معاملة امي لمراتي

حصري لصفحة روايات رولا
​”كنت فاكر إن مراتي الحامل مجرد تعبانة ومفرهدة… لحد ما

قفشت أمي بتعمل حاجة مفيش ابن المفروض يشوفها أبداً.”

بقالي شهور حاسس بإن فيه حاجة سمّ وبتسري في البيت وبيكبر

بيننا.

​أمي كانت بتبتسم أول ما أدخل الاوضة أو أكون موجود.

ومراتي الحامل، مريم، كانت بتجبر نفسها هي كمان تبتسم وتعدي.

​بس في اللحظة اللي أدي فيها ضهري، كل حاجة كانت بتتغير 180

درجة.
​
مريم بقت بتسكت أكتر يوم عن يوم. بطلت تاكل معانا على

الترابيزة طالما أمي قاعدة. بطلت تلبس الفساتين اللي بتحبها.

حتى بطلت تطلب مني أي مساعدة، وكأنها خايفة إنها لو اتكلمت أو

نطقت، الدنيا تظلم أكتر وتولع.
​
كل ما أسألها: “مالك يا مريم؟ فيه إيه؟”، كانت تحط إيدها على

بطنها وبتوشوشني بالبراح:

“أرجوك… بلاش تتخانق مع أمتك بسببي.”

​بس الجملة دي بالذات كانت الجرس والإنذار اللي كان المفروض

أقف عنده وأفهمه.

​أمي كانت شايفه إن مريم سرقتني منها وخطفنتا.

“هي بقت ممشياك ومتحكمة فيك.”

“خلتك ضعيف ومشروبك.”

“مفكرة إن اللي في بطنها ده هيخليها ست البيت والملكة هنا.”
​
كنت بقول لنفسي دي مجرد غيرات حموات وحركات ستات.

بس طلعت غلطان… وغلطان قوي كمان.
​
في الليلة دي، صحيت فجأة من النوم.

السرير جنبي كان فاضي.

​وبعدين سمعت الصوت.

صوت مية نازلة.

طباق بيتكسر.

وشهقة عياط مكتومة ومجروحة طالعة من المطبخ.

​جريت في الممر.

وأول ما حطيت رجلي على باب المطبخ، دمي اتجمد في عروقي.
​أمي كانت واقفة ورا مريم، ماسكة شعرها وجادباه بضغط، وبتجبر راسها تنزل ناحية الحوض، في الوقت اللي مراتي اللي في الشهر التاسع وبحملها التقيل بتغسل المواعين بمية تلج بتكتك.
​إيدين مريم كانت بترتعش زي الورقة. أكمامها مبلولة كلها. ووشها مغرق دموع.
​ساعتها أمي مالت على ودنها وبصوت زي الفحيح قالت لها:
“جوزك نايم فوق ومكتر. ورينا بقى مين هيحميكي مني دلوقتي!”
​مريم هي اللي شافتني الأول.
عينيها كانت بتستغيث بيا وبتبكي من غير ما تنطق حرف.
​أمي لفت ضهرها بالراحة.
وفي اللحظة دي بالذات… أنا بطلت أكون الابن المطيع اللي بيسمع الكلام.
​دبيت خطوتي لقدام.
واللي عملته بعد كده… خلى أمي نفسها تتسمر مكانها من الخوف…

المطبخ هدي لدرجة إن صفيح المية اللي نازل من الحنفية في الحوض كان ليه صوت يرن.
​نقطة.
نقطتين.
تلاتة.
​مريم كانت واقفة متسمرة، إيديها مغموسة في مية تلج، وكتفيها بيرتعشوا تحت الترنج الواسع اللي بدأت تلبسه في شهور حملها الأخيرة. الكمام كانت مبلولة لحد كوعها. وشعرها الطويل كان ملزق على وشها المغرق دموع.
​إيد أمي كانت لسه مشابكة في شعر مريم ومتبتة فيه.
​مفيش وحدة فيهم اتتحركت.
ولا وحدة نطقت حرف.
​لثانية واحدة، البيت كله كان كأنه قطع النفس.
​بعدين أمي ابتسمت.
​مش عشان اتكسفت.
ولا عشان اتكشفت.
لا.. عشان كانت فاكرة إنها لسه مسيطرة عليا وقادرة تمشيني.
​”أوه”، قالتها بمنتهى البرود وهي بتسيب شعر مريم وكأن مفيش أي حاجة غريبة حصلت. “انت صحيت؟”
​ما رديتش.
​عينيا ما نزلتش من على مريم لحظة.
​بصمات صوابع حمرا كانت معلمة على معصم إيدها.
وعقل صوابعها كانت بيضا من كتر الدعك في طباق ما كانش ينفع واحدة في الشهر التاسع تغسلها اصلاً.
​مريم رفضت تبص في عيني مباشرة.
وده وجعني أكثر من أي حاجة تانية.
​ما كانتش حاسة بالخزي..
كانت خايفة.
خايفة من اللي هيحصل بعد ما أنا أمشي وأسيب المكان.
خايفة أختار الراحة والسلام الصوري على حساب الحق.. زي كل مرة.
​أمي مسكت فوطة وبقت تمسح إيديها بمنتهى اللامبالاة.
​”مرتك ما كانش جاي لها نوم”، بررت أمي: “قلت شوية شغل في البيت يمكن يريحوا أعصابها ويهدوها.”
​الكذبة كانت متعلقة في الجو زي السم.
​بصيت للحوض.
ما كانش فيه غير تلات طباق بس.
ومج قهوة.
ومعلقة واحدة.
​مفيش مخلوق يحتاج يصحّي واحدة على وش ولادة ممكن تجيب البيبي في أي لحظة عشان يخليها تغسل تلات طباق!
​”انتي صحيتِها”، قلتها بصوت واطي بس ثابت.
​أمي هزت كتفها:
“لازم حد يعلمها المسؤولية وياخد بيديها.”
​مريم اتخضت واتنفضت قبل حتى ما أنا أعلّي صوتي.
الحركة الصغيرة دي كشفت لي كل حاجة.
​دي ما كانتش المرة الأولى..
ولا حتى المرة العشرين.
​يا ترى كم ليلة وقفتها هنا لوحدها في التلج وأنا نايم فوق ومطمن ومفكّر إن كل حاجة تمام؟
كم إهانة بلعتها؟
كم دمعة نزلت من عينها ونزلت في بلاعة الحوض ده؟

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *