بعد 37 سنة جواز
بعد سبعة وتلاتين سنة جواز، كل حاجة انتهت بيني وبين هشام في المحكمة هنا في القاهرة. ورق الطلاق اتوقع، القاضي خلص كلامه، وهشام كان بيتعامل كأنه لسه مخلص اجتماع شغل عادي جداً.
وقف في الطرقات، طلع كارت بنك من محفظته، وزقه في إيدي:
“خدي.. ده هيعيشك كام شهر.”
قالها من غير أي مشكلة، من غير ولا نَفَس إحساس.
ولا اعتذار.
ولا شكراً.
ولا كلمة واحدة عن السنين اللي قضيتها أربي عيالنا، وألم شمل البيت، وأفتكر كل عيد ميلاد، وكل ميعاد دكتور، وكل فواتير، ووقوفي جنبه خطوة بخطوة وهو بيبني العز اللي نسبه لنفسه بكل فخر.
بالنسبة لهشام، أنا مكنتش مراته خلاص.. أنا كنت مجرد “مصروف أخير” لازم يتطرد من حسابه.
ركب الأسانسير ومبصش ورا حتى.
أنا بصيت للباب وهو بيقفل، فردت ضهري، ومشيت من غير ما أنادي عليه ولا أقول كلمة.
بعد الطلاق، أجرت أوضة صغيرة فوق سطوح بيت قديم في حارة في شبرا. المطبخ والحمام كانوا على قد الحال، بس المكان كان بتاعي.
بقيت أطلع أنظف بيوت طول الأسبوع.
وفي الويك إند، أروح أخدم ست كبيرة محتاجة حد يشيلها ويحطها.
ولما الدنيا تزنق أوي، كنت ألم أزاز بلاستيك وعلب صفيح وأبيعها عشان أشتري عيش وجبنة.
وكانت بتيجي عليا ليالي، عشيا يبقى شوية بقسماط متذوبين في مية مغلية عشان ممعيش أصرف جنيه زيادة.
ورغم كل ده.. عمري ما مديت إيدي للكارت ده.
ولا لما جزمتي اتقطعت.
ولا لما كنت بفوت وجبات باليومين.
ولا لما كنت بشيل هم النور هيتقطع متى عشان الفاتورة.
يمكن كان كبرياء.
يمكن رفضت أسيب هشام يحدد إن سبعة وتلاتين سنة جواز قيمتهم تلاتة تلاف دولار.
عيالي كانوا بيحاولوا يساعدوا على قد ما يقدروا.
مريم كانت تبعتلي كروت مشتريات للسوبرماركت.
وأحمد كان يدفعلي فاتورة التليفون من غير ما يقولي، وأكتشف بالصدفة.
كل ما يسألوني: “أنتِ كويسة يا أمي؟”
أبتسم وأقول: “أنا فل وزي الفل يا حبايب قلبي.”
كنت بكره أداري عليهم، بس هم عندهم بيوت وعيال وأقساط ومسؤوليات. مكنتش هقبل أكون حمل تاني على كتافهم.
لحد ما كل حاجة اتقلبت الأسبوع اللي فات.
وقعت وأنا طالعة على السلم في العمارة.
ولما فقت في المستشفى، الدكتور بص في عيني وش وش:
“أنتِ كدة بتهملي في نفسك يا حجة.. لو م بدأتيش العلاج ده فوراً، الموضوع يدخل في جد ويبقى خطير جداً.”
في الليلة دي، فتحت الكرتونة القديمة اللي شايالة فيها البواقي اللي فاضلالي من الدنيا.
شهادة ميلادي.
ورق الطلاق.
صور عيالي وهم صغيرين.
والظرف المتبهدل اللي جوة كارت البنك بتاع هشام.
ولأول مرة من خمس سنين، اعترفت بيني وبين نفسي بحاجة.
الفلوس دي مفيهاش كبرياء خلاص.
دي بقت ثمن دوا.
دي فرصة ثانية عشان أعيش.
تاني يوم الصبح، ركبت الاتوبيس وطلعت على الفرع الرئيسي للبنك في وسط البلد.
قلبي كان بيدق زي الطبولة مع كل محطة.
ولما جه دوري، زقيت الكارت من تحت الإزاز:
“لو سمحتي، عايزة أسحب كل المبلغ اللي فيه.”
الموظفة الصغار ابتسمت بذوق وبدأت تكتك على الكيبورد.
بعد ثواني.. الابتسامة اختفت من وشها.
بصت للشاشة تاني.
مسكت الكارت وفحصته.
قارنت الاسم بالبطاقة الشخصية بتاعتي.
وبعدين بلعت ريقها بالعافية.
” يا حجة…”
قربت من الإزاز أكتر:
“خير يا بنتي؟ في حاجة غلط؟”
”الحساب ده مفيش فيه تلاتة تلاف دولار…”
الكلمة نزل عليا زي مية تلغ.
“يعني إيه؟ مال فيه كام؟”
بدال ما ترد عليا، بصت ناحية مكتب زجاج جوة:
“أنا لازم أنادي للمدير.”
بطني اتعصرت.
وفكري راح لبعيد.. هو معقول هشام سحب الفلوس من سنين عشان يذلني وياخد مني أخر أمل؟
بعد دقايق، مدير الفرع خرج وجاي ناحيتي ومسك في إيده ظرف مقفول بختم البنك.
ما نطقش ولا كلمة.
حط الظرف بالراحة جنب الكارت على الرخامة.
أنا اتسمرت في مكاني.
اسمي الثلاثي كان مكتوب بخط إيد أعرفه كويس جداً.
خط هشام.
وأنا بصة للظرف، كل الأفكار والظنون ضربت في دماغي..
مهما كان السر اللي هشام خباه عليا طول السنين دي…
الموضوع عمره ما كان مجرد تلاتة تلاف دولار.
المديرة سحبت الكرسي اللي جنب مكتبها وقالت بأسلوب هادي:
“يا حجة سناء… قبل ما تفتحي الظرف ده، لازم تفهمي حاجة مهمة. الحساب ده محدش قربله ولا لمسه من خمس سنين.”
إيديا كانت بترتعش: “فيه كام؟”
لفت الشاشة ناحيتي.
أنا اتسمرت مكان وبصيت للرقم…
1,842,611.47 دولار.
في ثانية، الدنيا كلها اختفت من حولي.
همست بصوت مش طالع: “ده مستحيل…”
المديرة حطت إيدها على إيد: “الحساب ده اتفتح باسمك أنتِ وبس. وكانت بتنزل فيه إيداعات منتظمة من صندوق استثماري خاص، ده غير الأرباح والعوائد.”
بصيت تحت للظرف.
خط هشام كان باين غريب وفجأة مقتنعتش إنه خطه، كأنه راجل أنا عمري ما عرفته على حقيقته.
قطعت الختم وفتحت الظرف.
كان جواه ورقة واحدة.
سناء،
لو أنتِ بتقري الكلام ده دلوقتي، يبقى أخيرًا كبرياءك انهزم قدام الظروف والتعب.
أنتِ طول الخمس سنين اللي فاتوا فاكرة إني سبتك بتلاتة تلاف دولار بس.. أنا كان لازم أخليكي تعتقدي كدة. كان فيه ناس عينهم على كل جنيه يخصني وبيرقبوا كل حركة، ومكنتش أقدر أغامر إني أخليهم يكتشفوا الحساب ده.
وقفت قراية.
همست: “ناس؟ ناس مين؟”
ملامح المديرة اتغيرت.
قالتلي: “في حاجة تانية يا حجة.. أستاذ هشام زار الفرع ده الأسبوع اللي قبل طلاقكم علطول، وساب تعليمات صارمة إن الظرف ده ميتسلمش ليكي غير لما تيجي بنفسك تحاولي تسحبي من الكارت.”
جبرت نفسي أرجع أكمل قراية.
الفلوس دي بتاعتك أنتِ.. وكانت طول عمرها بتاعتك.
بس إياكي تتصلي بالعيال. متكلمنيش أنا شخصيًا. وتحت أي ظرف من الظروف إياكي ترجعي لفيلا المعادي.
نَفَسي اتقطع.
الفيلا دي اتباعت من تلت سنين!
على الأقل ده الكلام اللي هشام أعلنه وقاله للكل وقتها…
في أخر الورقة تحت، كان مكتوب جملة أخيرة بخط أتقل وحبر غامق:
لو لقيتي الرصيد معدي المليون دولار.. يبقى أنا فشلت إني أوقفهم.
في اللحظة دي، خيال عدى من ورا القزاز بتاع مكتب المديرة.
راجل باين عليه الهيبة ولابس بالطو رمادي غامق كان واقف برة المكتب، وعينه عليا مباشرة.
وش المديرة اتخطف وبقت بيضا زي اللوح.
همستلي بصوت واطي جدًا: “الراجل ده بيجي هنا البنك كل شهر.. وكان دايماً بيسأل سؤال واحد: هي استخدمت الكارت ولا لسه؟”
الراجل الغريب ده ابتسم ابتسامة باردة.
وبعدين بالراحة خالص، رفع صورة وحطها على القزاز من برة عشان أشوفها.
كانت صورة هشام.. واقف جنب بنتي مريم!
والتاريخ المطبوع في زاوية الصورة تحت كان تاريخ إمبارح بس.
تفتكري مين الراجل ده؟ وهل هشام ومريم في خطر بجد؟
دمي اتجمد في عروقي وأنا بصة للصورة. مريم بنتي واقفة جنب هشام، وملامحها مرعوبة، والراجل اللي برة واقف يبتسم بتشفي، كأنه بيوصل لي رسالة: “أنتم كلكم تحت إيدي.”
المديرة مسكت التليفون بالراحة عشان تطلب أمن البنك، بس الراجل اللي برة شاور بإيده بتهديد واضح، وشاور على جيبه.. حركة يفهمها أي حد: معايا س/لاح.
هزيت رأسي للمديرة بالرفض عشان محطش حياة حد في خطر، ولميت الورقة والكارت ورجعتهم الظرف بسرعة.
الراجل مشي خطوات ببطء ناحية باب البنك ووقف مستنيني برة. طلعت وراه ورجليا مش شايالاني. أول ما خرجت للشارع، قرب مني وقال بصوت واطي وبارد:
“يا أهلاً يا حجة سناء.. أخيرًا شرفتي واستخدمتي الكارت؟ خمس سنين وإحنا مستنيين اللحظة دي.”
مسكت نفسي بالعافية وقلتله:
“أنت مين؟ وعايز إيه من بنتي وهشام؟”
ضحك بصوت واطي وقال:
“هشام جوزك افتكر إنه أذكى مننا. من خمس سنين حط إيده في شغل مع ناس كبار أوي في الس/لاح وغسيل الأموال، ولما زنقوه، عمل لعبة الطلاق التمثيلية دي عشان يهرب الفلوس باسمك أنتِ، لأنه عارف إن محدش هيدور ورا ست كبيرة غلبانة شغالين ينظفوا بيوت في شبرا.”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. هشام مكنش بيكرهني.. هشام كان بيحميني وبيعلم لعبة كبيرة عشان يغفلهم!
كمل الراجل كلامه:
“هشام كان فاكر إنه هيهرب بالفلوس، بس إحنا جيبناه من شهر، وبنتك مريم معانا من إمبارح بس. الفلوس اللي في البنك دي بتاعت المؤسسة، وهتوصلنا للحساب بتاعنا دلوقتي حالا، يا إما مريم وهشام مش هيطلع عليهم صبح.”
في اللحظة دي، افتكرت الجملة اللي هشام كتبها في أخر الجواب:
(لو لقيتي الرصيد معدي المليون دولار.. يبقى أنا فشلت إني أوقفهم).
فهمت اللعبة. هشام حط شرط في الصندوق الاستثماري: لو الرصيد تجاوز المليون، معناه إن الأرباح الحرام كبرت والشبكة كبرت، وفي الحالة دي، الحساب بيتبلغ عنه تلقائياً لمكافحة أموال الدولة والأمن الوطني مجرد ما يتعمل سحب كلي!
بصيت للراجل بثبات وقالتله:
“الفلوس جاهزة وتحت أمرك.. بس لازم أدخل معاك البنك نوقع على تحويل مبشر للحساب اللي عايزه عشان المبلغ كبير ومينفعش يتعمل كاش.”
دخل معايا البنك وهو فاكر إنه سيطر على كل حاجة، وأول ما قعدنا قدام المديرة، كتبت رقم الحساب اللي هو ملاهولي، بس وأنا بوقع، كتبت كود طوارئ هشام كان محدده في عقد الحساب القديم للعمليات المشبوهة.
في أقل من خمس دقايق، والراجل قاعد مستني التحويل يكمل بكل غرور، البنك اتطوق بالكامل من رجال الشرطة والمباحث. الراجل اتفاجئ والمكان اتقلب، وتم القبض عليه في ثواني قبل ما يلحق يتحرك.
عن طريق تليفون الراجل والموقع الجغرافي، القوات تحركت فوراً على مكان مهجور في ضواحي طريق السويس، وقدروا يفكوا أسر مريم وهشام.
بعدها بساعات، كنت قاعدة في قسم الشرطة. هشام دخل عليا، كان شكله تعبان، كبر عشر سنين في الخمس سنين اللي فاتوا. أول ما شافني، نزل على ركبه ودعك وشه في إيديا وهو بيبكي زي الأطفال:
“سامحيني يا سناء.. كان لازم أبان قاسي وأذكي عشان أبعدهم عنك.. مكنش قدامي حل تاني لحمايتكم.”
بصيت له ودموعي نازلة، بس المرة دي مكنتش دموع قهر.. كانت دموع نهاية كابوس طويل عاش معايا خمس سنين.
أخدت بنتي في حضني، وعرفت إن السبعة وتلاتين سنة جواز مكنوش كدبة، وإن القسوة اللي ظهرت في المحكمة كانت أقصى درجات التضحية عشان أنجى بفي حياتي وحياة عيالي.
تفتكري سناء مفروض ترجع لهشام بعد كل اللي حصل ده وتسامحه على السنين اللي عاشتها في فقر وتعب، ولا تبدأ حياتها الجديدة بالفلوس بعيد عنه؟