جديدة 2
“الفصل السادس”
مرت الأيام المتبقية على همام وعهد كثقل غيمة سوداء لا تمطر سوى وجعًا، لم يعد أي منهما يرى في الأفق سوى صورته كضحية، كليهما مقتنع أن الآخر هو من خذله، وكليهما يتهيأ لمصير رسمه بمرارة قلبه.
وجاء يوم الزفاف.
ارتدت عهد فستانها الأبيض وكأنها تزف إلى قبر لا إلى عرس، كان القماش الناعم يلتف حولها ككفن محكم، يخنق أنفاسها ببطء. دموعها استنزفتها حتى جفت عينيها؛ لم تعد تبكي، لم تعد تصرخ، فقط نظرة واحدة تسكن عينيها، نظرة الانكسار التي رأتها يوم وقفت أمام همام وذ..بحت قلبه بيديها.
في الخارج، كانت الزغاريد تتعالى، والموسيقى تصدح، والضحكات تتشابك في الهواء. الجميع يحتفل، يرقص، يبارك. أما هي، فكانت جالسة في منتصف غرفتها كتمثال من شمع ذاب قلبه وبقي شكله.
حين انتهت من زينتها وغادر الجميع الغرفة، ساد صمت ثقيل، رفعت عينيها ببطء نحو المرآة، رأت عروسًا متلألئة بالحلي، محكمة بالزينة، لكنها لم تر نفسها، اقتربت أكثر، لامست بأطراف أصابعها اسمها المنقوش على بطاقة الدعوة الموضوعة أمامها:
“عهد رياض، زوجة أسر.”
ارتجفت يدها، زوجة أسر.
مررت إصبعها فوق الاسم كأنها تحاول محوه، لكن الحبر لم يتزحزح، شعرت وكأن هويتها تنتزع منها قسرًا، في تلك اللحظة، دوى صراخ صامت داخل صدرها، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تلتقط زجاجة العطر وتلقيها بقوة نحو الأرض، تناثر الزجاج حولها في شظايا حادة، ورائحة العطر امتزجت برائحة الاختناق التي تملأ المكان.
حركت رأسها بنفي هستيري، كأنها تطرد فكرة شيطانية، وفجأة، نهضت.
نهضة واحدة، حاسمة، وكأن يدًا خفية انتشلتها من غيبوبة طويلة.
تقدمت نحو الباب، فتحته ببطء، وأطلت برأسها في الممر، كان هادئًا على غير العادة، لا أحد، سحبت أنفاسها بحذر، ورفعت طرف فستانها بين يديها حتى لا يصدر احتكاكه بالأرض صوتًا يفضحها.
خطت أولى خطواتها خارج الغرفة.
كان قلبها يدق بعنف حتى خيل إليها أن صوته سيسبقها إلى الأسفل. اقتربت من الدرج، وانحنت قليلًا لتنظر. في الأسفل، كان الجميع مجتمعين؛ أسر يقف مزهوًا، رياض يوزع الابتسامات الواثقة، الضيوف ينتظرون لحظة نزول العروس.
تراجعت بسرعة حين سمعت صوت خطوات تقترب من أحد الممرات الجانبية، التصقت بالجدار، تحبس أنفاسها، مرت إحدى قريباتها مسرعة وهي تقول:
“فين العروسة؟ المفروض تنزل حالًا!” شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
لو تأخرت دقيقة أخرى، سينتهى كل شيء.
نظرت يمينًا ويسارًا بعينين مذعورتين تبحثان عن منفذ خلفي، في تلك اللحظة، لمحت خادمتها الخاصة تمر قرب الممر المؤدي إلى السلم الخلفي. هتفت إليها بصوت هامس مرتجف.
اقتربت الخادمة بعدم فهم وقالت:
“انتي واقفه كده ليه يا أنسه عهد؟”
تكلمت بصوت مختنق وبترجي: “ساعديني يا داده اهرب من هنا، مستحيل اتجوزه.”
ابتلعت ريقها بصعوبة وتكلمت بتلعثم:
“ا اساعدك تهربي! ب بس لو رياض باشا عرف هيكون اخر يوم فى عمري.”
حركت رأسها بالرفض وقالت:
“متقلقيش محدش هيعرف انك ساعديني، بترجاكي يا داده، أنا مش هقدر اعيش مع راجل تاني غير همام.”
ترددت الخادمة لحظة، تتلفت حولها بذعر، ثم زفرت بضيق وأومأت برأسها بالموافقة، أشارت إليها أن تتبعها. تحركتا بخطوات محسوبة عبر الممر الخلفي المؤدي إلى باب الخدمة، في منتصف الطريق، سمع صوت رجل من الحراسة ينادي على أحد زملائة.
تجمد الدم في عروق عهد.
دفعتها الخادمة بسرعة داخل مخزن صغير وأغلقت الباب نصف إغلاق. مرت لحظات بدت دهورًا، ثم ابتعد الصوت تدريجيًا، فتحت الخادمة الباب مجددًا وهمست:
“يلا بسرعة.”
أخيرًا، وصلت إلى الباب الخلفي.
هواء الخارج لفح وجهها كصفعة أيقظتها تمامًا، عبرت البوابة الصغيرة دون أن يراها أحد، وما إن ابتعدت خطوات قليلة حتى احتضنت الخادمة بقوة، وكأنها تعانق آخر خيط نجاة في حياتها.
أوقفت سيارة أجرة بيد مرتعشة، جلست في المقعد الخلفي، وأغلقت الباب خلفها، تحركت السيارة.
أخرجت هاتفها بسرعة، ضغطت على اسمه.
“الهاتف مغلق.”
جف حلقها.
حاولت مرة أخرى.
“الهاتف مغلق.”
نظرت إلى انعكاسها في مرآة السيارة الصغيرة، عروس هاربة، بفستان أبيض وشعر مصفف بعناية، وعينين يملؤهما الذعر، تذكرت صوته وهو يقول بسخرية لاذعة:
“تنفعي تشتغلي ممثلة.”
ابتسمت بوجع وهمست لنفسها:
“المرة دي مش تمثيل يا همام.”
وضغطت الهاتف بين يديها بقوة، بينما كانت السيارة تشق طريقها نحو الحارة، نحو الأمل الأخير، أو نحو الكارثة التي لم تكن تعلم أنها تنتظرها هناك.
*************************
بالحارة…
وقف همام في منتصف الشقة الخاوية، يتلفت حوله بعينين مثقلتين، كأنه يودع روحًا لا جدرانًا. كانت حقائب السفر مصطفة قرب الباب، شاهدة على قرار اتخذ تحت وطأة الكرامة المكسورة، لا تحت هدوء العقل.
سكنت عيناه على الأريكة الصغيرة في الركن، فداهمته ضحكتها، هنا جلست يومًا تعبث بطرف ثوبها، وهنا وقفت تقسم أنها لن تكون لرجل غيره. في كل زاوية ذكرى لها، وفي كل صمت صدى صوتها.
ارتفعت دقات قلبه بعنف، حتى خيل إليه أن يستمع اضطرابه. حرك رأسه برفض متتابع، كمن يحاول أن ينتزع صورتها من ذاكرته انتزاعًا، أن يسكت ذلك الصوت الذي يهمس باسمه على طريقتها.
“كفاية، كفاية.”
لكن الذكريات لا تطرد بالأوامر.
انتبه إلى صوت والدته من خلفه، صوت مثقل بالحزن، ترتجف فيه أمومة خائفة:
“بلاش تسافر يا ابني وتبعد عن حضني، ويا عالم نتقابل تاني ولا لا.”
استدار إليها ببطء. كانت واقفة عند عتبة الغرفة، عيناها معلقتان به كما لو كانت تحفظ ملامحه، اقترب منها، أمسك يدها وقبلها بحنان موجوع، ثم قال بصوتٍ مختنق:
“بعد الشر عنك يا حبيبتي، ربنا يبارك فى عمرك ويخليكي ليا، مش هقدر يا أمي أعيش على نفس الأرض اللي هي عايشه عليها، هعيش مكسور فيها، خليني اسافر مكان تاني اداوي قلبي اللي اتوجع بسببها.”
شدته إلى صدرها كما كانت تفعل وهو صغير، وكأنها تحاول أن تعيده طفلًا قبل أن يعرف الحب، وقبل أن يعرف الخذلان، تحدثت بصوت أم ينزف على فلذة كبدها:
“يا ضنايا يا ابني، ربنا يريح قلبك يا حبيبي ويرجعك ليا سالم غانم يارب.”
ابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه، ابتسامة رجل يحاول أن يبدو ثابتًا كي لا ينهار بين ذراعي أمه.
“يلا يا امي، علشان اوصلك عند اختي قبل ما أمشي.”
تنهدت بضيق ممزوج بالرفض:
“طيب خليني عايشه فى بيتي يا ابني، أنا أيه بس هيخليني أروح أعيش عند أختك، مش عايزة أكون تقيله على حد.”
أمسك يدها برفق بالغ، وكأنه يخشى أن تنكسر:
“يا حبيبتي مش هينفع اسيبك تعيشي هنا لوحدك، مش هكون مطمن عليكي، أختي هتاخد بالها منك، وجوزها أبن حلال وطيب عمره ما هيزهق منك، إنتي خالته مش حد غريب، يلا يا حبيبتي أمشي.”
نظرت إلى الشقة نظرة أخيرة، نظرة امرأة عاشت عمرها بين هذه الجدران، وربت فيها ولدًا وأبنه كان كل دنياها. مر بصرها على المطبخ الصغير، على الشرفة الضيقة، على سجادة الصلاة في الركن، ثم زفرت زفرة طويلة وخرجت.
حمل همام الحقائب، وأطفأ الأنوار واحدًا تلو الآخر، كل ضغطة زر كانت إعلانًا بإغلاق فصل كامل من حياته. وقف لحظة عند الباب، مفاتيحه بين أصابعه، وتردد.
تخيل للحظة خاطفة، أنها قد تطرق الباب الآن، أن يسمع صوتها تناديه باسمه، لكن الصمت كان سيد المكان.
ابتلع غصته، وأغلق الباب بإحكام.
نزل السلم ببطء، تتبعه والدته بخطوات أثقل من أن تحمل، حين وصلا إلى الشارع، أوقف سيارة أجرة. وضع الحقائب في صندوقها الخلفي، وساعد أمه على الجلوس.
قبل أن يركب، رفع رأسه نحو الشرفة الصغيرة لشقته. بقيت معتمة، ساكنة، كأنها لم تعرف يومًا ضحكة أو وعدًا.
ركب السيارة.
تحركت ببطء خارج الحارة، مبتعدة عن كل شيء عرفه.
وفي الجهة الأخرى، كانت سيارة أخرى تشق طريقها نحوه، تحمل عروسًا هاربة، وقلبًا يسبقها إليه بدقائق معدودة.
***********************
توقفت سيارة الأجرة عند مدخل الحارة، ترجلت عهد منها قبل أن تستقر عجلاتها تمامًا، ودفعت الأجرة بيد مرتجفة دون أن تنتظر الباقي. كان فستانها الأبيض ينساب خلفها كذيل حلم يحتضر، يجذب إليه أعين أهل الحارة الذين تجمعوا على الأبواب والشرفات، يتهامسون بدهشة واستغراب، لم تعبأ.
رفعت طرف فستانها وركضت.
كل خطوة كانت صفعة على قلبها، وكل نبضة تصرخ باسم واحد. وصلت إلى بناية همام، دفعت الباب بلهفة، وصعدت الدرج بسرعة كادت تزل بها. أنفاسها تتقطع، وصدرها يعلو ويهبط بعنف.
وقفت أمام بابه.
الباب الذي وقفت خلفه يومًا تنتظر أن يفتح لها بقلب مفتوح، طرقت.
مرة، مرتين، عشرا.
ثم راحت تضغط على زر الجرس بإصرار هستيري، كأنها تحاول أن تعيد الزمن للوراء بالضغط المتكرر، لكن الداخل ذكريات صامته، لا صوت حركة، لا وقع أقدام، لا أحد يقترب من العين السحرية.
حركت رأسها برفض متتابع.
“لا، لا، هو جوه، أكيد جوه.”
طرقت من جديد، أقوى، حتى آلمتها قبضتها، ألصقت أذنها بالباب، فلم تسمع سوى صمت بارد.
تراجعت خطوة، ثم هبطت الدرج مسرعة، تكاد تتعثر بثوبها، لمحت إحدى الجارات تقف عند المدخل، تحدق بها في ذهول.
اقتربت منها بأنفاس متلاحقة وسألت بعينين مذعورتين. أجابها الرجل الواقف إلى جوارها قائلًا:
“أيوه همام اخد أمه وسافر من شوية، زمانه وصل للمطار.”
توقفت الكلمات في الهواء، لكنها لم تتوقف في قلبها؛ بل اخترقته كرصاصة.
حركت رأسها بهستيرية، ترفض المعنى قبل أن تستوعبه.
“لا، لا مش ممكن.”
استدارت فجأة، وركضت في الشارع بفستانها الأبيض، لا ترى نظرات الناس، لا تسمع همساتهم، لا تشعر بشيء سوى أن شيئًا منها ينتزع بعيدًا.
أوقفت سيارة أجرة بيد مرتجفة، كادت تسقط لولا أنها تمسكت ببابها.
“على المطار، بسرعة!”
انطلقت السيارة، بينما كانت هي تحاول الاتصال به من جديد.
“الهاتف مغلق.”
أغلقت عينيها بقهر، وضغطت الهاتف إلى صدرها، كأنها تعاقبه لأنه لا ينقل صوتها إليه.
وصلت إلى المطار.
توقفت السيارة، اندفعت خارجها، وركضت نحو البوابة بعينين تبحثان بجنون بين الوجوه، رجال، نساء، مسافرون، حقائب تجر على الأرض، لكن لا أثر له.
دارت حول نفسها كطفلة ضاعت في زحام لا يرحم.
“همام!”
خرج اسمه من بين شفتيها مكسورًا، ثم أعلى، ثم أعلى، حتى صار صرخة. التفتت إليها الوجوه باستغراب، بعضهم يشير إليها، بعضهم يبتسم بسخرية، وبعضهم يكتفي بالمشاهدة.
لكنها لم تكن ترى أحدًا.
وفجأة، سمعت هديرًا مألوفًا.
رفعت رأسها ببطء.
كانت الطائرة ترتفع في السماء، تشق الغيوم، تبتعد.
اتسعت عيناها، كأنها تحاول أن تمسكها بنظراتها.
“همام.”
خرج اسمه هذه المرة همسًا مبحوحًا.
ثم انهارت.
سقطت على الأرض بفستانها الأبيض الذي اتسخ بطين الطريق، وارتفعت من صدرها صرخة مدوية، صرخة امرأة لم تفقد حبيبًا فحسب، بل فقدت آخر فرصة للغفران.
ترددت الصرخة في أرجاء المكان، لكنها لم تبلغ الطائرة التي واصلت صعودها في السماء، حاملة معها قلبًا يظن أنه ترك، وقلبًا آخر تأخر دقيقة واحدة فقط.
*************************