يوم عيد ميلاد ابني حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
أمي قالتلي مش مسموح تحتفلي بـ عيد ميلاد ابنك الـ 10 عشان عيال أخوكي “ما يحسوش إنهم أقل”.. فـ قلتلها “حاضر”، وقفلّت السكة، وبصيت لـ ابني وهو بيعيط على ترابيزة المطبخ.. وفي الليلة دي خدت القرار اللي هيهد العيلة كلها فوق دماغه بعد سنة واحدة.
​أمي اتصلت بيا في يوم تلات كئيب والمطر بيخبط على الشباك، وعرفتني إن ابني ملوش عيد ميلاد السنة دي.
​مش بتستأذن.
​ولا بتتقرب.
​دي بتأمر.
​كنت قاعدة على ترابيزة المطبخ مع “سيف”، أساعده في مسألة قسمة مطولة. كان ماسك القلم الرصاص بـ إيد، ورقة الطلبات بتاعة عيد ميلاده بالـ إيد التانية.
​بيتزا بيبيروني.
​كورة قدم.
​بلالين.
​صحابه.
​ده كل اللي كان طالبه لـ عيد ميلاده العاشر.
​لا عايز مكان غالي ولا نادى فخم، ولا جيمز بـ أرقام خيالية. مجرد تورته وشوية عيال صحابه من المدرسة، ومساحة صغيرة في الجنينة اللي ورا بيتنا اللي بـ الإيجار يجروا فيها من غير ما حد يقولهم “وطوا صوتكم”.
​تليفوني زن.. “أمي”.
​رديت بالنبرة الهادية المتفائلة اللي اتعودت أرد بيها عشان أتقي الشر: “أيوه يا أمي.. أهلاً.”
​قالتلي بصوتها الهادي والواثق، الصوت اللي بتستخدمه لما تكون خدت قرار لـ غيرها خلاص: “سارة.. مافيش أعياد ميلاد لـ سيف السنة دي.”
​برشت بـ عيني: “نعم؟ يعني إيه؟”
​قالت: “ده قرار العيلة.”
​قرار العيلة.. الجملة السحرية اللي بتغلف بيها سيطرتها عشان تبان كلام عقلاني.
​كملت وقالت: “أخوكي أحمد ومراته ياسمين اضطروا يأجلوا سفرية الساحل والشاليه بتاع العيال عشان الظروف. ليلى ونور زعلانين ومكسور خاطرهم.. إنك تعملي حتة حفلة لـ سيف دلوقتي في ظروف زي دي، ده عدم إحساس منك.”
​بصيت لـ سيف.. كان وقف كتابة.
​القلم معلق في الهواء. عامل نفسه مش باصص، بس ملامح وشه اتغيرت.. كان سامع كل كلمة.
​قلت بـ هدوء بحاول أجمعه: “يا أمي.. ده كمل عشر سنين.”
​ردت: “وهيكمل حداشر وتناشر.. أخوكي بيمر بـ ظروف صعبة، فكري في غيرك شوية بدل الأنانية دي.”
​أنانية!
​الجملة كانت تضحك.. تضحك بـ قسوة.
​لأني قضيت أربع وتلاتين سنة من عمري بفكر في غيري.. في راحتهم، في برستيجهم، على حساب كرامتي ونفسيتي.
​افتكرت أخويا “أحمد”.. الابن البار المفضل اللي عايش في كمبوند في التجمع، بيلبس ساعات بـ أرقام، وبرضه لازم كلنا نخلي بالنا من مشاعره ومشاعر عياله.
​افتكرت عياله، ليلى ونور، اللي أعياد ميلادهم بتبقى في قاعات مفتوحة بـ “نطاطيات” و”شو عرائس” وبوفيه مفتوح شبه أعياد الميلاد اللي بنشوفها في التليفزيون.
​وبصيت لـ ورقة سيف الصغيرة.. كان حاطط خطين تحت كلمة “صحابي”.
​أمي كملت: “العيلة مش ناقصة مشاكل، بلاش تنكدي علينا. اعمليلو حتة تورتة صغيرة في البيت.. بـ الهدوء كده.”
​بـ الهدوء.. الكلمة اللي بتركب حياتي من وأنا صغيرة.
​اسكتي عشان أحمد بيذاكر.
​اسكتي عشان أباكي تعبان.
​اسكتي عشان نجاحك ما يجرحش مشاعر حد.
​اسكتي لما سيف ياخد أقل من عيال أخوكي.
​اسكتي وخبي وجعك.
​قلت الجملة اللي اتعودت أقولها: “حاضر يا أمي.”
​أول ما قفلت، سيف بصلي.. عينيه كانت مليانة دموع، وكان بيحاول يمسك نفسه بـ طريقة توجع القلب.
​”هي تيتة مش بتحبني، صح؟”
​الجملة دي عملت فيا حاجة.. مش بـ صوت عالي ولا بـ دراما، حاجة جوايا اتقطعت وتغيرت تماماً.
​سحبته في حضني وهو بيعيط بالراحة في قميصي، ولأول مرة واجهت الحقيقة: حب أمي له دفتر حسابات.. أحمد دايماً مكسب، وأنا دايماً خسارة.. وسيف ورث مكاني في الدفتر ده.
​عيال أخويا هما فخر العيلة.. هما اللي أمي بتنزل صورهم على الفيس، وبتتباهى بيهم، وتشتريلهم، وبتعملهم ألف حساب. وسيف هو التذكرة اللي بتفكرها بـ كوني “الفاشلة”.
​الأم المطلقة.. اللي كملت بالعافية تعليمها، وبتشتغل من شقة إيجار في شبرا، بتعمل حسابات لـ محلات صغيرة عشان تكفي مصاريف الشهر وعربيتها القديمة.
​أحمد بيديها حكايات تتباهى بيها في النادي.. وأنا بديها “وجع دماغ”.
​بالحرف قالتها لي زمان: “أحمد بيفرحني.. إنما أنتِ بتشيليلي الهم.”
​وساعتها بلعتها.. زي ما بلعت كل حاجة.
​بلعت لما جيبت لـ سيف مكعبات في الكريسماس وقالتلي بلاش عشان عيال أحمد ما يغيروش.
​ولما سيف كسب ميدالية في السباحة وقالتلي بلاش تنشري الصور عشان أخوكي مضغوط في شغله.
​كل فرحة صغيرة لينا كانت تعتبر تهديد ليهم.. كل ضحكة لـ سيف كان لازم تتقيد.
​ليلتها، بعد ما نيمته، قعدت في الصالة ماسكة ورقته..

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *