اليوم اللي حماتي
اليوم اللي حماتي قالتلي فيه إن لازم أترفق وأتطلق لأن “الست اللي ما تقدرش تجيب لراجل عيل مالهاش لازمة وما تنفعش تعمل بيت”، كنت يادوب لسه مجهضة في الشهر التاني. جوزي كان قاعد على بعد أقل من مترين، شابك إيديه في بعض وعينيه متثبتة في الأرض. ما اعترضش على كلامها، ولا حتى بصلي.
في اللحظة دي فهمت حاجة وجعتني أكثر من الإهانة نفسها: إن أنا كنت لوحدي جوة جوازة من ثلاثة.
قضيت جزء كبير من حياتي وأنا بحاول أثبت إني أستاهل أكون موجودة في مكان. أبويا وأمي اتطلقوا وأنا صغيرة وكل واحد فيهم عمل عيلة جديدة. اللي ربتني كانت جدتي كريمة، ست إيديها خشنة من الشقا وكانت بتبيع طعمية وفول وجبنة على عربية قدام مدرسة إعدادي في طنطا. عمرها ما حسستني إني متسابة، بس أنا كبرت بخوف أهبل جوايا إن لو عملت مشاكل هي كمان ممكن تزهق مني وتسبني.
عشان كده اتعلمت بسرعة قوي إزاي أكنس، وأغسل، وأعمل رز، وأسبك المحشي والمسبكات، وأطبخ. وأنا عندي خمسطاشر سنة كنت أقدر أطبخ لعشرين بني آدم من غير ما أتلخبط. المطبخ كان أول مكان ما حسيتش فيه إن وجودي زيادة عن الحاجة.
درست سياحة وفنادق قسم مطبخ، وبعد ما اتخرجت دخلت أشتغل في مطعم الحجة فاطمة، وهي شيفة أكل شرقي وطباخة قديمة ولها اسمها ومحترمة جداً في البلد. بدأت بخرط البصل وتغسيل الحلل، بس هي لاحظت إني شاطرة ومعايا نَفَس حلو في الأكل، والمسبكات، والتتبيلات، والسلطات.
— أنتِ مش بتطبخي عشان تتظاهري —قالتلي في يوم بعد الظهر—. أنتِ بتطبخي عشان تحسسي الناس إن في حد بيهتم بيهم وبيرعاهم.
الجملة دي دخلت دماغي وما خرجتش منها أبداً.
بعدها بسنين اتعرفت على هاني، موظف في مديرية المالية، أصغر مني بسنتين. حبينا بعض بسرعة. أنا كنت عايزة أعمل عيلة واعمل بيت وهو كان باين عليه عايز نفس الحكاية، بس كل ما كنا نتكلم في موضوع الجواز كان بيغير السيرة. في الآخر اعترفلي بالسبب: أمه، عفاف، ناظرة مدرسة ثانوي بالخارج، ماكنتش شايفاني “من مستواهم”.
بالنسبة لها، أنا كنت “بنت شغالين في مطابخ ومتربية من غير أب وأم”، في حين إن ابنها معاه بكالوريوس، وواخد درجات وظيفة حكومية، ومتربي “تربية عالية”.
كنت عايزة أنهي العلاقات دي، وفعلاً نهيتها. بس هاني دخل في حالة نفسية وصدمة جامدة لدرجة إن أمه هي اللي جيت تدور عليا في الآخر، وعشان كانت خايفة تخسره، وافقت على الجوازة. بس طبعاً حطت شروط: هنعيش معاها على الأقل ثلاث سنين ولازم ندور على خلفة “فوراً”.
وافقت. دلوقتي أنا عارفة إني اختلقت بين السماح وبين القبول الحقيقي.
من أول شهر، عفاف كانت بتدقق في كل حاجة بعملها. لو كوباية اتنسيت على الترابيزة، تقول إن باين إن محدش علمك إزاي تديري بيت. لو رجعت تعبانة من المطعم، تسأل هي فايدة إيه يجيبوا نوسة “ريحتها طبيخ وقافلة” وهي مش عارفة حتى تخدم جوزها وتراعي بيته.
هاني عمره ما كان بيوقفها عند حدها.