مفتاح شقتي
حصري لصفحة روايات رولا
كنت واقفة على الممر اللي قدام باب شقتي، الهدوم مبلولة والبرد ماسك في الجاكت الصوف، وإيدي بترعش وأنا بدور على المفاتيح في الشنطة. كعب جزمتي كان بيوجعني وكأني ماشية على مسامير، بس تحت كل التعب والهدان ده، كان فيه شعور بالانتصار طاير بيا في السحاب.
أنا، ميرا البنهاوي، لسه حالاً مخلصة صفقة الاستحواذ على شركة “الهواري”.. الصفقة دي طيرت من عيني النوم لأسابيع، وراحت فيها راحتي وأعصابي، بس أخيرًا تمت! وعشان أحتفل،عديت على محل عصائر ومشروبات راقي في زمالك واشتريت أزازة عصير عنب فاخرة ومخصوصة—دلع غالي، بس أنا الليلة دي أستاهل. كنت أستاهل كمان الهدوء التام، ودش دافي، وأحضر نفسي في صمت لاجتماع الفيديو المهم جداً الساعة 6 الصبح مع شركائنا في طوكيو عشان نوقع العقود النهائية.
حطيت المفتاح النحاس في الكالون، وأنا متلهفة لرحية بيتي اللي حفظاها: ريحة العود الخفيف، واللافندر، والنظافة بتاعة مكان ملكي أنا وبس.
الباب اتفتح، وبدل الهدوء اللي مستنياه، خبط في وشي سور من الضوضاء وريحة أكل مقلي وتقيل صدمتني زي الكف!
لثواني اتلخبطت وفكرت إني فتحت شقة غلط! بس لا، دي جزامة المدخل بتاعتي.. بس المره دي كانت مدفونة تحت مظلات مبلولة وكوم جزم وبواتات طين. صريخ دوشة وزعيق أطفال جاي من الصالة، وراه صوت جري بهبد على الأرضية الباركيه النظيفة.
هو إيه اللي بيحصل هنا؟
دخلت خطوتين، وشنطة اللاب توب الجلد بدأت تتسحلت من على كتفي. أول ما لفيت ودخلت على الريسيبشن السفرة المفتوحين، نفسي اتطمع وبقي مش عارفة آخده.
المكان اتغير تماماً لدرجة ما تتعرفش! الأنتريه الأوف وايت اللي قعدت أجمع في تمنه شهور، كان ممتلي جاكتات مرمية وكياس شيبسي مفتوحة ومكبوبة. طفلين صغيرين عرفت بالعافية إنهم ولاد اخت جوزي، كانوا بيلعبوا استخباية وبيجروا ورا بعض وإيديهم المليانة زيت ومقالي أكل متبصمة على العفش!
بس ترابيزة السفرة هي اللي جابتلي نقطة وجمّدت الدم في عروقي.. الترابيزة دي أوركيد أرو قديمة، قعدت أنا وبابا الله يرحمه 3 شهور بنثقلها ونرمم فيها بيدينا.. كانت قطعة الفن في بيتي، والذكرى الحية من الراجل اللي علمني قيمة القرش والتعب. دلوقتي؟ بقت مليانة أطباق فوم ورقية رخيصة، وعلب كانز متفعصة، وبقع عصير دالق ومسلوع. وفي واحد بكل بجاحة رمى حزام بكتف حديد تقيل على الخشب، فعلم خط حفر أبيض وغويط في الخشب الملمع!
جزيت على سناني والوجع في قلبي. عيني لفت على الحيطة تدور على اللوحة المودرن الزرقاء الكبيرة اللي صاحبتي الانتيم سارة كانت رسمتهالي لما اشتريت الشقة دي.. اللوحة دي كانت راحة بالي وأماني.
وهناك، في نص اللوحة بالضبط، كان فيه بصمة إيد كاملة مليانة زفر وبقع زيت!
قلبي بدا يدق زي الطبول في صدري. رميت المفاتيح على الرخامة، وصوت الرنة المكتومة اتمسح وسط صوت التلفزيون اللي شغال على أعلى صوت على برنامج مسابقات شعبية.
وقبل ما ألحق أستوعب إهانة بيتي وملاذي، لمح حركة في الطرقة.. حاجتي الشخصية—كومة من بلوفراتي الكشمير المفضلة، وأجندتي الجلد، وملايات السرير الحرير الغالية—كلهم متكومين برطشة وبطريقة تهين على أرضية الطرقة!
وبعدين، طلعت ست عمري ما شفتها قبل كده، لابسة جلابية بيتي دبلانة، طالعة من أوضة النوم الماستر—أوضتي أنا!—وبتمسح وشها بفوطتي القطن المخصوصة اللي متطرز عليها حرفي.
”أوه كويس، جيتي أهو،” صوت حماتي، ماجدة، طلع بجهورية من المطبخ وهي بتمسح إيدها في فوطة المطبخ، وعينيها بتتفحص البدلة الفاخرة اللي أنا لابساها بنظرات استحقار وبجاحة مش مستتيرة.
”إيه اللي موقفك عندك زي الصنم؟” ماجدة قالتها بصوت طافح بالسيطرة: “انزلي على المطبخ يلا.. العيلة جعانة ومستنيين بقالنا ساعات!”
بجاحة الطلب شلتني في مكاني، بس أول ما سمعت خطوات رجلي جوزي الثقيلة وهو نازل على السلم، فهمت إن الكابوس ده يلا دوبك بيبدأ.