لو خطيتي حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
— “لو خطيتي خطوة واحدة كمان ناحية الراجل ده، انسى إنك تدخلي بيتي تاني!”
قالها طارق منصور بصوت هز المكان، ومن غير ما يعمل أي حساب لأكثر من 200 شخص من كبار الضيوف اللي واقفين بيسمعوه.
الهمس والوشوشة سكتوا تماماً في تراس متحف الفن الحديث بالزمالك. الكاميرات كانت شغالة بتصور كل حاجة، ورجال الأعمال والأطباء والمسؤولين اتفتحت عينيهم من الصدمة.. بصلوا لطارق، وبعدين بصلوا لـ سلمى؛ طفلة عندها 8 سنين، بقالها سنة كاملة محبوسة بين الكرسي المتحرك والمشايات العلاجية.
سلمى ما ردتش. رجليها كانت بترتعش، وإيديها مفتوحة في الهواء كأنها بتحاول تمسك أي حاجة تسندها.
أمها، فريدة منصور، وقفت مكانها متسمرة. فريدة عندها 41 سنة، بتدير مجموعة شركات للبرمجيات واللوجستيات، وتقدر تقفل صفقات بملايين في كلمة.. بس في اللحظة دي كانت عاجزة تماماً إنها تعمل أي حاجة لبنتها.
دكتورة العلاج الطبيعي شالت الحزام الواقي من على ظهر سلمى وقالت لها بالراحة:
— “مش لازم توصلي لحد يا سلمى.. بس حاولي تلاقي توازنك.”
سلمى أخدت أول خطوة..
وبعدها خطوة ثانية..
في الخطوة الثالثة، ضغطت على سنانها وجسمها اتهز. فريدة حست إن قلبها هيفقف من الخوف. بقالها شهور بتتحايل على اللحظة دي، وكانت متأكدة إن بنتها لما تمشي، هتمشي ناحيتها هي..
بس سلمى لفت وجسمها اتجه لناحية آخر التراس.
هناك كان واقف أحمد.. لابس قميص كحلي متشمّر، وجزمة قديمة، وعلامات الدهشة على وشه. وجنبه ابنه عمر، عنده 10 سنين، ومقرفص ماسك كرتونة فيها كتب أطفال.
أحمد كان شغال في صيانة محركات المراكب واللنشات على النيل في القناطر الخيرية، وعايش هناك في بيت صغير ومربّي ابنه عمر لوحده من يوم ما مراته اتوفت.
سلمى بصت له وقالت بصوت هادي:
— “عمو أحمد..”
طارق قرب بسرعة وقال بغضب:
— “فريدة! انزلي هاتي بنتك وشيليها من القرف ده!”
بس فريدة ما تحركتش.
سلمى أخدت خطوتين كمان.. وفي الخطوة السادسة توازنها اختل وكانت خلاص هتقع على الأرض، بس أحمد فتح ذراعيه ولحقها قبل ما تلمس الرخام.
البنت اتشبثت في رقبته وجسمها بيلف، وقالت وهي بتعيط:
— “كنت فاكرة إني مش هعرف أمشي..”
رد عليها أحمد بحنية:
— “لا، كنتِ هتعرفي.. كان لازم بس تبطلي تعافري وتتخانقي مع رجليكي.”
الفلاشات بدأت تضرب في كل مكان والتصوير اشتغل. فريدة قربت منهم والدموع في عينيها، بس كان في سؤال وجعها أكتر من الفرحة، فسألت بنتها:
— “ليه مشيتِ ناحيته هو يا سلمى؟”
سلمى بصت لأمها وقالت:
— “عشان هو الوحيد اللي عمره ما وعدني إني مش هقع.”
بداية القصة
الحكاية كلها بدأت من 4 شهور، في مركز تأهيل حكومي مجاني في حي السيدة زينب. عمر، ابن أحمد، كان بيشارك في نشاط قراءة للأطفال، وأحمد كان بياخده ويستناه هناك بعد شغله. وعقبال ما عمر يخلص القراءة، كان أحمد بيمسك كراسي الأطفال المكسورة يغير لها صواميل ويظبط الفرامل من غير ما يطلب مليم واحد.
سلمى كانت بتكره جلسات العلاج الطبيعي جداً. بترفض تتكلم، بترمي الأدوات في الأرض، وبتعيط أول ما تشوف أطفال تانيين بيمشوا.
أول مرة أحمد قرب منها وهي بتصرخ، سلمى قالت له بغل:
— “أنا مش عايزاك تشفق عليا!”
أحمد وطى جاب القمع البلاستيك اللي رمته، وقال لها ببرود:
— “كويس جداً.. أصلاً الشفقة دي ملهاش أي لازمة وبتعطل.”
من اليوم ده، أحمد حول كل تمرين صعبة للعبة ومهمة سحرية. رفع الركبة بقى عبارة عن “نط فوق ترعة”، ولمس الكورة بقى “إنقاذ لعمر من جزيرة مهجورة في النيل”.
ولأول مرة من سنة.. سلمى ضحكت من قلبها.
فريدة كانت بتبص على أحمد بشك وتوجس؛ هي متعودة إن أي حد يقرب منها أو من بنتها بيكون طمعان في فلوسها. في يوم، وقفت له في جراج المركز وسألته بوضوح:
— “حضرتك مستني إيه من بنتي؟”
— “مستني ترجع تصدق نفسها تاني.”
— “ومستني إيه مني أنا؟”
— “ولا أي حاجة يا فريدة هانم.”
الرد ده دخل فريدة في حيرة كبيرة.. مفيش حد في حياتها كلها قال لها “مش عايز منك حاجة”.
مع الوقت، فريدة بدأت تروح المركز ده من غير حراسة ولا مساعدين. صبت شاي مع الأمهات البسيطات، سمعت لستات بيجوا في مواصلات ساعتين عشان علاج ولادهم، وشافت أحمد وهو بيسند الأطفال في لحظات الوجع الشديد. ولمحت كمان إنه عمره ما جاب سيرة ماضيه أو كان بيشتغل إيه قبل كده.
في يوم، عمر قال بالغياب إن أبوه كان شغال في القرش الأبيض (القوات الخاصة البحرية).
أحمد بص لابنه بحزم وقال له:
— “الموضوع ده اتفصل من زمان وانتهى.”
طارق، أخو فريدة الكبير والمدير المالي للمجموعة، ما عدّاش التفصيلة دي بالساهل. كان شايف إن أحمد ده خطر على سيطرته ونفوذه على أخته وفريدة وبنتها.
فأجر مجهود مباحث ومكتب تحريات خاص عشان ينقب ورا أحمد.
وقبل الحفلة بساعات، وصله ملف كامل. طارق كان متوقع يلاقي ديون أو أحكام قضائية، بس المفاجأة إن الملف كشف إن أحمد كان رائد في القوات الخاصة البحرية (الصاعقة البحرية)، وغواص إنقاذ، وقائد وحدة مهام خطيرة.
وكان في الملف كمان تحقيقات داخلية متعلقة بـ عملية سريّة في البحر الأحمر، اتقتل فيها 3 عساكر من فرقته، واختفت شحنة س\لاح ومهربات كانت مضبوطة.
طارق ما كلّفش نفسه يقرأ باقي التقرير ولا النتيجة النهائية للتحقيق.. الصفحة الناقصة دي كانت كفاية أوي بالنسبة له.
ودلوقتي، وقدام كل الناس في الحفلة، طارق رفع الفولدر في الهواء وقال بصوت عالي:
— “الراجل ده نصاب ومش هو الشخص اللي مدعي إنه طيب! وقبل ما ابنة أختي تحط إيدها في إيده تاني، لازم الكل يعرف هو عمل إيه زمان!”
> ما كانش حد من الحاضرين يتخيل إن الاتهام ده بالذات، هو اللي هيفتح باب لكشف خيانة أقرب بكثير لـ “عائلة منصور”.. خيانة كانت مستخبية جوة البيت نفسه.
>
:
الجزء الثاني
طارق فتح الفولدر ببرود وهدوء مريب كأنه مجهز المشهد ده من زمان..
— “أحمد عبد الرحمن كان قائد عملية في القوات البحرية، مات فيها 3 عساكر من فرقته، واختفت منها شحنة س\لاح مظبوطة! وبعدها قدم استقالته واستخبى ورا ورشة صيانة مراكب صغيرة.”
عمر ابنه وشه اصفر وقال بصوت مخنوق:
— “بابا ما استخباش من حد!”
أحمد حط إيده على كتف ابنه وضغط عليها بالراحة:
— “ما تدافعش عني يا عمر.. مش مستاهلة.”
فريدة حاولت تسحب الميكروفون من إيد أخوها، بس طارق رجع لورا وقال بقسوة:
— “عيلة منصور هي اللي مولت الحفلة والمركز ده! من حقنا نعرف مين الراجل اللي بيقرب من بنتك يا فريدة!”
ردت عليه فريدة بغضب:
— “مش من حقك تستغل وجع الناس عشان تعمل شو ورخاصة قدام الناس!”
أحمد مشي ببطء لحد ما وقف في نص التراس. ما كانش باين عليه إنه غضبان.. كان شكله بجد تعبان ومطفى.
— “أنا فعلاً كنت رائد في الصاعقة البحرية.. وفعلاً كنت في العملية دي.. وفعلاً مات فيها 3 من رجالتي.”
صوت الوشوشة زاد بين الضيوف وكله بقى يبص بذهول.
كمل أحمد بصوت هادي:
— “واحد منهم كان أقرب صديق ليا.. والاتنين التانيين كانوا تحت قيادتي. بقالي سنين بفيش ليلة بتعدي عليا إلا وبصحى وبفكر.. يا ترى كان ممكن أعمل حاجة مختلفة تنقذهم؟”
طارق ابتسم ابتسامة نصر، وكان فاكر إنه خلاص قضى عليه.
وفجأة.. قامت ست شعرها أبيض من وسط الضيوف الكبار. كانت اللواء المتقاعدة سعاد صبري، رئيسة جمعية الإنقاذ البحري.
قالت بصوت صارم هز القاعة:
— “اقرأ الصفحة الأخيرة يا طارق بيك!”
طارق اترمى في حيرة. سعاد طلعت على المسرح وسحبت الملف من إيده، وقرت قدام الناس:
— “التحقيقات النهائية أثبتت إن الرائد أحمد خالف أوامر الانسحاب الفوري لأن كان في 11 صياد مصري محبوسين جوة مركب بتولع في المية. دخل مركب الموت دي 4 مرات متتالية.. وطلع منها 8 مدنيين و5 من رجاله أحياء!”
طارق اتلجلج وقال:
— “والس\لاح اللي اختفى؟!”
ردت سعاد بثقة:
— “الس\لاح عمره ما اختفى! التقرير والمحضر اتزوروا من قائد المفرزة اللي اتكشف واتحاكم عسكرياً بعد كده.. وأحمد هو اللي سلم الأدلة اللي حبسته.”
التراس كله سكت، مفيش حتى صوت نفس.
أحمد نزل عينه في الأرض وقال بكسرة:
— “بس ده ما يغيرش حقيقة إن في 3 من زمايلي ما رجعوش لأهاليهم.”
بصت له سعاد باحترام وقالت:
— “فعلاً.. بس يغير الكدبة المترتبة اللي الأستاذ كان جاي يبيعها للناس هنا.”
الضيوف بدأوا يبصوا لطارق بنظرات قرف ويهمسوا عليه. بس طارق ما استسلمش وقرب من فريدة وقال بثبات مزيف:
— “حتى لو طلع بطل.. يظل شخص غريب اتسلل لحياة طفلة مريضة وضعيفة!”
سلمى طلبت الميكروفون ببرود. ولما مسكته بصت لخالها وقالت:
— “لما كنت برمي الحاجات وأصرخ.. عمو أحمد عمره ما زعقلي. ولما كنت بخاف أنام عشان بحلم بالحادثة، هو اللي علمني إزاي أتنفس وأهدى. ولما كانت ماما بتقعد برة العيادة تعيط، كان بيسبلها كوباية شاي من غير ما يقولها ولا كلمة.”
طارق كشر وقال:
— “انتِ لسه صغيرة يا سلمى ومش فاهمة حاجة في الحياة.”
ردت عليه سلمى وهي بتبص في عينه:
— “أنا مش صغيرة لدرجة إني ما أعرفش مين اللي بيعاملني بحنية وبجد.”
التراس كله انفجر بالتسقيف!
فريدة بصت لأخوها بحزن وألم وقالت له:
— “انت ما فتشتش ورا أحمد عشان خايف على سلمى يا طارق.. انت عملت كده عشان من يوم ما عرفت المركز ده وأنا بدأت أقولك ‘لأ’ وما أسمعش كلامك.”
— “أنا بحمي شغلنا وشركتنا!”
— “انت بتحمي سلطتك ونفوذك عليا!”
طارق وطى صوته وقال بغل:
— “انتِ لغيتِ سفريات، وأجّلتِ صفقات، ووعدتِ بملايين لمركز مش هيدخلنا قرش مكسب! من يوم ما الراجل ده ظهر وانتِ متساقطة بالذنب!”
الكلمة نزلت على فريدة زي الصاعقة. أحمد لاحظ إن نفسها اتقطع.
مرموت فريدة بصوت واطي:
— “ما تتكلمش في الموضوع ده..”
طارق أصر وقال بصوت عالي:
— “لا لازم الكل يعرف انتِ ليه مجنونة بموضوع التأهيل ده! الحادثة ما كانتش بسبب الشتا والزفلت والمية يا فريدة!”
فريدة غمضت عينها. بقالها 11 شهر ساكتة ومخلية المحاضر والناس تقول “عجلة العربية اتزحلقت من المية”. حتى سلمى بنتها ما سمعتش منها الاعتراف الصريح ده قبل كده.
فريدة فتحت عينها وقالت والدموع مغرقة وشها:
— “أنا اللي عملت الحادثة..”
الكاميرات كلها قربت عليها.
سلمى قلبت وشها وبصت لأمها وهي بتهمس: “ماما..؟”
كملت فريدة:
— “جالي اتصال من طارق وأنا سايقة.. كان بيصر ولازم أوافق على تحويل مالي قبل ما البنك يقفل. بصيت في الموبايل.. هي كانت مجرد 3 ثواني بس! لما رفعت عيني، كانت العربية خلاص داخلة في الخرسانة.”
طارق اتهز وقال بسرعة:
— “انتِ مش هترمي ذنبك عليا عشان رديت على التليفون!”
— “أنا مش بلومك على غلطتي، أنا اللي كنت سايقة.. بس انت كنت عارف الحقيقة، وخبيتها عشان تستغلها ضد في الوقت اللي يعجبك!”
فريدة نزلت على ركبتها قدام سلمى وهي بتعيط بحرقة:
— “اشتريت أجهزة، وجبت أكبر دكاترة، وكنت بقولك هتطبقي وتبقي كويسة.. عشان ما كانش عندي الشجاعة أقولك إن أُمك هي اللي جابتك للكرسي ده يا سلمى.. سامحيني يا بنتي.”
سلمى كانت بتعيط في سكات، وقالت كلمة صدمت فريدة:
— “أنا كنت عارفة يا ماما..”
فريدة اتسمرت مكانها: “عارفة إزاي؟!”
— “سمعتك وانتِ بتتكلمي مع تيتة في المستشفى.. وخفت أقولك إني مسامحاكي فتفتكري إن وجعي خف أو إن رجلي ما بقتش توجعني.”
— “سامحيني يا حبيبتي..”
— “أنا لسه موجوعة يا ماما.. بس موجوعة أكتر وأنا شايفاكي بتمثلي إن مفيش حاجة حصلت.”
أحمد وطى وقعد جنبهما على الأرض وقال لفريدة بالراحة:
— “المسامحة مش بتغير اللي فات يا فريدة.. هي بس بتمتع الماضي إنه يفضل يحكم حاضرك ومستقبلك.”
فريدة حضنت بنتها سلمى لأول مرة من قلبها، وما حاولت ش تخبي دموعها.
طارق ساب الحفلة ومشي، وبمجرد ما دخل عربيته عمل مكالمة تليفون.
في نفس الليلة، مجلس إدارة الشركة طلب فريدة في اجتماع طارئ! طارق كان مقدم أوراق ومستندات بيطالب فيها بعزل فريدة من منصب رئيس مجلس الإدارة، بتهمة اختلاس واستخدام أموال الشركة في مصاريف شخصية وتحويل ملايين بدون موافقة المجلس.
الفرز والتصويت هيتم خلال 36 ساعة!
فريدة راجعت المعاملات المالية، واكتشفت تحويلات طالعة بتوقيعها الإلكتروني رايحة لحساب المركز الطبي.. تحويلات هي عمرها ما وافقت عليها! ولو الأوراق دي ثبت إنها صحيحة، مش بس هتخسر الشركة.. دي ممكن تتدخل السجن!
ما كانش في غير شخص واحد يقدر يزور التوقيع ده: طارق.
بس عشان تثبت تزويره، كان لازم تكشف حاجة أخطر بكثير: الحادثة بتاعة سلمى حصلت بعد ثواني من أمر طارق ليها بتحويل مبلغ لشركة وهمية برة المجموعة..
أحمد لما بص على اسم الشركة المستقبلة للفلوس، عينيه اتسعت من الصدمة.. اسم الشركة ده هو نفس اسم الشركة المشبوهة اللي كانت في ملف القض\ية العسكرية اللي دمرت حياته وزمايله من سنين في البحر الأحمر!
:
الجزء الثالث (النهاية)
أحمد أول ما قرا اسم الشركة على شاشة الموبايل، جسمه اقشعر. الكلمات كانت واضحة: “شركة ساند دراجون للخدمات البحرية”.
بص لفريدة وقال بصوت حاد ومختلف تماماً عن هدوءه المعتاد:
— “فريدة.. المبلغ ده أتحول لشركة مين بالظبط؟”
فريدة كانت ماسكة رأسها وبتعيط:
— “ما اعرفش يا أحمد! طارق يوم الحادثة كان بيصر ويصرخ في التليفون إن فيه صفقة معدات محتاجة تحويل فوري قبل ما البنك يقفل، وقال إنه تبع شغل الشركة عادي.. أنا من كتر توتري وضغط الشارع فتحت الأبلكيشن ووافقت، وبعدها بسواني حصلت الكارثة.”
أحمد قرب من الشاشة وبص في تاريخ التحويل وقيمته، وبعدين بص لفريدة وقال بصوت جاد:
— “الشركة دي مش شركة معدات.. الشركة دي كانت الواجهة اللي بتهرّب الس\لاح والمخدرات عبر البحر الأحمر! وفي العملية بتاعة زمايلي اللي ماتوا، المركب المشتعلة اللي أنقذت منها الصيادين كانت تابعة لنفس الشركـة دي.. وطارق أخوكي هو اللي كان بيمولهم وبيغسل أموالهم عن طريق شركاتك!”
فريدة بصت له بذهول وعينيها متوسعة من الصدمة:
— “انت بتقول إيه؟! طارق أخويا أنا؟!”
أحمد كمل بثقة:
— “طارق ما كانش خايف على فلوسك ولا خايف على سلمى.. طارق كان مرعوب إنك تسيبيه وتدوري ورا التحويلات القديمة، أو إن حد ينقب في حسابات الشركة فيكشف الشراكة المظلمة دي. ولما أنا ظهرت في حياتكم ورجع اسمي يتردد، طارق خاف إن التفتيش يوصل للقديم والجديد، فقرر يضرب عصفورين بحجر: يتخلص مني بتشويه سمعتي أمام الناس، ويطردك انتِ من الشركة ويدبسك في قضايا تزوير واختلاس عشان يلبّسك الجري\مة كلها ويسكتك للأبد!”
الليلة الأخيرة قبل اجتماع مجلس الإدارة
المعركة ما بقتش مجرد كراسي في شركة.. المعركة بقت بين الحق والباطل، بين إنقاذ فريدة وأحمد من السجن، وبين إثبات الجري\مة على طارق.
فريدة سألت بأمل ضعيف:
— “بس هنعمل إيه؟ طارق معاه ورق مزور بتوقيعي الإلكتروني.. والاجتماع فاضل عليه أقل من 24 ساعة، والمجلس هيصوت على عزلي وإبلاغ النيابة العامة!”
أحمد بص لها بثبات وقال:
— “اللي ما يعرفوش طارق، إن التحقيقات العسكرية زمان ما اتقفلتش.. التقرير السري اللي اللواء سعاد صبري اتكلمت عنه في الحفلة كان فيه نقطة طارق ما قراهاش أو طنشها: الحسابات السرية للشركة المشبوهة دي كانت تحت مراقبة الأجهزة الأمنية.”
أحمد مسك تليفونه واتصل باللواء المتقاعدة سعاد صبري. وفي خلال ساعات قليلة، كانت سعاد اتواصلت مع الجهات المختصة وفحصت حركة التحويلات المالية السابقة اللي أجراها طارق باستغلال التوقيع الإلكتروني لفريدة.
التحريات كشفت المفاجأة: طارق كان بيحول الملايين لحسابات الشركة المشبوهة برة مصر، وكان بيستخدم سيرفر خاص جوة مكتبه الشخصي في مقر الشركة عشان يزوّر موافقات فريدة وينسخ بصمتها الإلكترونية من غير ما تحس.
مواجهة قاعة الاجتماعات
في صباح اليوم التالي، اجتمع مجلس إدارة “مجموعة منصور للبرمجيات واللوجستيات” في المقر الرئيسي بالترجمان.
طارق كان قاعد على رأس الطاولة، لابس بدلة فاخرة، وابتسامة النصر على وشه.
بدأ طارق الكلام بنبرة حزينة ومزيفة:
— “يا أعضاء المجلس الكرام.. للأسف الشديد، أختي فريدة مرّت بظروف نفسية صعبة بعد حادثة بنتها سلمى، وده خلاها تستغل موارد الشركة وتحول ملايين لجهات غير معروفة وبدون إذن المجلس.. عشان كده، وللحفاظ على أموال المساهمين، بطلب تصويتكم الفوري على عزلها وتحويل الملف للنيابة.”
أعضاء المجلس بدأت أيديهم تترفع للموافقة..
وفجأة! الباب اتفتح بقوة.
دخلت فريدة بثبات تام، ولابسة بدلة رسمية أنيقة، وجنبها أحمد بقميصه الهادي ونظراته الثابتة، ووراهما دخلت اللواء سعاد صبري ومعاها ضابطين من مباحث الأموال العامة والرقابة الإدارية.
طارق وقف متوتر ووشه اتخطف:
— “إيه التهريج ده؟! ده اجتماع مغلق لمجلس الإدارة! فريدة، انتِ مطرودة ومكانك مش هنا!”
فريدة مشيت ببطء وقفت قدام طارق، وحطت فلاشة ولفافة أوراق ثقيلة على الطاولة قدام أعضاء المجلس.
قالت فريدة بصوت قوي هز القاعة:
— “التقرير اللي قدامكم ده مش تقرير اختلاس.. ده تقرير تزوير وغسيل أموال برعاية طارق منصور!”
طارق اتلجلج وصصرخ:
— “كذب! دي أوهام بتألفيها عشان تهربي من المساءلة!”
الضابط قرب من طارق وطلع أمر ضبط وإحضار رسمي من النيابة العامة وقال:
— “أستاذ طارق منصور.. صدر أمر بنسخ وتحريز السيرفر الشخصي بمكتبك، وبفحص البصمة الرقمية للتحويلات، ثبت إنك أنشأت برنامج محاكاة لتزوير التوقيع الإلكتروني للأستاذة فريدة. وتم تتبع التحويلات لحسابات شركة ‘ساند دراجون’ المتورطة في قضايا تهريب وغسيل أموال دولية.”
القاعة اتكهربت! أعضاء المجلس بدأوا يصرخوا ويندبوا حظهم، وطارق رجع لورا ووشه بقى أصفر زي الورق، ورجليه ما بقتش شايلاه.
بص أحمد لطارق وقال له بكلمات هادية بس تقيلة:
— “انت كنت فاكر إنك لما تفتح ملفاتي القديمة هتدمرني.. بس نسيت إن الحق لما بيظهر، بيكشف كل الخونة.. سواء كانوا في البحر أو جوة بيتك.”
الشرطة كلبشت إيد طارق، وأثناء ما كان بيمشي ومسحوب للخارج، بص لأخته فريدة وقال بصوت مخنوق:
— “فريدة.. اسمعيني.. أنا عملت ده عشان نكبر الشغل..”
فريدة بصت له بعيون فيها كبرياء وتخلصت من كل مشاعر الذنب اللي كانت خنقاهة لسنين وقالت له:
— “انت عملت كده عشان جشعك وسلطتك.. انت مش بس دمرت نفسك، انت كنت هتضيعني وهتضيع بنتي معايا. القانون هو اللي هيرد عليك.”
بعد مرور 6 أشهر
شمس العصر كانت طالعة ودافية على كورنيش النيل في القناطر الخيرية.
المركز الطبي التأهيلي الجديد في السيدة زينب اتوسع وبقى بيستقبل مئات الأطفال بالمجان، بتمويل رسمي وشفاف من مؤسسة خيرية أنشأتها فريدة باسم بنتها “سلمى”.
على شاطئ النيل، كان عمر ابن أحمد قاعد بيقرا كتاب جديد من كتبه.
وجنبه.. كانت سلمى واقفة على رجليها ببتسامة عريضة، ماسكة كورة بلاستيك وبترميهاله في الهواء، من غير أي عكاز ولا كرسي متحرك!
فريدة كانت واقفة جنب أحمد على الممشى الخشبي، بتتفرج على ولادهم وبيشربوا شاي غزل البنات.
فريدة بصت لأحمد وقالت بامتنان عميق:
— “تعرف يا أحمد.. أنا طول عمري كنت فاكرة إن الفلوس والسلطة هما اللي بيحموا العيلة.. بس اكتشفت إن الصدق والحنية هما بس اللي بيبنوا البني آدم من جديد.”
أحمد ابتسم وبص لسلمى وهي بتجري ببطء وبتضحك من قلبها وقال:
— “سلمى ما كانتش محتاجة معجزة عشان تمشي يا فريدة.. كانت محتاجة بس تصدق إن السقوط مش نهاية العالم، وإن المهم هو إننا نقوم تاني ونكمل طريقنا.”
سلمى لفت وبصت لأمها ولأحمد وقالت بصوت عالي وهي بتضحك:
— “ماما! عمو أحمد! تعالوا العبوا معانا بدال ما انتوا واقفين تتكلموا كده!”
ضحكت فريدة ودعت ربنا في سرها على النعمة والسلام اللي دخل بيتها، وأخدت خطوة بثقة ناحية بنتها.. خطوة جديدة في حياة مفيهاش خوف ولا ذنب، مليانة أمل وحب حقيقي.
تمت القصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *