الناني حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
“بنتي همستلي إنها خايفة من الناني.. وبعدها على طول جارنا الحاج إبراهيم خبط على الباب!”
​أول مرة فريدة بنتي تقولي إنها خايفة، قالتها بصوت واطي أوي لدرجة إنها يا دوب أخدت بالي. لما برجع بظهري للوقت، بحس إنها كانت خايفة حد تاني يسمعها.
​فريدة كانت بتعشق الناني بتاعتها “مريم”. كل يوم من الأحد للخميس قبل ما أنزل شغلي، كانت تقف عند الشباك تستنى عربية مريم السويفت الزرقا. أول ما توصل، فريدة وشها ينور وتصرخ من الفرحة: “مريم جت!” وتجري على الشنطة وتفتح الباب قبل ما أنا أوصل له.
​رؤيتهم مع بعض كانت بتطمني أوي. مريم كانت بتمسك فريدة من وهي عندها 4 سنين، معاها شهادات ممتازة، وبتتطوع في جمعية خيرية، وصبورة جداً مع الأطفال. حتى جيراننا كانوا بيلاحظوا طيبتها، الحاج إبراهيم جارنا الراجل الطيب اللي عدى الـ 78 سنة، قال لي مرة: “يا بنتي إنتي ربنا رزقك بناني ممتازة.” قلت له: “يا رب يطلع كلامك صح يا حاج.” كأم أختارت تعيش لوحدها وتربي بنتها، كنت محتاجة أصدق دا.
​حياتنا كانت هادية ومشيت على نظام مريح. أنا شغالة مديرة مكتب في شركة محاسبة صغيرة في المعادي على بعد 15 دقيقة من البيت. مريم بتيجي كل يوم الساعة 3 العصر تاخد فريدة من الحضانه، تجيبها البيت، تأكلها، وتقعد معاها لحد ما أرجع على الساعة 6.
​كل يوم بالليل، فريدة كانت بتملى المطبخ حكايات:
— “طبعنا الفراشات النهاردة يا ماما!”
— “عملنا كيكة بالبسكويت!”
— “لعبنا إننا أميرات!”
ومريم كانت دايماً بتضيف حاجة تضحك. مرة قالت لي إن فريدة مصرة إن السناجب اللي في الجنينة بيعملوا اجتماعات سرية لما محدش بيبص عليهم، وفريدة كانت بتهز رأسها بجدية شديدة: “أيوه بيعملوا كده فعلاً!”
​الحياة كانت طبيعية ومريحة، ولمدة سنة كاملة ما ظهرتش أي حاجة تقلق.. لحد ما جه يوم الثلاثاء، وكل حاجة اتغيرت.
​لاحظت دا أول ما دخلت من الباب. عادةً فريدة بتتحدف في حضني، بس بعد الظهر دا، كانت قاعدة على الكنبة حاضنة دبدوبها الأرنب وساكتة. مريم ابتسمت كالعادة وقالت: “يومنا كان هادي النهاردة.” فريدة حتى مبصتليش، فافترضت إنها تعبانة.
​بعد ما مريم مشيت، سألتها لو عايزة مكرونة بالبشاميل – وهي وجبتها المفضلة اللي دايماً بتخليها تنط من الفرحة – بس اكتفت بإنها هزت كتفها وقالت بصوت واطي: “أي حاجة يا ماما.”
​قلبي حاسس إن في حاجة غلط.
​بالليل وأنا بنيمها وبغطيها وببوس رأسها، فجأة مسكت إيدي بجامد.. ماسكة وجعتني بجد.
— “ماما..” (صوتها كان يا دوب طالع)
— “أنا مش عايزة مريم تيجي هنا تاني.”
​استغربت ووشي اتغير:
— “ليه يا فريدة؟ حصل إيه يا حبيبتي؟”
فريدة بَصّت لناحية باب الأوضة وهي مرعوبة، وهمست:
— “أنا خايفة.”
​قلبي هبط في رجلي!
— “هي ضربتكي؟ عملتلك حاجة؟”
فريدة هزت رأسها بـ “لأ” بسرعة لدرجة إن شعرها غطى وشها.
— “ماله إيه اللي حصل؟”
دفنت وشها في دراعي وقالت: “مش قادرة أقول.”
— “ليه بس؟”
مسكت فيا أكتـر: “مش قادرة وخلاص.”
​قعدت جنبها يجي ساعة بحاول أخليها تتكلم، بس رفضت تنطق بكلمة زيادة.
​تاني يوم الصبح اتصلت بالشغل وقلت إن أتصرف وأتأخر. أول ما مريم وصلت، طلعت لها برة الباب قبل ما ترن الجرس.
— “مريم، إحنا مش هنحتاج خدماتك تاني خلاص.”
برقت بذهول: “إيه؟”
— “أنا متأسفة، بس فعلاً مش هنحتاج مساعدة تاني.”
​فضلت تبصلي كام ثانية، وبعدين ملامح وشها اتغيرت.. مش حزن، حاجة شبه الضيق والغضب.
قالت بكبرياء: “أكيد فريدة فهمت حاجة غلط يا مدام!”
مسكت مقبض الباب وقبل ما أقفله قلت: “أنا أخدت قراري خلاص.”
— “طب ممكن أكلمها حتى؟”
— “لأ.”
فكها اتشنج وقالت: “أنا شايفه إنك بتعملي غلطة كبيرة.”
— “مع السلامة يا مريم.”
قفلت الباب بهدوء.
​لما لفيت، لقيت فريدة واقفة في نص الطرقة مرعوبة.
— “خلاص يا حبيبتي، هي مش جاية تاني.”
هزت رأسها بس مابتسمتش. راحت على الصالة وطلعت على الكنبة، وطول اليوم تقريباً كانت بتبص من شباك الصالة لبرة، كل كام دقيقة تطل من ورا الستارة وترجع تقعد تاني.
​— “بتبصي على إيه يا فريدة؟”
هزت كتفها: “ولا حاجة.”
​الإجابة دي قلقتني أكتر من أي حاجة ثانية.. الأطفال نادراً ما بيقولوا “ولا حاجة” إلا لو كان في حاجة كبيرة غلط. كلمت مديري في الشغل واستأذنت أشتغل من البيت باقي الأسبوع، وقال لي: “خد بالك من بنتك.”
​بعد الظهر، فتحت الموضوع مع فريدة بهدوء تاني:
— “إنتي عارفة إنك تقدر تقوليلي أي حاجة، صح؟”
هزت رأسها: “عارفة.”
— “مريم زعقتلك؟”
— “لأ.”
— “خليتك تعملي حاجة مش حباها؟”
فريدة بَصّت للشارع تاني وقالت: “مش عايزة أتكلم عنها يا ماما.”
​فوقفت ضغط عليها.. ساعات الضغط على الأطفال بيخليهم يقفلوا أكتر. قضينا الوقت نخبز بسكويت ونلون ونشوف فيلم من اللي بتحبهم. ضحكت شوية، بس كل كام دقيقة كانت تبص للشارع كأنها مستنية حد يظهر!
​على المغربية كده وقبل ما الشمس تغرب، جرس الباب رن. فريدة اتنفضت من مكانها لدرجة إن العصير ادلق منها!
— “إهدي يا حبيبتي، مفيش حاجة.” (مع إن قلبي أنا كمان كان بيدق بسرعة)
​فتحت الباب، كان جارنا الحاج إبراهيم واقف.. ووشه أصفر ومخضوض على غير العادة!
— “خير يا حاج إبراهيم؟ إنت كويس؟”
هز رأسه بالبطيء ورفع إيده: “أظن الكوتشي دا بتاع فريدة الصغير يا مدام..”
​كان ماسك كوتشي بينك صغير.. الكوتشي المفضل لفريدة!
​استغربت وقلت له:
— “جَبته منين يا حاج؟”
شاور بإيده على البيت القديم المهجور اللي في آخر الشارع بتاعنا.
— “لقيته مرمي على السلم الخلفي للبيت داك.”
​جسمي قشعر.. البيت دا مقفول ومجهور بقاله سنين، وشبابيكه متخشبة والأهالي بيحذروا عيالهم يروحوا ناحيته!
— “مستحيل يا حاج! فريدة عمرها ما خطت ناحية البيت دا أصلًا!”
​الحاج إبراهيم اتأخر لحظة، وبعدين قرب مني وهمس:
— “أنا ماكنتش عارف أجيبهولك ولا لأ.. بس أنا كمان شفت مريم.. الشغالة اللي كانت عندكم.. طالعة من البيت دا من أقل من ثلث ساعة وشايلة كرتونتين، ولما لقتني باصلها جريت على عربيتها ومشيت!”
​بطني كركبت!
بصيت للكوتشي.. هو بتاع فريدة فعلاً، باستيكر القوس قزح اللي هي أصرت تحطه عند الكعب!
​من غير ما أتردد، جريت لداخل وفتحت شنطة الحضارة بتاعتها وإيدي بتترعش.
فتحت الشنطة.. الكوتشي البديل اللي ببعته معاها دايماً كان جوة الشنطة، نضيف وملموسش!
​دا معناه.. إن الكوتشي اللي مع الحاج إبراهيم مش ضايع النهاردة! دا ضايع من أيام!
فريدة كانت لابسة الكوتشي البديل وهي راجعة.. فريدة اتأخدت هناك قبل كده!
​فكرة مرعبة سكنت دماغي.. كم مرة؟ كام بعد ظهر مريم أخدت بنتي في مكان من غير ما تقولي؟!
​مسكت التليفون وطلبت النجدة (123) فوراً:
— “الحقوني! الدادة بتاعة بنتي تورطاها في حاجة غريبة! ابعتوا عربية شرطة فوراً للبيت المهجور اللي في آخر الشارع في المعادي!”
الموظف بدأ يسأل: “إيه اللي حصل بالظبط يا فندم؟ هل البنت في خطر دلوقتي؟”
​بصيت لفريدة.. كانت كشّة في زاوية الكنبة وحاضنة الأرنب بتاعها بجامد لدرجة إن ودان الأرنب اتنت!
وبصيت من الشباك ناحية البيت المهجور.. عربية نص نقل بيضاء نقلت قدام البيت، ونزل منها عمال بلبس أصفر ومعاهم حَفّار صغير!
​الحاج إبراهيم قال: “أنا سمعت إنهم يبدأوا يهدوا البيت النهاردة بالليل..”
​الموظف كان لسه بيتكلم: “يا فندم؟”
قاطعته بصوت طالع بالعافية: “مفيش وقت لأسئلة! لو ظني صح.. إحنا قدامنا أقل من عشر دقائق والبيت دا يتهد وكل حاجة تضيع!”
​مسكت مفاتيحي، والحاج إبراهيم أخد جاكيته وقال: “أنا جاي معاكي، مش هسيبك تروحي لوحدك.”
أخدت فريدة في أيدي وركبنا العربية، ووصلنا للبيت في أقل من دقيقة.
​في نفس اللحظة، وصلت عربيتين شرطة بصفاراتهم.
طلعت جري ناحية البيت، بس ظابط وقفني: “يا مدام ارجعي ورا لو سمحتي!”
— “بنتي اتأخدت جوة البيت دا!”
​قبل ما الظابط يرد، فريدة شدت كم بلوزتي وهمست بصوت خايف:
— “المكان من ورا يا ماما..”
​قلبي دق بسرعة: “إنتي عارفة الطريق يا فريدة؟”
هزت رأسها، فالظباط بصلوا لبعض ومشيوا وراها ناحية ورا البيت. الجنينة اللي ورا كانت مليانة هوش، والسلم الخلفي مكسر.. بس الباب الخلفي كان مفتوح على بحري!
​دخل ظابط يستكشف المكان، وبعد لحظات نادانا: “تعالوا شوفوا دا!”
​دخلنا الصالة القديمة.. التراب كان مغطي كل حاجة، إلا زاوية واحدة كانت متنظفة جداً!
كان في سجادة أطفال ملونة على الأرض، ورصّة كتب أطفال، وطاولة صغيرة عليها ألوان وكراسات تلوين وعصير وعلب بسكويت مقفولة!
​فريدة استخبت ورا رجلي وهمست: “أنا كنت بقعد هنا..”
​ركب ظابط جنبها وسألها بهدوء: “حد جابك هنا يا شاطرة؟”
فريدة هزت رأسها: “مريم.”
​البيت كله سكت!
​ظابط تاني دخل من الاوضة اللي جنبها: “تعالوا شوفوا هنا كمان!”
كان في كراتين مليانة صور عيلتها القديمة، أطباق، لوحات متبرقعة، ومقتنيات قديمة.. مفيش حاجة غير قانونية أو خطيرة، مجرد كراكيب وحاجات قديمة بتاعة عيلة.
​وأنا واقفة مش فاهمة حاجة، عربية شرطة ثالثة وصلت ونزلت منها مريم ومعاها عسكري.
مريم كان شكلها منهك ومش مرعوبة.. أول ما شافت فريدة، كتافها نزلت وقالت: “أنا عمر ما كان قصدي أؤذيها..”
​الظابط بصلها حاد: “إنتي نقلتي طفلة هنا من غير علم أو إذن أمها!”
مريم نزلت رأسها: “عارفة.. البيت دا كان بتاع ستي، وهي اتوفت السنة اللي فاتت، والحي أخد قرار إزالة وهيهدوه النهاردة.. جيت ألم باقي حاجات ستي وما لحقتش ألم كل حاجة لوحدي.”
​بصيت لها بغضب: “فقومتي أخدتي بنتي معاكي؟!”
— “كانت بتبقى كام دقيقة بس بعد الحضانه.. وكنت خايفة أقولك لترفضي.”
— “طبعاً كنت هرفض! إنتي كدبتي عليا!”
مريم بصت لفريدة: “افتكرت إنها هتتبسط لما تساعدني..”
​الظابط قاطعها: “وطلبتي من طفلة عندها 5 سنين تخبي على أمها؟”
مريم غمضت عينيها: “قلت لها دا سرنا الصغير..”
​فريدة حضنتني بجامد وهمست: “أنا مابحبش الأسرار يا ماما..”
مسكتها في حضني: “وعمرك ما هتخبي عليا حاجة يا حبيبتي.”
​مريم بدأت تعيط: “والله العظيم ما آذيتها!”
أنا صدقتها في دي.. مفيش دليل إن مريم آذت فريدة جسدياً، بس الخيانة والكدب كانوا صدمة كبيرة.
​ظابط خرج من جوة وهو ماسك الكوتشي البينك الثاني المفقود، وحطه جنب الكوتشي اللي جابه الحاج إبراهيم: “أهو، جوز الكوتشي اكتمل.”
مريم قالت بصوت ضعيف: “وقعت منها الأسبوع اللي فات وهي بتساعدني أشيل كرتونة..”
​ظابط تاني فتح كرتونة ولقى رسمة لفتت انتباهي.. رسمة رسمتها فريدة لمريم ولنفسها واقفين قدام البيت المهجور، ومكتوب فوق بخط أطفال متلخبط: “سرنا”.
​قلبي اتوجع.. فريدة ماكانتش بتحاول تخبي عليا، فريدة كانت محتارة وخايفة من مفهوم “السر” اللي اتفرض عليها!
​الظابط سأل فريدة تاني بهدوء: “إنتي كنتِ خايفة من البيت يا فريدة؟”
فريدة هزت رأسها بـ “لأ”.
— “كنتِ خايفة من مريم؟”
فريدة اترددت، وبعدين همست: “أنا كنت خايفة عشان هي قالت لي متقوليش لماما..”
​المكان كله سكت، ومريم عيطت أكتـر.
الظابط اتكلم في اللاسلكي ورجع قال: “مريم، بسبب إنك نقلتي طفلة بدون إذن ولي أمرها وأجبرتيها على كتمان سر، إنتي متهمة وهتيجي معانا للتحقيق.”
​وهي ماشية للبوكس، بصتلي وقالت: “أنا آسفة.”
قلت لها: “إنتي علمتِ بنتي إزاي تكدب.”
وطت رأسها: “عارفة.”
​الق\ضية اتعرفت في الشارع وفي المنطقة، المركز اللي كانت بتتطوع فيه مريم وقف نشاطها، والشركة اللي رشحتها شالت اسمها. محدش اتهمها بأذى جسدي، بس الكل اتفق على حاجة واحدة: البالغ اللي بيعلم أطفال يحتفظوا بأسرار عن أهاليهم، ملوش أمان وما ينفعش يربي أطفال.
​بعدها بأسابيع، فريدة بدأت تروح لأخصائية أطفال، واتعلمت إن الكبار الآمنين عمرهم ما بيطلبوا من الأطفال يكتموا سر عن أهاليهم.
​في يوم، فريدة قعدت في حضني وقالت:
— “ماما؟”
— “نعم يا روح ماما؟”
— “لو حد قال لي دا سر..”
بصتلي وعينيها بتلمع:
— “أجي أقولك إنتي؟”
​بست رأسها بحب: “كل مرة يا فريدة.. كل مرة.”
ابتسمت وقالت: “ماشي.”
​بعدها بأسبوع، الحاج إبراهيم خبط على الباب تاني.. المرة دي ماكنش معاه كوتشي بينك، كان ماسك قصرية زرع صغيرة فيها شتلة طماطم وقالي ابتسامة دافية: “قلت يمكن فريدة تحب تساعدني نزرع دي في البلكونة.”
​فريدة ضحكت وقالت: “ينفع يا ماما؟”
ضحكت وقلت: “فكرة ممتازة يا حاج!”
​شخص واحد علم بنتي الخوف والأسرار، وشخص تاني زي الحاج إبراهيم علمها إن الجار الطيب بيحمي الأطفال وبيخاف عليهم.
​بس السؤال الحقيقي هنا: لما طفل يجمع شجاعته ويقولك إنه خايف.. هل بتهمل خوفه عشان مفيش دليل ملموس؟ ولا بتصدق إحساسه وتحميه قبل فوات الأوان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *