اهلي رموني

أهلي رموني في الشارع بـ 100 جنيه وما فكروش يسألوا عليّ لمدّة 5 سنين. وبعدها اختي بالصدفة شافت اسمي على النت وقعدت تعيّط وهي بتكلمهم. وفجأة، البنت اللي اتخلوا عنها بقت “العيلة” تاني. وفي يوم واحد، تليفوني ما بطلش يرن. 88 مكالمة فائتة. ورسايل ما بتخلصش.
​في تمام الساعة 7:12 صبيحة يوم اتنين، أمي الميتة اتصلت بيا تمانية وتامنين مرة. هي مكنتش ميتة بالطبع—بس بعد خمس سنين من السكوت، دي كانت الطريقة الوحيدة اللي تليفوني بيعرف يكتب اسمها بيها.
​أول رسالة كانت: “إيمان، يا حبيبتي، كلمي البيت.”
​الرسالة التانية كانت: “أبوكي قلقان عليكي.”
​وعلى الرسالة العشرين، كانت زودت: “العيلة هتفضل عيلة.”
​أنا ضحكت بصوت عالي جداً جوه مكتبي المزجج لدرجة إن نادية، السكرتيرة بتاعتي، رفعت عينها وبصتلي من على ترابيزة الاجتماعات.
​من خمس سنين، أبويا رمى ورقة بـ مية جنيه تحت رجلي جنب شنطتين زبالة سود.
​”عايزة تضيّعي حياتك وتترمي في المجهول عشان خاطر الكمبيوتر؟” قالها. “يبقى روحي ضيّعيها في حتة تانية.”
​أمي كانت واقفة وراه ومربعة إيديها. وأختي الصغار، نادين، كانت بتعيّط في السر على السلم.
​كان عندي تسعتاشر سنة. ورفضت أسيب منحتي الكاملة في هندسة البرمجيات عشان أروح أشتغل ببلاش في شركة الشحن والخدمات اللوجستية بتاعة أبويا اللي كانت بتفلس. هو قال عليّ أنانية. وأمي قالت عليّ نكرة ومش وجه نعمة. وعلى ما الشمس غربت، كانوا غيروا كالون الباب.
​المية جنيه قعدت معايا ست أيام.
​وفي صبيحة اليوم السابع، كنت قاعدة بره كافيه في المطرة، حاضنة اللابتوب بتاعي تحت الجاكيت وبحميه، ووعدت نفسي بكلمة واحدة بسيطة: لو بقيت في يوم من الأيام قوية وليا شأن، عمر ما هتتلخبط عندي القسوة بالشفاعة ولا الخيبة بالهزيمة.
​كنت بنام في معامل الكلية، وبغسل وشي في الجيم، وعايشة على البسكويت بتاع المكن. لما بعت إيميل للبيت أقولهم إن أخدت تدريب بمرتب، محدش رد. ولما اتخرجت الأولى على دفعتي، جواب الدعوة رجعلي مقفول وزي ما هو. ولما بدأت شركتي بتاعة أمن المعلومات والكشف عن التزوير المالي من بدروم متأجر، أبويا بعتلي كلمة واحدة عن طريق نادين:
​”بلاش تفضحينا بأوهامك دي.”
​فبطلت أحاول.
​وبعد خمس سنين، “الأوهام” دي بقت شركة “إيجيس للحلول البرمجية”، شركة أمن مالي بتعتمد عليها البنوك، شركات التأمين، والجهات الحكومية. وفي الصبحية دي، مجلة اقتصادية نزلت صورتي وتحتها المانشيت: مقتحمة سوق الأعمال ذات الأربعة والعشرين عاماً تُغلق صفقة استحواذ بـ 180 مليون دولار.
​وبالظاهر كده، نادين هي اللي شافت الخبر.
​الرسالة الصوتية بتاعتها جَت في وسط مكالمات أمي وأبويا.
​”إيمان،” قالتها وهي بتهمس وتعيّط. “أنا مكنتش أعرف. هم قالولي إنك تعبانة نفسياً، وإنك اختفيتي، وإنك بتكرهينا. بابا شاف المقال. وعمال يقول إنك الوحيدة اللي تقدر تنقذي الشركة.”
​أهو ظهر المطلوب.
​مش حب. ولا ندم.
​ده طلب نجدة متغلف باسم الدلع بتاع طفولتي.
​نادية حركت الفايل ناحيتي. “شركة والدك من ضمن القائمة بتاعة الشركات المترشحة للاستحواذ.”
​بصيت على الاسم: “المرشدي للنقل والخدمات اللوجستية”.
​شركة أبويا كانت بتستلف في السر بضمان فواتير مزورة بقالها ثلاث سنين. والبرنامج بتاع “إيجيس” كشف التزوير ده أثناء الفحص والمراجعة.
​”الوضع سيء لدرجة إيه؟” سألتها.
​”سيء لدرجة قضايا وتلبّس.”
​تليفوني اتهز تاني.
​أمي: أحنا طول عمرنا مؤمنين بيكي.
​قلبت الشاشة على وشها.
​”حددي معاهم معاد بكرة الصبح،” قلت. “خليهم ييجوا لحد عندي.”
وصلوا تاني يوم الصبح وهم متزوقين وكأنهم نازلين يتصوروا صورة عيلية.
​أمي كانت شالة صينية كيكة الليمون اللي بحبها. وأبويا كان لابس البدلة الكحلي اللي بيطلعها بس في العزايات ومقابلات البنك. ونادين ماشية وراهم، وشها أصفر ومكسوفة.
​أول ما أبويا دخل مكتبي، عينيه مسحت فيو البلد كله واليافطة النحاس اللي مكتوب عليها اسمي.
​”أهي بنت حبيبي.”
​ما قمتش من مكاني.
​أمي حطت صينية الكيكة على مكتبي. “أنتِ خاسّة أوي كده ليه؟ هو أنتِ بتاكلي كويس؟”
​خمس سنين من عمرنا اتبخروا من نبرة صوتها، وكأنها مجرد ما شافتنيش نهاية الأسبوع اللي فات.
​أبويا قعد من غير ما حد يعزمه. “أحنا عندنا أزمة سيولة مؤقتة. والشركة بتاعتك بتشتري البنك اللي أحنا واخدين منه القرض، فـ أنتِ تقدري تشيلي التنبيهات دي وتمدي لنا خط الائتمان.”
​”وده معناه إنك بتطلب مني أغطي على قضية تزوير واختلاس.”
​ابتسامته اتشدت وقسيت. “بلاش تستخدمي ألفاظ معقدة في أمور تجارية عادية.”
​نادين اتخضت واتحركت في مكانها.
​فتحت الفايل اللي قدامي. “شركة ‘المرشدي للنقل’ طلعت فواتير للعملاء عن عمليات شحن ما حصلتش أصلاً. وأنت رهمت نفس المستحقات لثلاث بنوك مختلفين. ده غير إن في حسابات موزعجين اتفتحت باسمي أنا شخصياً.”
​إيد أمي اتجمدت وهي ماسكة الس/كينة فوق الكيكة.
​أبويا مال لورا بثقة. “أخطاء إدارية مش أكتر.”
​”الحسابات دي اتفتحت بعد ما رميتوني في الشارع بشهرين بالظبط.”
​السكوت نزل على الأوضة زي القزاز لما يتكسر.
​نادين بصتله وهي مش مصدقة. “أنت استخدمت بيانات إيمان؟”
​أمي ردت بسرعة ونرفزة: “أحنا سبنا اسمها في أوراق العيلة! المفروض تشكرنا إننا حافظنا على صلتها بينا!”
​أبويا وطي صوته وقال: “لو تعاونتي معانا، الكل هيربح. هنعلن إن بنتنا العبقرية انضمت لشغل العيلة. وهنعمل إعادة تمويل. وأنتِ هترجعي لحضن عيلتك تاني.”
​”ولو رفضت؟”
​”ساعتها الناس ممكن تسمع كلام مش لطيف… عن البنت اللي سابت أمها المريضة، وتجاهلت أختها، واغتنت وبقت مليارديرة في الوقت اللي العمال بتوع أبويها بيترموا في الشارع.”
​عينين أمي اتملت دموع بتمثيل متقن. “في تمانين بيت مفتوحين من الشركة دي ومحتاجين الفلوس.”
​نادية، اللي كانت قاعدة جنب الشباك، دست على التابلت بتاعها. كل كلمة بتتجاب في القاعة كانت بتتسجل ويتكتب منها تفريغ كامل بواسطة المستشار القانوني بتاعنا.
​ربعت إيديا. “عايزين كام؟”
​أبويا جسمه افرود ومرتاح. افتكر إنه خلاص كسب الجولة.
​”ستة مليون جنيه فوراً. وأربعة كمان على آخر الكوارتر. وبيان رسمي من شركتك بيأكد إن تنبيهات التزوير دي كانت مجرد عطل فني في البرنامج.”
​نادين طلعت صوت مكتوم من كتر الصدمة. “بابا، كفاية بقى!”
​هو ما عبرهاش وكمل: “الدم عمره ما يبقى مية.”
​”فعلاً،” قلت. “عشان كده أنا كنت حريصة إنكم تكونوا أنتوا الثلاثة موجودين هنا النهاردة.”
​عفست على زرار تحت المكتب. الشاشة الكبيرة اللي على الحيطة نورت، وظهرت عليها تحويلات بنكية، وإمضاءات مزورة، وإيميلات داخلية.
​إيميل من أبويا مكتوب فيه: استغلوا الرقم القومي القديم بتاع إيمان. هي غارت ومش هتعرف حاجة.
​أمي همست بصوت واطي: “يا رءوف…”
​وثيقة تانية بينت إن أمي كانت بتمضي على صرف مبالغ لشركة وهمية باسم أخوها.
​وبعدين ظهرت الصفحة الأخيرة: خطة ممضية لإنهاء ونشاط شركة ‘المرشدي’ بعد أخذ إعادة التمويل، وتهريب الفلوس كلها بره مصر في حسابات أوفشور، وتسريح العمال من غير ما ياخدوا جنيه من مرتباتهم المتاخرة.
​نادين قامت وقفت بسرعة لدرجة إن الكرسي بتاعها اتقلب على الأرض.
​”أنت قلتلي إن القرض ده هينقذ الشركة والعمال!”
​وش أبويا خشب. “اقعدي مكانك.”
​”لأ!”
​التفتلي وهو بيغلي: “فاكرة كام ورقة زي دول هيخوفوني؟ أنتِ لسه نفس البنت الهبلة اللي مشيت من هنا بشنط زبالة.”
​بصيت في عينيه بثبات.
​”لأ يا بابا. أنا الست اللي شركتها جمدت بالفعل كل الحسابات البنكية اللي كنت ناوي تسرقها وتهرب بيها.”
​ولأول مرة من 5 سنين… شوفت الخوف الحقيقي في عينيه.
أبويا بلم وشه اتخطف، واللون هرب من خدوده: “أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ معندكيش السلطة دي!”
​”عندي،” ردت نادية بثبات وهي بتبص للتابلت. “بصفتنا هيئة الفحص المالي والمراجعة للبنك، بلغنا مدعي عام الجرائم المالية رسمياً الساعة تمانية الصبح. التحفظ الصادر على الحسابات اتنفذ من نص ساعة.”
​أمي صرخت وشالت صينية كيكة الليمون ورمتها على الأرض: “أنتِ إيه؟ أنتِ معندكيش قلب؟! عايزه تحبسي أبوكي وأمك؟!”
​أنا ما ترمش ليا جفن.
“أنا ما حبستش حد. أنتوا اللي اخترتوا تتزوّروا، وتسرقوا، وتستغلوا اسمي، وتبيعوا العمال بتوعكم. أنا بس كشفت الحقيقة.”
​أبويا هجم على المكتب وهو بيصرخ وبيهدد بصباعه: “أنا اللي عملتك! أنا اللي ربيتك! ولولايا ما كنتِ وصلتي للكرسي ده!”
​”أنت رمتني بـ 100 جنيه في المطرة،” قلتها بصوت هادي جداً وباطمئنان يررعب. “أنا اللي عملت نفسي. والـ 100 جنيه دي؟ ردتهالك أضعاف مضاعفة… الفواتير المزورة اللي اتفتحت باسمي، القضاء هو اللي هيحاسبكم عليها.”
​نادين قربت مني وعينيها مليانة دموع، بس المرة دي كانت دموع حقيقة: “إيمان… أنا أسفة. أنا أسفة إني صدقتهم كل السنين دي.”
​طبطبت على إيدها بالراحة وقلت: “أنتِ ملكيش ذنب يا نادين. ومستقبلك وشغلك معايا من بكرة لو عايزة.”
​نادية فتحت باب المكتب، ودخل اتنين من أفراد أمن الشركة ومعاهم محامي المؤسسة.
​”الأستاذ رءوف والمرشدي للخدمات اللوجستية قدامهم 5 دقائق لإخلاء المبنى، وإلا الأمن وهيئة النيابة العسكرية المالية هيستلموهم من اللوبي تحت.”
​أبويا بصلي بكسرة ورعب عمره ما جربه في حياته. أمي كانت بتبكي بهستيريا وهي بتمسك في دراعه، ونادين سحبت شنطتها ومشيت جرا وراهم وهي بتبصلي بامتنان.
​لما الباب اتأفل وراهم، الأوضة رجعت ساكتة تاني.
​نادية بصتلي وسألت بابتسامة خفيفة: “نطلب حد ينظف الأرضية من الكيكة يا فندم؟”
​ابتسمت، وبصيت من الشباك على القليوبية والقاهرة والمباني العالية تحت الشمس.
​”يا ريت يا نادية… وابدئي إجراءات تعويض العمال بتوع شركة المرشدي من أصول الشركة قبل ما تتصفى.”
​أخيراً، تنفست براحة. الخمس سنين خلصوا بالكامل… وأنا اللي كتبت النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *