مراتي قالت مش مشكلتي
أول ما مراتي قالتلي: “مش مشكلتي”، كانت أمي اللي عندها 82 سنة واقفة عند باب البيت وشايلة شنطة المستشفى بإيديها الاتنين.
فاضل على معاد الدكتور أربعين دقيقة.
عربيتي في الورشة بتتصلح.
والعربية الوحيدة الشغالة في الجاراج كانت العربية الجيب اللي مفاتيحها في إيد نورهان.
لثانية واحدة، حسيت بجد إني فهمت كلامها غلط.
بصيت لنورهان وبعدين لأمي، ورجعت بصيت لنورهان تاني.
“أنتي قلتي إيه؟”
نورهان شفطت شفطة ثانية ببطء من الآيس كوفي بتاعها.
كانت لابسة ولابسة لفرُوج برانش—بنطلون يوجا أسود، وكوتشي أبيض بيبرق، ونظارة شمس كبيرة مرفوعة على رأسها. وأمي واقفة قصادها بالكارديجان الأزرق الصوف بتاعها المتقفل بعناية، ومستمسكة بشنطتها على صدرها.
نورهان هزت كتفها.
“قلت إن دي مش مشكلتي.”
البيت كله كأنه وقف نفس.
صوابع أمي اتشنجت على إيد شنطة المستشفى.
بحلقْت في مراتي.
“دي محتاجة تروح المستشفى بسرعة.”
نورهان قلبت عينيها كأني بطلب منها تكنسل سفرية مش بطلب استعير العربية عشان مشوار مستشفى.
“يبقى اطلب لها حد يوديها.”
مسكت شنطتها الماركة من على رخامة المطبخ.
“أنا طالعة أفطر مع أصحابي في المعادي.”
في اللحظة دي أمي وّطت عينيها في الأرض.
وداه بالذات وجعني أكتَر من أي كلمة نورهان قالتها.
أمي كانت صاحية من الساعة خمسة الصبح.
عارف عشان لما دخلت المطبخ الساعة ستة، كانت خلاص لابسة أحسن كارديجان أزرق عندها، وشعرها الفضي متسرح بعناية، وبتمثل إنها مش متوترة ولا حاجة.
إحنا بقالنا تلات شهور مستنيين معاد الدكتور الاستشاري ده.
تلات شهور تحاليل وأشعة.
تلات شهور من الشك والحيرة.
تلات شهور وأمي مصممة إنها “زي الفل” كل ما ألمحها سرحانة وبتطول البص في النتيجة.
ورغم كل ده، قضت جزء من السهرة إمبارح بتعمل كيكة موز.
عشان نورهان.
عشان من كام شهر، نورهان قالت بلسانها كده بالصدفة إنها بتحب كيكة الموز بتاعة أمي.
أمي حتى غلفت قطعة زيادة بفويل الصبح ده.
“عشان لو نورهان أحبت تفطر بيها”، ده اللي أمي قالته.
ودلوقتي قطعة الكيكة المتروقة بالفويل لسة مركونة محدش لمسها على رخامة المطبخ.
نورهان حتى مبصتلهاش.
بصتلي أنا بدالها.
“أنت دايماً بتعمل كده يا طارق.”
“بعمل إيه؟”
“بتخلي مشاكل أمك مشاكلي أنا.”
وش أمي اتغير حاجة بسيطة.
يا دوبك تتلاحظ، نورهان مأخدتش بالها.
بس أنا أخدت بالي.
أنا بقالي سنين باخد بالي من التعبيرات الصغيرة دي.
أمي وهي بتحاول متظهرش رد فعل.
أمي وهي بتمثل إن فيه حاجة متوجعتهاش.
أمي وهي بتغير الموضوع كل ما نورهان ترمي كلمة دبش.
أمي وهي بتقولي متقلقش عشان مش عايزة تعملي مشاكل في جوازتي.
وأنا واقف الصبح ده، فيه حاجة جوايا اتكسرت وأخيراً.
مش بصوت عالي.
ولا بدارما.
كانت أهدى وأوضح من كده.
سكون غريب.
زي حبل كنت ماسك فيه بقالي سنين وفجأة اتقطع، وبدل ما أقع، اكتشفت إني مش محتاج أشد فيه تاني خلاص.
هزيت رأسي مرة واحدة.
“تمام.”
نورهان برشت بعينيها.