متعاقبة

​كان لسه فاكرني قاعدة فوق في الأوضة.
​على كلام كريم ابن عمي، حوالي الساعة 8:34، بابا قرر أخيرًا يطلع يشوفني.
​طلع السلم بخطوات سريعة.
​فتح باب الأوضة.
​واتثبت مكانه.
​كل حاجة كانت اختفت.
​هدومي.
​الكمبيوتر بتاعي.
​مذكرات أمي.
​الصور.
​الحاجة الوحيدة اللي كانت فاضلة هي المرتبة الفاضية ومفتاح البيت محطوط بنظام على التسريحة.
​بابا فضل واقف هناك لعدة ثواني، بيحاول يفهم إيه اللي هو باصص عليه دا.
​وفجأة جرس الباب رن.
​جري على تحت بسرعة، غالباً كان فاكر إني رجعت عشان أتأسف له.
​بس اللي كان واقف على الباب كان أستاذ فاروق وجدي.
​محامي العيلة.
​وبالأخص، دا كان محامي أمي على مدار تسعتاشر سنة.
​فاروق كان ماسك في إيده دوسيه جلد تقيل.
​وعلى كلام كريم، وش أستاذ فاروق كان أصفر وبتعانى منه الحيرة.
​بابا كان متضايق وزعق فيه.
​”أنت إيه اللي جابك على الصبح كده؟”
​أستاذ فاروق دخل خطوتين لجوه.
​عنيه راحت ناحية السلم.
​وبعدين لمس مكان شنطة السفر الفاضية جنب الممر.
​تعبيرات وشه اتغيرت تماماً في لحظة.
​”أستاذ راغب…”
​فتح الدوسيه.
​”أرجوك قول لي إن إنجي مشيت من البيت دا بكامل إرادتها.”
​بابا كشر واستغرب.
​”أنت بتتكلم عن إيه؟”
​”هو أنت قولت لها تمشي أو طردتها؟”
​”أنا مطردتهاش،” بابا رد بنرفزة. “أنا كنت بربي بنتي وبعاقبها.”
​أستاذ فاروق بصلوا بسكون تام.
​”تحت سقف بيتك؟”
​ضيق بابا زاد أكتر.

​”أيوه. بيتي وأنا حر فيه وأحكامي هي اللي تمشي.”
​أستاذ فاروق بص ببطء للورق اللي في إيديه.
​ولما رفع عينيه تاني، صوابعه كانت بترتعش.
​”يا راغب… البيت دا مابقاش ملكك قانوناً من يوم ما كاميليا توفت.”
​تعبيرات وش بابا اتغيرت تماماً.
​أستاذ فاروق طلع أول ورقة.
​وبعدين ورقة تانية.
​عقد ملكية البيت.
​اتفاقية الوصية.
​والورق اللي بياكد نقل كل أملاك أمي ليا بعد ما كملت أربعة وعشرين سنة.
​ولأول مرة الصبح دا، بابا سكت تماماً وماعرفش ينطق.
​أستاذ فاروق بص له في عينيه مباشرة.
​وبصوت واطي جداً يادوب مسموع، قال له:
​”راغب… أنت هببت إيه؟”
​علشان إحراجي قدام العيلة ماكانش أكبر غلطة عملها بابا.
​ولا حتى إنه يقول لبنته اللي عندها أربعة وعشرين سنة إنها “مغضوب عليها وممنوعة من الخروج”.
​المشكلة الحقيقية كانت في اللي حصل في اللحظة اللي أنا مشيت فيها من البيت دا للابد.
​أمي كانت حاطة شرط في الوصية بابا ماكانش يعرف عنه أي حاجة خالص.
​وبمجرد ما أستاذ فاروق شرح له الخروج دا ترتب عليه إيه، التريقة والضحك على سفينة العشاء هيتحولوا لأصغر مشكلة في حياة راغب النجار.
​الجزء الثاني:
​”أنتِ قللتي من طارق قدام الكل،” بابا قالها بصوت ناشف. “وقعدتك هنا هتطول لحد ما تبقي جاهزة تتأسفي له.”
​اللي محدش على ترابيزة الأكل دي كان فاكره أو واخد باله منه، هو إني ماكنتش عايشة تحت سقف بابا عشان ماليش حتة تانية أروحها.
​من ست شهور، هو اللي جه يترجاني تقريباً عشان أرجع البيت بشكل موقت، لأن شركة “النجار للتطوير العقاري” اللي بيديرها كانت بتمر بأزمة مالية وطاحنة.
​وكان في تفصيلة تانية مهمة جداً شكله كنسلها من دماغه تماماً.
​البيت دا أساساً ماكانش بتاعه.
​أمي، كاميليا النجار، كانت شارية البيت دا من قبل ما تتجوزه اصلاً. ولما توفت من أربع سنين، حطت ملكية البيت، وحسابات استثمارية تانية، وحصتها الحاكمة والكبيرة في شركة النجار في وصية وأمانة عائلية مغلقة.
​وفي يوم عيد ميلادي الأربعة وعشرين، الإدارة والسيطرة الكاملة على الوصية والأمانة دي اتنقلت ليّ رسمياً وقانونياً.
​أستاذ فاروق بص لبابا وهو بيتهز من الصدمة، كأنه شايف راجل بيحفر قبره بإيده.
​”راغب… أم الشرط اللي أمها كاميليا حطته في الوصية كان واضح جداً زي الشمس،” فاروق قال بصوت مرعوب وهو بيقلب في الأوراق. “الوصية بتنص على إنك ليك حق الإقامة في الفيلا دي، وتفضل يدك في إدارة الشركة، بشرط واحد رئيسي ومباشر: إن إنجي تكون مقيمة معاك تحت نفس السقف وراضية، وبتحصل على رعايتها الكاملة منك بصفتك الأب.”
​بابا وشُه اتقلب وأبيض كأنه لوح ثلج: “يعني إيه الكلام ده؟”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *