لو مراتي كانت ست كاملة

حصري لصفحة روايات رولا
—لو مراتي كانت ست كاملة، كان زمان عندي ابن دلوقتي وماكنتش اضطريت أطلع كمية الأعذار دي كلها.
​كلام إبراهيم الدالي اتسمع في وسط المطعم العائلي اللي كانوا بيحتفلوا فيه بعيد ميلاد أمه. ناس كتير سكتت وبطلت كلام. مريم كمال حطت الكوباية بالراحه على الترابيزة وبصت للراجل اللي عاشت معاه اتناشر سنة جواز.
​إبراهيم كان مبتسم كأنه لسه كسبان مناقشة.
​جنبه كانت قاعدة شيرين فهمي، الست اللي مريم كانت بتعتبرها صاحبتها الجدعة لمدة عشر سنين تقريباً. شيرين كانت أكتر واحدة وقفت جنبها لما بدأت تطلع تحاليل عدم الخلفات. كانت بتجيب لها أكل بعد العمليات، وتروح معاها للعيادات، وتفضل تقول لها إن هيجي يوم ويبقى عندها بيبي.
​دلوقتي كانت قاعدة جنب جوزها.
​وحاطة إيدها على بطنها وهي حامل في الشهر السابع.
​—أفتكر كده كفاية أوي يا إبراهيم —مريم قالتها بكل هدوء.
​—كفاية؟ أهلي من حقهم يعرفوا الحقيقة. الكل عارف قد إيه اتعذبنا بسبب مشكلتك.
​أم إبراهيم وّطت عينها في الأرض وهي متضايقة، بس ما ردتش عليه ولا وقفته.
​على مدار سنين، مريم كانت بتسمع نفس النغمة: إنها هي السبب إن الجوازة مش ماشية. إن البيت اللي من غير عيال بيبقى ناقص. إن الست لازم تعمل كل اللي تقدر عليه عشان تدي جوزها عيلة.
​وهي حاولت.
​راحت لعيادات في المهندسين، وزايد، ومصر الجديدة. خدت أدوية هرمونات، وعدت بإجراءات وجراحات موجعة، وكانت بتاخد أجازات من شغلها عشان تلاحق على مواعيد الدكاترة.
​إبراهيم كان دايماً يقول:
​—أنا سليم ومافييش حاجة. الرجالة مابيبقاش عندها المشاكل دي.
​والدكاترة ماكنوش بيضغطوا عليه أوي عشان هو كان بيمشي كلمته وجاي واثق إنه مش محتاج يعمل أي فحوصات.
​مريم صدقت في الآخر إن جسمها هو اللي فيه المشكلة.
​بس في حاجات اتغيرت في الشهور الأخيرة.
​بعد الطلاق، اللي حصل من ست شهور، مريم جابت محامية اسمها سارة جاد عشان تراجع شوية أوراق وثائق. وقت الانفصال، إبراهيم صرّح إنه ماليش أي أملاك مستاهلة، مجرد مشروع صغير وعليه ديون.
​سارة اكتشفت حاجة تانيه خالص.
​كان فيه حسابات بنكية مريم ماتعرفش عنها حاجة، تحويلات فلوس لشركات متسجلة باسم قرايبه، وشراء شقة في التجمع الخامس عمرها ما ظهرت في تقسيم الأملاك.
​—إبراهيم خبى أملاك كتير وقت الجواز —سارة شرحت لها—. بس فيه حاجة أغرب من كده كمان.
​المحامية ورّتها حبة أوراق.
​كانت إيصالات مدفوعة من ثمان سنين لعيادة خصوبة وذكورة.
​مريم استغربت واستعجبت.
​—ليه يدفع لعيادة ذكورة وهو كان دايماً يقول إن أنا اللي عندي المشكلة؟
​سارة ما ردتش علطول.
​—عشان غالباً كان عارف حاجة وعمره ما قالها لك.
​في المطعم، إبراهيم كان لسه مستمر في كلامه.
​—دلوقتي أنا وشيرين هنبني العيلة اللي طول عمري بتمنّاها.
​مريم بصت لشيرين. كانت مستنية تشوف نظرة غرور، بس شافت حاجة تانية. الست كانت خايفة تبص في عين حد. كانت ضاغطة على صوابعها جامد على الترابيزة وبتبص في تليفونها كل شوية.
​كان باين عليها المرعوبة.
​—أنتي كويسة يا شيرين؟ —مريم سألتها.
​إبراهيم رد قبل ما هي تنطق.
​—ما تبدأيش بdrاماتك وعمايلك دي.
​—أنا بسأل شيرين.
​شيرين فتحت بقها، بس ما طلعتش كلمة.
​في اللحظة دي وصل مسج على تليفون مريم.
​كانت سارة.
​”لقيت الراجل اللي اسمه طالع في التحاليل القديمة. واقف بره المطعم. بيقول محتاج يتكلم معاكي قبل ما يمسحوا أو يدمروا بقية الأدلة.”
​مريم رفعت راسها.
​—فيه إيه؟ —إبراهيم سأل.
​—ولا حاجة.
​ولأول مرة من سنين طويلة، مريم ما خافتش إنها تسكت.
​باب المطعم اتفتح.
​دخل راجل عنده حوالي أربعين سنة وفي إيده ملف. مشي على طول ناحية الترابيزة.
​وش شيرين جاب ألوان واصفرّت خالص.
​—مش ممكن…
​الراجل بص للست الحامل.
​—شيرين، أنتي قلتي لي إن ابننا مات.
​محدش اتكلم.
​إبراهيم قام وقف.
​—أنت مين أنت؟
​الراجل حط الملف على الترابيزة.
​—أنا اسمي طارق عز. من سنتين كان فيه بيني وبين شيرين علاقة. حملت مني وقالت لي إنها أجهضت واللي في بطنها مات.
​بص لبطن شيرين.
​—بس من ثلاث أسابيع شفت لها صورة نازلة وهي حامل وطالعة جنبك.
​إبراهيم رجع لورا خطوة.
​—ده كلام فارغ وكدب.
​طارق فتح الملف.
​—أنا مش جاي أجادل. أنا جاي عشان استلمت نتيجة تحليل البصمة الوراثية (DNA).
​مريم حسيت إن الجو كله اتغير.
​شيرين بدأت تعيط.
​—يا طارق…
​—ليه فهمتيني إن ابني مات؟
​إبراهيم بص لمراته.
​—فهّميني إيه ده؟
​بس شيرين ما ردتش.
​سارة دخلت ورا طارق وهي ماسكة ملف تاني.
​—أفتكر جه الوقت اللي الكل يعرف فيه مين اللي كان بيكدب طول السنين دي كلها.
​مريم بصت لإبراهيم.
​ولأول مرة من يوم ما عرفته، ما كانش باين عليه الثقة المطلقة دي.
​وهي فهمت إن القصة اللي عاشتها اتناشر سنة ما كانتش خالص القصة اللي اتضحكت عليها بيها.
​أنت تعمل إيه لو اكتشفت إن الشخص اللي طول عمرك بتلومه وبتطلعه غلطان طلع ملوش أي ذنب؟
الجزء الثاني
​الشد والجذب في المطعم بقوا صعب يستخبوا. مدير المكان طلب من الكل ينقلوا لصالون خاص عشان يتفادوا فضيحة قدام الزباين. شيرين ما كانتش بتبطل عياط.
​—أنا أقدر أفهّمكم كل حاجة.
​إبراهيم أخد نفس وضحت ضحكة باردة.
​—يبقى ياريت، يا ريت تقولي.
​مريم كانت بتراقب في سکوت. ما بقتش عايزة إجابات عشان تنقذ جوازها. كانت عايزة تعرف الحقيقة وبس.
​طارق حط الأوراق على الترابيزة.
​—لما شيرين اختفت، أنا جنّدت محامي. ومن شهر لقيت إثباتات إنها عمرها ما أجهضت ولا فقدت الحمل. الشهادة الطبية اللي ورّتهالي كان فيها بيانات مش راكبة على بعض.
​سارة فتحت ملف تاني.
​—وإحنا كمان لقينا حاجة ثانية.
​طلعت كشوفات حسابات.
​—إبراهيم دفع مصاريف كتير تخص شيرين خلال السنة اللي فاتت. إيجارات، وعلاجات في مستشفيات، وتحويلات شهرية.
​مريم بصت لطليقها.
​—وده وأنت بتقولي ما حيلتناش فلوس ومش عارفين نعيش؟
​إبراهيم قام وقف.
​—دي كانت مجرد مساعدة! مش أكتر!
​—للوحدة اللي كنت بتخونني معاها؟
​ما ردش.
​سارة كملت:
​—ولقينا كمان فحوصات الخصوبة الخاصة بـ إبراهيم.
​الوضة كلها سكتت مرة واحدة. مريم حسيت بفراغ في معدتها.
​—فيها إيه؟
​المحامية أخدت نفس عميق.
​—إبراهيم اتكتب له تشخيص بعقم ذكوري شديد من تسع سنين. وهو استلم النتائج بنفسه.
​مريم بصت لإبراهيم.
​—أنت كنت عارف.
​—ما كانش إثبات نهائي!
​—كان فيه تحليلين.
​سارة حطت النسخ على الترابيزة.
​—من معامل مختلفة. ونفس النتيجة.
​مريم افتكرت كل كلمة كان بيقولها لها طول السنين دي. “جسمك هو اللي فيه المشكلة”، “يمكن عمرك ما هتكوني أم”، “الست لازم تتقبل لما ما تقدرش تقوم بدورها”.
​دلوقتي بس فهمت إن الجمل دي كان ليها هدف تاني خالص. ما كانش قصده يساعدها، كان قصده يداري الحقيقة.
​شيرين وّطت رأسها.
​—إبراهيم قال لي إن جوازكم خلاص انتهى. وقال لي إن مريم عارفة إنها ما بتخلفش.
​مريم بصت لها.
​—أنتي كنتي عارفة أنا بمر بـ إيه!
​شيرين بدأت تعيط.
​—أيوه.
​الرد ده وجّع مريم أكتر من أي إهانة أتقالت لها. عشان ما جاش من واحدة غريبة، جه من واحدة شافت دموعها بجد.
​في الليلة دي، مريم ما رجعتش شقتها. راحت باجت في شقة أختها.
​وفضلت على مدار أيام تراجع أوراق مع سارة. اكتشفوا إن إبراهيم حاول يبيع عقار قبل الطلاق. ولقوا كمان مسجات كان بيكلم فيها محاسب عن “تأمين الأملاك قبل ما مريم تطالب بحقها”.
​بس ظهرت حاجة ما كانتش على البال.
​في واحدة من المسجات دي، كان فيه محادثات مع دكتور اسمه د. حسام طلبة. نفس الاستشاري اللي كان بيمشي مع مريم في رحلة علاجها.
​”هي هتفضل فاكرة إن المشكلة عندها. ما تجيبش سيرة عن تحاليلي خالص.”
​المسدج كان من إبراهيم. ورسالة الدكتور كانت: “طول ما هي مستمرة في العلاج، محدش هيسأل أسئلة.”
​مريم حسيت بمزيج من الغل والحزن. هي ما اتخدعتش بس من جوزها، دي كمان اتلعب بيها من شخص ائتمنته على صحتها كدكتور.
​سارة شرحت لها إنهم لازم يقدموا الأدلة دي للجهات المختصة.
​—الموضوع ده ممكن يتعدى مجرد خيانة زوجية، دي فيها مسائلة قانونية.
​في الوقت ده، شيرين طلبت تقابل مريم. اتقابلوا في كافيه صغير.
​—أنا مش مستنية منك تسامحيني.
​—فعلاً، مش هسامح.
​شيرين تقبلت الرد.
​—إبراهيم وعدني بحياة ثانية خالص. قال لي إنه معاكي كان مخنوق. ولما عرفت إني حامل خفت. قلت لو فضلت معاه هضمن الأمان.
​—وطارق؟
​شيرين غمضت عينها.
​—كنت جبانة.
​ولفت وإدتها فلاشة.
​—لقيت دي على كمبيوتر إبراهيم.
​مريم أخدتها. كان عليها أيميلات، وعقود، وتسجيلات. واحدة منهم كانت لإبراهيم وهو بيكلم د. حسام.
​”أنا محتاجها تفضل فاكرة إن العيب منها. لو عرفت الحقيقة، كل حاجة هتهد فوق دماغي.”
​مريم سمعت التسجيل كذا مرة. ما عيطتش. شالت الملف وبس.
​تاني يوم، سارة جاها تليفون. محكمة الأسرة وافقت على إعادة فتح ملف إعادة تقسيم الأملاك ومراجعة الأدلة المقدمة.
​بس قبل الجلسة حصلت حاجة. إبراهيم حاول يسحب فلوس من حساب الشركة ويبيع شقة التجمع الخامس. إخطار البنك وصل في الوقت المناسب وتم تجميد الحركة.
​لما مريم وصلت المحكمة، كانت معاه كل الأدلة. بس ما كانتش عارفة رد فعل إبراهيم هيكون إيه لما يفهم إنه خلاص ما بقاش قادر يسيطر على القصة ولا يخرج منها.
​الجلسة كانت خلاص على وشك تبدأ.
​هل شايف إن حد دمر حياة بني آدم تاني يستاهل فرصة ثانية؟
​الجزء الثالث
​قاعة محكمة الأسرة في التجمع كانت مليانة ملفات، ومحامين، وناس مستنية الأحكام. إبراهيم جه ومعاه محامي من الأسماء الكبيرة والغالية. كان لابس شيك وماشي بنفس الثقة اللي كانت عنده طول السنين دي.
​مريم وصلت مع سارة. ما كانش على وشها ملامح الست المكسورة خلاص. كان باين عليها الهدوء بتاع حد عرف الحقيقة كاملة في الآخر.
​القاضية ماجدة الفولي راجعت الأوراق.
​—قدامنا أكتر من نقطة محتاجة بحث: إخفاء أملاك، احتمال تزوير معلومات طبية، خداع يخص نسب طفل، ومسؤولية مهنية محتملة.
​محامي إبراهيم حاول يقلل من حجم الموضوع.
​—موكلي أخطأ خطايا شخصية، بس مافيش أي إثبات قاطع على وجود نية شريرة أو سوء نية قانوني.
​سارة قامت وقفت.
​—لا، الإثبات موجود.
​وسلمت الفلاشة والأوراق.
​الأول عرضوا كشوفات الحسابات. أكتر من تسعة مليون جنيه متدارية بين حسابات شخصية وشركات العيلة. بعد كده عرضوا المحادثات الخاصة بمحاولة بيع شقة التجمع.
​وفي الآخر قدموا المسجات اللي بين إبراهيم ود. حسام طلبة.
​القاضية شغلت التسجيل. صوت إبراهيم ملأ القاعة.
​”هي لازم تفضل فاكرة إن العيب منها.”
​مريم غمضت عينها للحظة. ورغم إنها سمعت التسجيل ده كذا مرة، بس لسه…(يتبع)…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *