الام المطلقة حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
“أم مطلقة كانت نايمة في الكرسي 8A—لحد ما الكابتن نده في الميكروفون: “هل فيه أي طيار مقاتل على الطيارة؟”
الجزء الأول
الطيارة الركاب كانت طايرة فوق المحيط الأطلنطي بقالها ساعتين تقريباً، لما إعلان كابتن الطيارة فجأة سَكّت حوالي 300 بني آدم كانوا على متنها.
”لو فيه أي طيار مقاتل معانا على الطيارة، ياريت يبلّغ أطقم الضيافة فوراً.”
ما حدش كان متوقع إن الست التعبانة والهانم اللي واخدة جنب ونايمة في الكرسي 8A هتبقى هي الشخص اللي كل الناس محتاجينه وبيدوروا عليه بأقصى سرعة.
رحلة الليل اللي طالعة من القضايا متجهة لمدريد كانت بدأت عادي جداً. الإضاءة في الصالة كانت هديت، والركاب بدأوا يظبطوا أمورهم للرحلة الطويلة، وصوت المواتير المستمر كان مالي الطيارة.
فيه مسافرين كانوا نايمين تحت البطانيات الخفيفة. وتانيين قاعدين يتفرجوا على أفلام من غير صوت بالهاند فري. وقليلين كانوا باصين من الشباك على الضلمة اللي مالهاش آخر برة.
في الكرسي 8A كانت قاعدة ندى، 38 سنة، لابسة بلوفر زيتي عادي، وحاطة بطانية على رجلها ومعاها كتاب مقفول في إيدها.
لأي حد يبصلها، ندى كانت تبان ست عادية جداً ومش ملفتة.
كانت طلبت مية بالذوق من المضيفة، ورفضت تاخد العشا، وقضت معظم الوقت بتحاول تنام وتريح عينها.
ما كانش فيه أي حاجة في شكلها توحي إنها في يوم من الأيام كانت واحدة من أكفأ وأشهر الطيارين المقاتلين في القوات الجوية.
من سنين، ندى كانت بتطير بالطيارات المقاتلة في مهمات صعبة جداً، كل قرار فيها كان لازم يتاخد في أجزاء من الثانية. اتدربت على إنها تفضل هادية حتى والإنذارات بتصرخ، والأنظمة بتعطل، وأرواح الناس متوقفة على قرار منها.
بس بعد حادثة ومأساة غيرت حياتها كلها، ندى سابت الطيران العسكري وقررت تبعد تماماً.
ما بقاش عندها شغف ولا طاقة للمسؤولية دي تاني.
ما كانتش عايزة حد يناديها بـ “يا سيادة المقدم”.
ما كانتش عايزة أوسمة، ولا إعجاب، ولا حد يعاملها على إنها بطلة.
أكتر حاجة كانت محتاجاها هي حياة هادية وعادية جداً.
وده كان جزء من السبب اللي خليها تختار الكرسي 8A بالذات.
كرسي جنب الشباك.
كلام قليل ومفيش رغايين جنبها.
رحلة بالليل تقدر تضيع فيها وسط مئات الغرباء من غير ما حد ياخد باله منها.
وفجأة الكابتن اتكلم تاني.
”سيداتي سادتي، معاكم الكابتن. إحنا بنواجه ظرف فني وموقف محتاج مساعدة فورية. لو فيه أي حد معانا على الطيارة عنده خبرة في طيران الطائرات المقاتلة العسكرية، ياريت يبلغ حد من طقم الضيافة فوراً.”
المرة دي، التوتر والقلق في الطيارة كلها كان مستحيل حد يتجاهله.
واحدة ست حضنت ابنها الصغير أكتر لصدرها.
وراجل كبير في السن مد إيده عبر الممر ومسك إيد مراته بجامد.
الناس بدأت تبص لبعض بنظرات كلها خوف وهلع.
ليه طقم طيارة مدنية حديثة محتاج فجأة طيار مقاتل؟
وإيه اللي بيحصل بالضبط ورا باب كابينة القيادة المقفول؟
ندى فتحت عينها بالراحة.
هي ميزت حاجة في صوت الكابتن معظم الركاب غالباً ما خدوش بالهم منها.
لهفة وقلق متسيطر عليهم بالعافية.
سمعت النبرة دي كتير جداً خلال خدمتها في الجيش.
دي النبرة اللي الطيارين بيتكلموا بيها لما يكون فيه حاجة غلط بجد، بس البانيك والخوف هيخربوا الدنيا أكتر.
مضيفة طيران كانت بتتحرك بسرعة في الممر، وبتدقق في وشوش الركاب صف صف. ورغم الوش المهني والهادي اللي محاول تبان بيه، ندى كانت شايفه الخوف اللي بتداريه بالعافية.
أيّاً كان اللي بيحصل، فهو أوحش وأصعب بكثير من اللي الإعلان قاله.
ندى نكست عينها وبصت تحت.
لأ.
الجزء ده من حياتها خلاص اتقفل وانتهى.
هي كانت واعدة نفسها إنها عمرها ما هتحط نفسها تاني في موقِف تبقى هي الشخص اللي الكل مستني منه الإنقاذ لما المصيبة تقع.
فجأة المضيفة وقفت جنب الصف الثامن.
”عفواً يا فندم,” قالت بصوت واطي وموتر. “تعرفي لو فيه أي حد قاعد قُريب منك عنده خبرة طيران عسكري؟ الكابتن محتاج ضروري حد يكون طار على طيارات مقاتلة.”
ندى بَصت حواليها.
قصادها في الناحية التانية كان فيه عيلة مسافرة مع طفلين صغيرين.
وقدام بكام صف، كان قاعد زوجين كبار في السن ماسكين إيد بعض.
في كل مكان كانت بتبص فيه، كانت بتشوف ناس عاديين محبوسين على ارتفاع آلاف الأقدام فوق المحيط، ومصيرهم كله متوقف على اللي قاعد جوة كابينة القيادة.
للحظة، ندى افتكرت الوعد اللي قطعته على نفسها بعد ما سابت الخدمة في القوات الجوية.
أبداً تاني.. مش هكررها.
عمرها ما تحط نفسها في موقف تبقى حياة بني آدم تاني متوقفة عليها.
بس فيه ذكرة تانية جَت في بالها فوراً.
حاجة كان قائدها ومدربها قالها لها من سنين طويلة.
الطيار عمره ما بيسيب الناس ويرمي حموله.
ندى أخدت نفس طويل وبالراحة.
”أنا طيارة.”
المضيفة ضيقت عينها واستغربت:
“أفندم؟”
ندى شالت البطانية من عليها وفكت حزام الأمان.
وبعدين اعتدلت في قعدتها.
فيه حاجة في هيئتها اتغيرت في ثانية.
المسافرة التعبانة المجهدة اختفت، وحل محلها الثبات والهيبة بتاعة شخص قعد سنين يقود طيارات على سرعات مهولة.
”أنا كنت طيارة مقاتلة سابقة في القوات الجوية,” ندى قالت بصرامة. “طرت على مقاتلات لسنين.”
الراكب اللي كان قاعد جنبها لَف وشّه بصدمة:
“أنتِ؟!”
الهمس والوش بدأ ينتشر في الصفوف اللي حواليها في ثانية.
ندى طنشتهم تماماً.
المضيفة بصت لها للحظة، بين عدم التصديق والارتياح الشديد.
بعدين قالت: “اتفضلي معايا فوراً.. دلوقتي.”
ندى قامت وقفت.
في جو الطيارة اللي بقى ساكت ومكتوم بطريقة غريبة، صوت تك الحزام وهو بيتفك كان طالع زي الفرقعة.
عشرات الركاب كانوا بيبصوا عليها وهي ماشية ورا المضيفة ناحية كابينة الطيارة في الأول.
مع كل خطوة، ندى كانت حاسة إنها ماشية بظهرها للزمن، راجعة لحياة قضت سنين بتحاول تخلع منها وتهرب منها.
بس ندى ما كانش عندها أدنى فكرة إن المصيبة والظرف الطارئ اللي مستنيها ورا باب الكابينة، كان أكبر بكتير مجرد عطل في طيارة.
لأنها أول ما عتبت ورجلها دخلت جوة، كانت هتتفاجأ بحاجة ليها علاقة بالمأساة اللي نهت شغفها وخليتها تسيب الطيران من سنين.
والأدهى والأصعب من ده كله…
إن فيه حد على متن الطيارة دي، كان عارف بالضبط مين هي ندى!