عشان يهرب من اجتماع رخم مع نواب في البرلمان، ومن صوت أمه وهي بتمليه يوقع على إيه ويفركش إيه.

​وفجأة… شافها.

​ندى. مراته السابقة.

​الست اللي من 3 سنين سابت فيلتهم في التجمع الخامس من غير ولا كلمة، ووقّعت على الطلاق عن طريق المحامين، واختفت كأنها قررت تمسح نفسها من الوجود.

​كانت واقفة قدام الأجزاخي وهو جاكيتها الكحلي المتبهدل، شعرها ملفوف أي كلام، وماسكة الروشتة بإيد بتترعش. جزمتها متغرقة طين، وعينيها فيها كمية تعب تهد جبل.

​— “ممكن أسيبلك بطاقتي…” —قالتها وهي بتحاول تماسك صوتها— “… وهاجي يوم الجمعة أكمل الباقي. والله محتاجة الدوا ده ضروري النهاردة.”

​الدكتور الصيدلي بص للشاشة وهو حاسس بالحرج:

— “يا فندم والله الصنف ده ملهوش خصم… الحساب 3,240 جنيه.”

​ندى وطّت رأسها. أحمد كان حافظ الحركة دي كويس… كانت بتعملها لما تبلع دموعها بالعافية عشان متكسرش كبرياءها قدام حد.

​جنبها، بنت صغيرة شعرها أسود، خدودها دبلانة، ولابسة ترنج عليه يونيكورن، شدتها من طرف الجاكيت:

— “ماتبكيش يا مامي… أنا ممكن أنام وأنا قاعدة زي امبارح.”

​أحمد حس بنغزة سريعة في قلبه.

​البنت رفعت وشها.

كانت عينيها خضرا… نفس خضرة عينين عائلة العريان. نفس عينيه بالظبط.

​أحمد أتحرك من غير ما يفكر.

​— “انزل بالروشتة كلها…” —قالها وهو بيرمي كارت الفيزا على الترابيزة— “… وطلع معاها كل اللي تحتاجه للحرارة، والمحلول، والترمومتر، وجهاز النيبوليزر كمان لو تلزم.”

​ندى اتلفتت كأنها شافت عفريت:

— “أحمد…؟”

​هو مبصلهاش في الأول… مفيش في عينيه غير البنت.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *