بعد ما حبّيت بنته وراعيتها لسنين

حصري لصفحة روايات رولا
بعد ما حبّيت بنته وراعيتها لسنين، وعاملتها زي بنتي تمام، وقبل فرحها بأيام قليلة، جوزي بصلّي وقال لي: “أنتي مش أمها الحقيقية”. ما تناقشتش معاه، بس كلماته خلّتني أسأل نفسي يا ترى أنا ليا مكان في الفرح ده أصلاً ولا لأ؟ وبعدها حصلت حاجة عرّفتني بالظبط مكانتي الحقيقية في العيلة دي…
​قبل فرح هدى بأربعة أيام، كنت واقفة في المطبخ بكوي فستان الحنة بتاعها اللبني الفاتح بالبخار، لما طارق رمى مفاتيح العربية بتاعته على الرخامة.
​جنبي على الترابيزة كان فيه علبة قطيفة صغيرة فيها ست دبابيس شعر لؤلؤ ألتراس.
​كانوا بتوع هدى الله يرحمها، أم العروسة.
​أم هدى تتوفى وهدى عندها عشر سنين. وأنا اتجوزت طارق بعدها بأربع سنين، لما هدى كان عندها أربعتاشر سنة، ومن ساعتها وأنا شايلاهم وشايلاهم في عينيا.
​بعد الظهر، سألته سؤال بسيط جداً.
​”تفتكر هدى تحب نضفر اللؤلؤ بتاع أمها في شعرها مع التسريحة؟”
​طارق دلك أرنبة مناخيره بتعب.
​وبعدين بصلّي.
​”يا جيهان، أنتي مش أمها الحقيقية.”
​إيدي وقفت على المكواة.
​وكمّل بنفس النبرة الهادية:
​”أنا مقدّر كل اللي بتعمليه، وأنتي كنتِ كويسة جداً مع هدى. بس ده فرحها، وأنا شايف إنك بتتدخلي أكتر من اللازم.”
​”بتدخل أكتر من اللازم؟”
​”الفستان، الفلوريست، ترتيب التربيزات، التفاصيل.. أمها مش موجودة، وساعات بحس إنك بتحطي نفسك في مكانة مش مكانتك.”
​بصيت له وذهولي واكلني.
​على مدار ثمان سنين، عمري ما طلبت من هدى تقول لي يا بابا ولا يا ماما.
​كانت بتناديني يا جيهان.
​وانا كنت راضية ومبسوطة بكده.
​أنا اللي كنت بجهز لها أكل المدرسة، وأحضر معاها التمارين في عز التلج والمطر، وعلمتها السواقة في ساحة النادي الفاضية، وفضلت جنبها في أول تجربة حب فاشلة وكسرة قلب، وساعدتها في أوراق التنسيق، ومرة سافرت لها إسكندرية بـ “شربة خضار” معمولة في البيت عشان كلمتني من السكن في وادي القمر وهي بتعيط وفاكرة إنها مش شاطرة كفاية ومش هتعدي من كلية تمريض.
​عملت كل ده عشان بحبها.
​مش عشان عايزة أخد لقب أمها الله يرحمها.
​قلت له بصوت واطي: “أنا عمري ما حاولت أخد مكان أمها.”
​”عارف إنك مش تقصدي.”
​الجملة دي وجعتني أكتر وأكتر.
​طارق بان عليه الارتياح لما أخيرًا قفلت مكواة البخار.
​”تمام.”
​كشّر وقال: “إيه؟”
​”عايزني أرجع لورا وما أتدخلش؟ حاضر.”
​شلت العلبة القطيفة ودخلت بيها أوضة الضيوف وقفلت الباب.
​وليلتها، نمت هناك لوحدي.
​تاني يوم بعد الظهر، دخلت هدى من باب الشقة وهي شايلة أكياس أظرف الفساتين ومقصوصات الورق مع أجيندا.
​”جيهان؟”
​”أهلاً يا حبيبتي.”
​في العادي، كنت هجري أخد نص الحاجة من إيدها قبل ما تطلع من الطرقة.
​المرة دي، فضلت حاطة إيديا في جيوب الكارديجان بتاعي.
​قالت لي: “محل الورد بوّظ ترتيب الورود تاني.”
​”كلمتيهم؟”
​”أحمد خطيبي بيتصرف معاهم.”
​”كويس.”
​اترمت على الكنبة وبصت لي بتمعن.
​”أنتي كويسة؟”
​”تعبانة شوية بس.”
​”محتاجة المكواة البخار وكروت الأسماء بتاعة المعازيم.”
​”المكواة في أوضة الغسيل، والكروت في الصندوق اللي جنب النيش.”
​فضلت مستنية.
​في العادي، كنت هكون اتحركت وبجيبهم لها قبل ما تخلص كلامها.
​المرة دي، فضلت واقفة مكاني.
​حواجب هدى اتعقدت.
​”أنتي متأكدة إنك كويسة؟”
​”أنا تمام.”
​كانت كدبة.
​على مدار اليومين اللي بعدهم، جيت على نفسي وما مديتش إيدي في حاجة تلقائي زي زمان.
​لما المنظمة بتاعة الفرح كلمتني عشان موضوع توزيع المعازيم، اديت التليفون لطارق.
​لما وصلت عينات تورتة الفرح، سبتها زي ما هي عشان هدى وأحمد يدووقوها.
​لما حد بعت لي يسأل عن الشموع بتاعة التربيزات، رديت: “ارمي السؤال ده لهدى بعد أذنك.”
​طارق لاحظ التغيير ده.
​بس بدل ما يفهم إني مجروحة، كان باين عليه إنه مبسوط ومستريح!
​ليلة الخميس، وإحنا بنغسل سناننا، بص لي في المراية.
​”شايفة؟”
​”شايف إيه؟”
​”الدنيا أهدى بكتير لما نسيب العيال يشيلوا فرحهم بنفسهم.”
​فضلت باصة لانعكاس وشّه في المراية.
​”مش لازم تشيلي كل حاجة يا جيهان.”
​كان فاكر سكوتي ده راحة بال.
​وما كانش يعرف إنه كان كسرة قلب.
​جمعة بالليل، كان العشا بتاع كتب الكتاب في مطعم شرقي صغير في المعادي.
​القاعة المقفولة كانت مليانة قرايب، إضاءة دافية، كاسات العصير، ومحادثات ناس جايين من محافظات تانية.
​مرفت، أخت أم هدى الكبيرة، كانت هناك.
​قبل العشا، المصور جمع الكل.
​”العيلة المقربة الأول بعد إذنكم!”
​من غير ما أفكر، رجعت خطوة لورا.
​خطوة.. وبعدين خطوة كمان.
​لقيت نفسي واقفة جنب البار ماسكة كاس مياه جازية، وطارق واقف جنب هدى، ومرفت، وحماه، وقرايب تانيين.
​طارق بص من فوق كتفه.
​عينيه جات في عينيا.
​وبعدين هز راسه لي بابتسامة استحسان صغيرة.
​كأني أخيرًا فهمت مكاني فين.
​المصور رفع الكاميرا.
​محدش نادى باسمي.
​الفلاش ضرب.
​بلعت الغصة اللي في زوري وابتسمت بالعافية.
​مرفت جات لي بعد الصور.
​”أنتي هادية أوي النهاردة على غير عادتك.”
​” أسبوع طويل ومجهد.”
​فضلت تبص لي.
​”هو طارق قال لك حاجة؟”
​بصيت لها: “إيه اللي يخليكي تسألي كده؟”
​”عشان بقالك عشر شهور شغالين معاها بتخططي للفرح ده، والنهاردة طالعة زي ما تكوني دخلتي ليلة حنة حد بالغلط!”
​حاولت أضحك.
​”فرح هدى مش عني أنا.”
​نبرة مرفت اتغيرت.
​”ده ما كانش سؤالي.”
​ما رديتش.
​صباح الفرح جه والشمس طالعة صافية.
​القاعة والكنيسة الصغيرة اللي على أطراف التجمع كانت الشبابيك الملونة رمية ألوان أزرق وأحمر على الكراسي الخشب القديمة.
​وصلت وأنا لابسة فستان كحلي دانتيل بسيط.
​من غير تسريحة معقدة.
​من غير شنطة كبيرة مليانة إبر وخيط وطوارئ الفرح.
​قعدت بره الأوضة بتاعة العروسة ومستنية أساعد بس لو حد طلب مني بالاسم.
​منظمة الفرح جات تجري وهي ماسكة الورد.
​وبعدين وقفت.
​”جيهان، اتفضلي وردة الإيد (الكرساج) بتاعتك.”
​فتحت العلبة.
​ورد أبيض.
​ورق أخضر رقيق.
​ووشاح ستان أوف وايت.
​وردة إيد أم العروسة الفخمة.
​زي صدري ما اتخنق.
​”أعتقد دي المفروض تروح لـ أخت أمها، طنط مرفت.”
​المنظمة رمشت بذهول: “بس هدى طالباها مخصوص عشانك أنتِ!”
​”عارفة.”
​”طب ليه—”
​”لو سمحتي.”
​جبرت نفسي على الابتسامة.
​”اديها لطنط مرفت أو حطيها جنب صورة أمها على ترابيزة الذكرى. وردة صغيرة بالدبوس على الفستان كفاية عليا أوي.”
​كانت باصة لي وهي مش فاهمة.
​في الوقت ده، طارق معدي وبيظبط كرافتته الفحمية.
​شاف الوردة.
​وشاف إيدي الفاضية.
​”كل حاجة تمام؟”
​”أه.”
​المنظمة شرحت له.
​طارق بص لي.
​وهز راسه بلمحة موافقة.
​”اختيار صح بصراحة.”
​وطى صوته وقال: “عشان الأمور تفضل واضحة وما يحصلش لخبطة.”
​ما حسيتش بوجع ساعتها.
​الوضع كان ألعن.. أنا حسيت بتلميل وبرود تام.
​مشيت ودخلت القاعة وقعدت في الصف التاني.
​كان فيه مكان فاضي جنب طارق في الصف الأول.
​سبته فاضي.
​المزيكا بدأت.
​الكل وقف.
​الأبواب الخلفية اتفتحت.
​هدى ظهرت في النور.
​كانت زي القمر وطالعة تنطق.
​الطرحة نازلة من ضفيرة معقدة وشيك جداً.
​وملفوف في الضفيرة دي.. ست دبابيس اللؤلؤ بتوع أمها.
​لثانية واحدة، نسيت كل حاجة.
​افتكرت البنت اللي كان عندها أربعتاشر سنة واللي كانت زاهداني وما بتتكلمش معايا أول ما سكنت معاهم.
​البنت اللي عندها سبعتاشر سنة وهي قاعدة معايا على أرضية المطبخ بناكل أيس كريم فراولة بعد أول جرح في حياتها.
​والبنت المرعوبة في أول سنة كلية اللي كلمتني نص الليل.
​والعروسة اللي ماشية دلوقتي رايحة للراجل اللي اختارته.
​طارق كان ماشي جنبها وبيسلمها.
​لما هدى وصلت للوش، حضنت أبوها.
​وبعدين وقبل ما تلتفت لأحمد، بصت على الصفوف الأولى.
​عينيها جابتني.
​الصف التاني.
​بعدين عينها نزلت على إيدي.
​فاضية من غير الوردة.
​وبصت للمكان الفاضي اللي جنب أبوها.
​ضل صغير من الحيرة واللخبطة عدى على وشها.
​وبعدين مراسم كتب الكلام والفرح بدأت.
​السيشن والحفلة كانت في قاعة على النيل في المعادي.
​أنوار دافية نازلة من السقف، وتربيزات خشب طويلة عليها شموع وزرع. وقريب من المدخل كانت فيه ترابيزة ذكرى لـ أم هدى عليها صورها وورد.
​الوردة بتاعة الإيد اللي أنا رفضتها كانت محطوطة جنب صورتها.
​بعد العشا، طارق مسك المايك.
​صوته كان بيترعش وهو بيتكلم عن هدى وهي بتكبر.
​وبعدين اتكلم عن أمها الله يرحمها.
​”لما أمها توفت، أخدت عهد على نفسي إني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أربيها وتبقى الست اللي أمها تتمنى تشوفها.”
​الناس صقفت.
​ومرفت مسحت دموعها.
​طارق شكر أهله.
​وإخواته.
​ومرفت.
​وعيلة أحمد.
​وأصحابه القدام.
​اتكلم عن العيلة، والذكريات، والأيام الصعبة، والناس اللي شالوه وساعدوه في السنين الثقيلة دي.
​ما قالش اسمي.
​ولا مرة.
​كنت قاعد على تربيزة أربعة وإيديا حطاها تحت المفرش.
​حد من معارف العيلة بص ناحيتي.
​وبعدين دارى وشه بسرعة.
​فكرت نفسي إن ده يوم هدى.
​لو مكاني بس إني أقعد ساكتة وأكون مبسوطة إنها فرحانة، أنا هقدر أعمل كده.
​طارق خلص.
​القاعة كلها صقفت.
​وبعدين سلم المايك لهدى.
​وقفت جنب أحمد، وهي بتظبط فستانها.
​”شكراً يا بابا.”
​صوتها كان واضح وواصل لكل القاعة.
​”كل كلمة قلتها عن بابا وماما صح.”
​بصت ناحية ترابيزة الذكرى بتاعة أمها.
​”أنا حبيت ماما من كل قلبي، ولسه بحبها.. ومحدش بياخد مكانها.”
​وطيت عيني في الأرض.
​بالظبط.
​ده كل اللي كنت بآمن بيه طول عمري.
​لكن هدى كملت كلامها:
​”بس لما بتفقد أمك وأنت صغير، الحياة مش بتبطل تطلب منك حاجات.. بتفضل محتاج حد…”
لكن هدى كملت كلامها:
​”بس لما بتفقد أمك وأنت صغير، الحياة مش بتبطل تطلب منك حاجات.. بتفضل محتاج حد يعلمك إزاي تكوي ياقة قميصك قبل أول انترفيو شغل ليك.”
​الناس ضحكت ضحك خفيف وبحب.
​”حد يقعد جنبك في الطوارئ نص الليل عشان كابرت وطنشّت الكحة ست أيام متواصلة.”
​قلبي اتنفض في مكاني.
​”حد يقول لك إن سقوطك في امتحان الكيميا مش معناها إنك لازم تسيب الكلية وتروح تربي معيز في الأرياف!”
​أحمد خطيبها نادى بصوت عالي وسط القاعة: “على فكرة دي كانت خطة حقيقية!”
​الضحك انتشر في كل القاعة.
​هدى ابتسمت، وبعدين بصت لي عدل في عيني.
​”النهاردة أنا عايزة أشكر بابا.”
​ولفت لطارق.
​”وأشكر مرات بابا.. جيهان.”
​مرات بابا..
الجملة كانت صح رسمياً، بس توجع وتغرب.
حضّرت نفسي لإشادة دافية بس رسمية.
​لكن هدى كملت: “أنا اخترت الجملة دي بالذات ومقصودة.”
​رفعت عيني بصيت لها.
​”لما جيهان اتجوزت بابا من ثمان سنين، كان عندها كل الأسباب إنها تدخل بيتنا وتفرض نفسها وتطلب مكانة معينة.”
​المكان كله سكت وما حدش كان بيتحرك.
​”كان ممكن تطلب مني أناديها بـ ‘بابا وماما’ أو أقول لها ‘يا ماما’.”
​زوري اتخنق بالدموع.
​طارق اتسمر مكانه.
​”عمرها ما عملت كده.”
​هدى هزت راسها: “كان ممكن تشيل صور أمي عشان المكان ما يبقاش محرج بالنسبة لها.. لكنها أخدت صورة بروازها اتكسر وهو بيتنقل، وصلحت البرواز وعلقته بنفسها.”
​أنا كنت شبه نسيت الموضوع ده! صورة لطارق وهدى الله يرحمها في عيد جوازهم كانت اتكسرت وهي بتتنقل، وأنا اللي غيرت البرواز.
​”كان ممكن تشتكي لما أنا، وأنا عندي أربعتاشر سنة، كنت بطنشها وما بكلمهاش.”
​الناس ضحكت.
​”أنا كنت غلسة وبشعة بصراحة.”
​همست بصوت واطي: “كنتي أربعتاشر سنة بس يا هدى.”
​سمعتني: “صح، بس كنت متقنة الدور أوي!”
​الضحك زاد، وبعدين ملامحها بقت جادة جداً.
​”في مرة قلت لـ جيهان إن مالهاش حق تسألني كنت فين ولا جيتي منين لأنها مش أمي.”
​طارق بص لي بذهول.
​”ما قالتش لبابا وما اشتكتش.”
​عيني طارق اتوسعت من الصدمة.
​”وتاني يوم الصبح عملت لي أكل المدرسة وحطت لي فيه ورقة.”
​شفايفي بدأت تترعش.
​هدى غمضت عينها لثانية: “كان مكتوب فيها: ‘أنا في ضهرك وفي صفك في أي وقت تطلبي فيه’.”
​موجة هادية من التأثر مشيت في القاعة كلها.
​”أنا لسه شايلا النوتة دي عندي.”
​حطيت إيدي على بقي وأنا بداري شهقتي.
​”لسه شايلاها في صندوق عندي في الشقة.”
​طارق نزل راسه في الأرض.
​”لما كان عندي أول انترفيو شغل، جيهان جابت المكواة وجات لي أخر الدنيا عشان أنا حرقت القميص بتاعي.”
​الناس ضحكت تاني.
​”ولما تعبت في أول سنة في الكلية، سافرت لي إسكندرية بشربة خضار وشالتني، لأن بابا كان فاكر إن نصيحته ليا في التليفون بـ ‘اشربي مية كتير’ دي رعاية طبية كاملة!”
​”عندها حق بصراحة!” أحمد قالها وضحك.
​”ولما كنت عايزة أسيب تمريض، قعدت جنبي لحد الساعة اتنين بالليل، وعمرها ما قالت لي أعمل إيه أو تملي عليا حاجة.. كانت بس بتسألني: أنتي عايزة إيه يا هدى؟”
​صوت هدى بدأ يترعش: “على مدار ثمان سنين، جيهان حبتني من غير ما تطلب أي حاجة في المقابل.. من غير ما تشرط عليا لقب ولا مكانة.”
​كل حاجة في القاعة اختفت وما بقاش فيه غير صوتها.
​”بابا أداني القوة.”
​بصت لطارق.
​”وأمي إديتني الحياة وكل حاجة في شخصيتي.”
​إيدها لمست دبابيس اللؤلؤ اللي في شعرها: “وجيهان…”
​صوتها اتقطع من البكا: “جيهان علمتني يعني إيه حب اختياري.. حب بالاسم والمواقف مش بالدم.”
​وبعدين سابت تربيزتها ومشت ناحيتي والمايك في إيدها.
​أنا وقفت قبل ما توصل لتربيزتي.
​هدى مسكت إيدي وحضنتني بكل قوتها.
​همست لي: “أنا شفتك.”
​”إيه؟”
​بعدت شوية وقالت: “شفتك في الكنيسة والكتب… شفتك قاعدة في الصف التاني.”
​ما قدرتش أرد.
​”وشفت إن ما كانش عليكي وردة الإيد بتاعتك.”
​بصيت ناحية طارق، وشّه كان أصفر زي الليمونة.
​”أنا ما أعرفش مين اللي فهمك أو حسسك إنك لازم تختفي النهاردة وتتراجعي لورا.”
​صوتها كان واطي، بس المايك كبّره ووصله لكل شبر في القاعة.
​”أنتي مش كومبارس ولا شخص زيادة في حياتي.”
​ركبي كانت هتخونني وأقع.
​”عمرك ما كنتِ كده.”
​هدى قطفت وردة بيضا صغيرة من الفلوريست اللي على تربيزتنا، وبكل رفق حطتها وثبتتها في فستاني الكحلي فوق قلبي بالظبط.
​”أنا ما كنتش هبقى الست اللي واقفة بتتجوز أحمد النهاردة دي من غيرك.”
​بصت في عينيا: “أنتي ما خلفتنيش.”
​هزيت راسي.
​”وعمرك ما طلبتِ أقول لك يا ماما.”
​الدموع نازلة على خدودها: “بس أنتي كسبتي ثقتي واحترامي كل يوم عن اليوم اللي قبله.”
​حضنتني تاني: “أنا بحبك أوي.”
​”وأنا بحبك يا روح قلبي.”
​مرفت وقفت تصقف الأول.
​وبعدها أحمد.
​وبعدين القاعة كلها وقفت وتصقيف حار هز المكان.
​من فوق كتف هدى، شفت طارق واقف جنب كرسيه وراسه متوطية في الأرض.
​ولما رفع عينيه وبص لي.. ملامحه ما كانتش مجرد كسوف ولا إحراج، كان فيها إدراك وصدمة الحقيقة.
​بقاله أيام بيفكر ويحدد إيه المكانة اللي مسموح لي أخدها في حياة هدى.. وهدى في ثواني فكرته إن ده عمره ما كان قراره هو أصلاً.
​بعدها بشوية، هربت من زحمة الدوشة والرقص وطلعت على البلكونة المطلة على النيل.
​هوا المعادي بتاع بالليل كان ساقط وجميل، حطيت إيدي على الوردة البيضا اللي فوق قلبي.
​طارق طلع ورايا وهو ماسك كاسين عصير.
​قعدنا يجي دقيقة محدش فينا بيتكلم.
​بعدين قال: “أنا كنت غبي وأحبل.”
​لتفت له.. الجملة دي مش من العادي إن طارق يقولها على نفسه.
​”كنت فاكر إني بحمي ذكرى هدى الله يرحمها.”
​”عارفة.”
​”كنت فاكر إني لو إدتك حقك واعترفت بيكي أوي، يبقى أنا كده بقلل منها.”
​”عارفة.”
​هز راسه: “الكلام طالع شكله يفضح ويضايق لما يتقال بصوت عالي.”
​”وكان وجعه صعب أوي لما اتقال في المطبخ.”
​اتألم وقال: “أنا آسف يا جيهان.”
​من ورا الإزاز، هدى كانت بترقص مع أحمد، ودبابيس اللؤلؤ بتلمع تحت النور.
​طارق كان باصص لها وقال: “كنت دايماً فاكر إن الحب له مساحة محدودة.. لو هدى إدتك حتة منها، يبقى هدى أمها خسرت الحتة دي.”
​”الحب والذكريات مش بيتحسبوا كده يا طارق.”
​”أنا عرفت ده.. دلوقتي.”
​”كويس.”
​نزل عينيه: “أنا أخدت كل اللي بتعمليه كأنه حق مكتسب وعادي عشان أنتي عمرك ما اشتكيتي.”
​سبته يتكلم.
​”أنتي كنتِ بتبيني إن الموضوع سهل وبسيط.”
​”ما كانش سهل.”
​”عارف.”
​”لأ يا طارق.” بصيت له وعيني بتلمع: “الموضوع ما كانش سهل خالص.. أنا حبيت بنت مراهقة وزعلانة على أمها، وكانت ساعات بتكرهني، وأنا كنت مستحملة عشان فاهمة هي بتمر بإيه ومحتاجة تطلع غضبها في مين.”
​كان بيسمعني بإنصات.
​”أنا قضيت ثمان سنين خايفة خطوة لشيء أكون بدوس على مكان مش مكاني.. أنا اللي شلت لؤلؤ أمها وحافظت عليه.. وأنا اللي اقترحت نحط صورتها على ترابيزة الذكرى.. وعمري ما طلبت من هدى غير الاحترام.. وأنت من أربع أيام لخصت كل ده في إني ‘بساعد في البيت’!”
​غمض عينيه بألم: “ده اللي أنا عملته بالظبط.. ما عنديش مبرر ولا دفاع.. أنا آسف.”
​”أنا مصدقاك.. بس الجرح ده مش هيختفي في ليلة وضحاها عشان هدى قالت خطبة حلوة.”
​”عارف.. وأنا موعدك إني هغير ده، وهبين لك مكاني ومكانتك صح.”
​مسك إيدي بالراحة، ولأول مرة يتردد قبل ما يمسكها: “ممكن؟”
​السؤال ده كسر الباقي من قسوتي. حطيت إيدي في إيده.
​”أنت كنت بتحمي الماضي يا طارق.. وهدى عايشة في الحاضر، وإحنا لازم نعيش معاها.”
​الباب اتفتح ومرفت طلعت: “كويس إنكم هنا.”
​طارق رفع حاجب: “خير؟”
​”شكلك يعر يا طارق ومكسور، وده المطلوب.”
​بص لها بذهول، وهي كملت: “أختي الله يرحمها كانت بتحبك.. وكانت هتضايق أوي من اللي عملته مع جيهان الأسبوع ده.. أم هدى ما كانتش غيورة ولا ضعيفة عشان تفتكر إن وجود حد بيحب بنتها هيقلل من أمومتها.”
​وبعدين بصت لي وقالت: “تعالي جوه يا جيهان، بنت جوزك بتدور عليكِ عشان ترقصوا.”
​كلمة “بنت جوزك” لأول مرة ما تطلعش غريبة ولا تقيلة.. كانت بتوصف بالظبط إزاي لقينا بعض.
​دخلت جوه، هدى مسكت إيدي: “يلا، عليكِ رقصة ليا!”
​وفضلنا نرقص ونضحك وسط القاعة، ولما هدى قربت مني همست: “هو بابا قال لك إيه من أربع أيام؟”
​اتسمرت مكان: “عرفتي منين؟”
​”مرفت حسّت إن فيه حاجة غلط وشكّت، ولما زنقت بابا اعترف لها بكل حاجة.. ما عاش ولا كان اللي يقلل منك يا جيهان، ولا هو ولا غيره يحدد أنتِ إيه بالنسبة لي.”
​دموعي نزلت، وهدى حضنتني وقالت: “أنتِ ربيتيني برضه.. الحب مش مسألة طرح وطرح ذكريات.. الحب بيزيد وبيكبر.”
​عدت السنين..
وطارق علق الصورة بتاعة هدى وهي بتحضنني في القاعة على حيطة الطرقة جنب صور أمها الله يرحمها وجنب صور الفرح.. من غير مفاضلة، دي عيلتنا وده تاريخنا.
​وبعد سنتين، هدى كلمتني من السوبرماركت وهي بتعيط من الفرحة وبتعلمني إنها حامل، ولما جابت بنوتة، سمتها “أمل هدى” (على اسم أمها).. وقالت لي في المستشفى: “أنتِ طبعاً تيتة جيهان.. تيتة هدى في الحكايات والقصص، وتيتة جيهان معانا في الأوضة وبتشيل وتربي.”
​وفي الآخر، دبابيس اللؤلؤ رجعت تاني في درج شقتي، بس المرة دي جنبها صور الأم، وصور العروسة، وصورتي وأنا لابسة الوردة البيضا..
​أنا عمري ما حاولت أخد مكان حد.. أنا بس فضلت واقفة في مكاني بثبات وحب، لحد ما المكان نفسه كبر وشالنا كلنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *