كس.رت نظارتي
حصري لصفحة روايات رولا
“أختي كسرت نظارتي الصبح في اليوم اللي هدافع فيه عن رسالة الدكتوراه. ضحكت وقالتلي: ‘شكل كده مالكش نصيب وتفشل.’ أمي رمتلي بكرة سيلوتيب وقالت: ‘صلحها بنفسك.’ وأبويا قال: ‘خلاص هما بدأوا مناقشة من غيرك.’ ماناكشتش معاهم. بعدها بـ 10 دقائق، الدكتور المشرف عليا كان بيرزع على باب الشقة… وماكانش لوحده.
أختي كسرت نظارتي الساعة 8:07 الصبح، في اليوم اللي مفروض أدافع فيه عن أبحاث 5 سنين تعب. وقفت تبتسم وهي باصة على حتت النظارة المكسورة في حوض المطبخ وقالت: ‘شكل كده مالكش نصيب وتفشل.’
لثانية واحدة، محدش أتحرك من مكانه.
أمي كانت بتبتسم وهي بتدهن المربى على التوست. أبويا كان مأنتخ وبيقلب في تليفونه. وأختي ‘نهى’ كانت ساندة على الرخامة بالروب الحرير بتاعها، وشكلها مبسوطة من اللي عملته.
أنشهدت في الفريم المكسور اللي في إيدي. من غير النظارة، أي حاجة أبعد من متر قدامي بتبقى عبارة عن زغشلة وألوان سايحة في بعض.
أمي فتحت الدرج، طلعت بكرة سيلوتيب رمادي، وزقتها ناحيتي.
‘صلحها بنفسك.’
أبويا بص في الساعة وقال: ‘خلاص هما بدأوا مناقشة من غيرك.’
وهو ده كان الملعوب كله.
بقالي شهور ونهى هتموت وتفرقع إن بحث الدكتوراه بتاعي عامل ضجة وجاذب الانتباه. أنا كنت مطلع نموذج أشعة تشخيصي بتكلفة قليلة، يقدر يلقط مشاكل شبكية العين باستخدام أجهزة موجودة أصلاً في المستشفيات. الموضوع ماكانش فلاشي ومبهر، بس كان شغال وبيجيب من الآخر. وكان في مجموعتين مستشفيات كبيرة في القاهرة بيتكلموا عشان يطبقوا البرنامج، والمشرف بتاعي، دكتور ‘أحمد شاكر’، كان محذرني وقال لي: ‘أقفل على أوراقك وأبحاثك بالضبة والمفتاح لحد ما تعدي المناقشة.’
نهى عمرها ما اهتمت بشغلي، لحد ما عرفت إن في شركة تكنولوجيا طبية كبيرة احتمال تشتري حقوق الاختراع.
ومن ساعتها وبدأت تسأل أسئلة غريبة.
‘هو الموضوع ده ممكن يعمل كام؟’
‘مين اللي هيملك براءة الاختراع؟’
‘مش هتناب أخواتك وحبايبك حاجة؟’
من أسبوعين، دخلت أوضتي ولقيت درج المكتب مفتوح ومتقلب.
ومن يومها، ما بقتش أسيب أي حاجة مهمة في البيت.
مسكت بكرة السيلوتيب بس ما استخدمتهاش.
نهى ضحكت وقالت: ‘إيه؟ كبريائك يمنعك؟’
رديت عليها: ‘لا… بفكر بس.’
هي افتكرت الهدوء ده استسلام. كلهم افتكروا كده.
أبويا قام وقال: ‘كلم الكلية واعتذرلهم، يمكن يرضوا يحددولك ميعاد تاني الترم الجاي.’
نهى قالت بفرحة وشماتة: ‘الترم الجاي؟ والله كتر خيرهم أوي.’
تليفوني اختفى من على الشاحن اللي جنب الثلاجة.
بصيت لنهى.
ابتسامتها وسعت أكتر.
ساعتها تأكدت إن الموضوع مش مجرد قلة أدب ولا رخامة… دي تمثيلية متظبطة صح.
كانوا عايزين يعطلوني وأفوت المناقشة بأي طريقة.
بس اللي هما ماكنوش يعرفوه، إن أنا ودكتور ‘أحمد’ كنا عاملين حسابنا ومأمنين نفسنا تماماً ضد حاجة واحدة: ‘الغدر والتخريب.’
من 3 شهور، وبعد ما حصلت محاولة اختراق لأكاونت الجامعة بتاعي، دكتور أحمد أصر إني أنزل نظام طوارئ أوتوماتيكي. لو الساعة جت 7:45 الصبح في يوم المناقشة وأنا ما سجلتش حضور، السيستم بيبعت فوراً لوكيشن مكاني، والرسائل المتأرشفة، وتحذير سريع ليه ولمكتب نزاهة الأبحاث في جامعة القاهرة.
بصيت على الساعة.
8:09.
الإنذار كان خلاص وصلهم والسيستم اشتغل.
عشان كده، سحبت كرسي وقعدت.
نهى حواجبها اتعقدت واستغربت.
‘إيه؟ مش هتترعب وتجري؟’
شبكت إيديا في بعض وقلت:
‘لا… أنا أظن إن في حد تاني هو اللي هيترعب حالا.’… يتبع
الساعة 8:17، حد رزع على باب الشقة بقوة هزت براويز الصور المتعلّقة في الطرقة.
وش ‘نهى’ هو أول حاجة اتغيرت.
أبويا بص ناحية الباب وقال: “مين ده اللي بيرزع كده؟”
الرزع اتكرر تاني.
وصوت دكتور ‘أحمد شاكر’ يرن من برة: “افتح الباب يا ‘ميرا’!”
وش أمي اصفرّ.
قمت من مكاني بالراحة.
نهى وقفت قدامي: “أنتِ كلمتيه؟”
رديت: “تليفوني ضايع أساساً.”
عينيها راحت بسرعة ناحية جيب الروب بتاعها.
والحركة دي بالذات كانت كفيلة تفهم دكتور أحمد كل حاجة أول ما أبويا فتح الباب.
ماكانش لوحده.
كان واقف جنبه دكتورة ‘عبلة’ رئيسة لجنة النزاهة العلمية بالجامعة، وظابط أمن من الجامعة، والمقدم ‘رانيا’ من مباحث الإنترنت وجرائم المعلومات.
نهى ضحكت باستهزاء: “إيه الجنان والمهزلة دي!”
دكتور أحمد اتخطاها بعينيه ولمح النظارة المكسورة على رخامة المطبخ.
وشه قفل وصرّ على سنانه.
“فين تليفون ميرا؟”
محدش نطق.
المقدم رانيا قالت بصوت هادي بس يخوف: “النهارده الصبح، حصلت محاولة لدخول قاعدة بيانات الجامعة باستخدام بيانات الدكتورة ميرا من العنوان ده.”
ابتسامة نهى اختفت تماماً.
أنا ماكنتش لسه بقيت “دكتورة ميرا”، بس فهمت ليه المقدم رانيا استخدمت اللقب ده… كانت بتوصل رسالة واضحة مين في البيت ده اللي له قيمة وشغله يتوزن بالدهب.
أبويا حاول يلم الموضوع: “أكيد في غلظة أو سوء فهم.”
دكتورة عبلة ردت حاسمة: “أغلاط كتير أوي حصلت… ومنها محاولة نقل ملفات وسرقة أبحاث سرية لحساب أكونت متوصل برقم الأنسة نهى.”
أمي مسكت في الرخامة من الصدمة.
نهى برقتلي وقالت: “أنتِ اللي عملتيلي فخ!”
“لا.”
“أنتِ كنتِ عارفة!”
“كنت شاكة.”
نهى اتحدفت على بكرة السيلوتيب كأنها فجأة محتاجة تشغل إيديها بأي حاجة.
دكتور أحمد قرب مني: “ميرا، شايفة كويس تمشي معانا؟”
“مش أوي بصراحة.”
شاور لظابط الأمن، فطلع من جيبه جراب نظارة ناشف وإداني إياه.
جواه كانت النظارة الاحتياطي بتاعتي.
نهى اتصدمت.
لبستها، وكل حاجة في الشقة رجعت واضحة ومجسمة قدام عيني.
قلت ببرود: “أنا شايلة نظارة بديلة دايماً في المعمل بتاعي، ودكتور أحمد جابها معاه.”
دي كانت أول مفاجأة في الوش.
المفاجأة التانية جت لما المقدم رانيا طلبت من نهى تطلع تليفوني.
رفضت.
في نفس اللحظة التليفون رن جوه جيب الروب بتاعها.
محدش قدر ينطق بكلمة.
طلعت التليفون من جيبها.
أبويا طقس بصوت واطي: “نهى…”
صوتها حدّ وأتعصب: “أنا كنت بحاول أساعدها! دي كانت هتبصم وتتنازل عن كل حاجة للجامعة وماتستفيدش بمليم!”
رديت عليها: “الملكية الفكرية والتراخيص مابتشتغلش بالطريقة الجاهلة دي.”
أمي اتنطرت عليا: “ماتتنكايش وتتكلمي بقرف!”
دكتور أحمد بص لأمي وقال: “مناقشة الدكتوراه بتاعة بنتك اتعطلت وتأخرت عشان في حد في البيت ده سرق تليفونها، وكسر أداة طبية بتشوف بيها، وحاول يسرق أبحاث علمية محمية.”
أمي ردت بجبن: “دي مجرد نظارة اتكسرت!”
قلت لها: “لا يا أمي… دي أحراز وأدلة جريمية.”
عينين نهى اتملت غل وكره.
وساعتها عملت الغلطة اللي طيرت رقبتها ودمرتها خالص.
شاورت عليا وزعقت: “فاكرة نفسك ذكية يعني عشان في شركة طمعانة في الأبلكيشن بتاعك؟ أنا خلاص بعتّ الملفات لحد بيدفع كاش وهيخلص معانا!”
السكوت اللي جه بعد جملتها كان يرعب.
المقدم رانيا مالت برأسها وقالت: “معانا؟”
نهى اتسمرت مكانها.
أبويا غمض عينيه وحط إيده على وشه.
خلاص… الاعتراف اللي محدش تعب عشان يطلعه، هي قالت بنفسها.
الشرطة ماقبضتش على نهى في ساعتها.
ثبّتوا كل حاجة وسجلوا الواقعة.
صوروا النظارة المكسورة. حطوا تليفوني في حرز. سحبوا سجلات الدخول على النت. والأيميل اللي نهى بعتته اتتتبع وطلع رايح لسمسار أبحاث شغال لحساب شركة منافسة كانت بتحاول تلتف على مكتب التكنولوجيا في جامعة القاهرة.
بعدها أبويا عمل غلطة تانية.
طلب محامي فوراً قبل ما حد يوجهله اتهام رسمي.
المقدم رانيا سألته: “وطالما بريء، مستعجل على المحامي ليه؟”
ماعرفش يرد.
على ظهر اليوم، كل حاجة كانت واضحة في الرسائل المتأرشفة.
بقالهم 6 أسابيع أبويا بيوز نهى وبيخطط معاها. كان شايف إن طالما صرف عليا في دراستي، يبقى من حقه وياخد نسبة من أي اختراع أطلعه. أمي كانت عارفة وبتمهد الجو وتعمل دوشة عشان نهى تقلب أوضتي وتسحب الملفات. وكسر النظارة الصبح كان خطتهم الأخيرة عشان يعطلوني عن المناقشة، وفي الكام ساعة دول نهى تبعت بقية أوراق البحث وتبيعها.
فاكرين إن لما يفوتني ميعاد المناقشة هضعف وأستسلم.
بس كل اللي حصل إن المناقشة اتأجلت 43 دقيقة بس.
اللجنة اجتمعت تاني بعد الظهر في الكلية.
ودكتور أحمد كان قاعد جنبي.
إيديا اترعشت مرة واحدة قبل ما أبدأ اتكلم… وبعدها ثبتت.
لمدة ساعتين، رديت على كل سؤال وكل تفصيلة:
طريقة البحث.
نسبة الخطأ.
التجارب والنتائج.
الحالات اللي ممكن تفشل.
الاستخدام العملي في المستشفيات.
والتكلفة.
أول ما دكتورة عبلة ابتسمت، فهمت إنها خلصت خلاص.
“ألف مبروك يا دكتورة ميرا.”
مادمعتش ولا عيطت غير لما خرجت للطرقة برة.
الجامعة رفعت قضايا رسمية. والشركة اللي استلمت الملفات المسروقة طردت السمسار وتعاونت مع النيابة. وبسبب إن الملفات اللي نهى سحبتها كانت مجرد نسخ تجريبية متفركة وعليها علامات مائية، مافيش أي كود أو بحث حقيقي اتسرب برة الجامعة.
وده كان كارت القوة المستخبى عندي.
من أسابيع، ولما حسيت إن في حركة غريبة وتفتيش في أوضتي، مسحت كل الملفات الحقيقية من على الجهاز، وحطيت مكانها نسخ تمويهية. النموذج الأصلي والبرنامج الحقيقي كان مرفع على سيرفر مشفر بيحتاج بصمتي وتأكيد بخطوتين عشان يتفتح.
نهى ما سرقتش غير قشور.
والحاجة الوحيدة اللي كشفتها وضيعتها كانت نفسها.
اتوجهت لنهى تهم اختراق إلكتروني، وسرقة، وتآكل لارتكاب ج/ريمة. وأبويا اتوجهتله تهم الاشتراك في سرقة أسرار تجارية. أمي نفدت من التهم الثقيلة، بس الرسائل بصوتها كانت كفيلة تفضح دورها، وشالوها من مجلس إدارة إحدى الجمعيات الخيرية في المنطقة بعد ما الفضيحة انتشرت.
أنا مااحتفلتش.
أنا بس بطّلت أحميهم من نتيجة أفعالهم.
بعد 6 شهور، نقلت في شقة جديدة جنّب المستشفى اللي بدأنا فيها المشروع التجريبي. أول دفعة فلوس من ترخيص الاختراع كانت معقولة، بس كانت بتاعتي أنا، بالترخيص القانوني من الجامعة والشركة اللي أسستها مع اتنين زمايلي باحثين.
اشتريت 3 نظارات جداد:
واحدة في الشقة.
واحدة في مكتبي بالكلية.
واحدة دايماً في شنطتي.
قبل جلسة الحكم، نهى بعتتلي جواب:
“أنتِ خربتي البيوت ودمرتي العيلة.”
قريت الجواب مرة واحدة، ورميته في الزبالة.
بعد سنة من يوم المناقشة، السيستم بتاعنا ساعد وحدة صحية في قرية في الصعيد إنها تكتشف مرض في شبكية عين طفل في أوله، وأنقذوا بصره قبل ما يروح.
دكتور أحمد بعتلي التقرير ومكتوب تحته كلمة واحدة:
“تستاهل تعابك والدفاع عنها.”
وقفت جنّب شباك مكتبي، وبصيت على شوارع القاهرة والزحمة، وكل حاجة قدام عيني واضحة ومتبتة بالملي.
لسنين طويلة، أهلي افتكروا إن هدوء وسكوتي ضعف وخيبة.
كانوا غلطانين.
أنا مادمرتهمش…
أنا بس سبتهم يلبسوا في الحيطة ويتواجهوا مع الحقيقة من غير ما أقف في النص أحميهم.