حماتي في الآخر قدرت تقنع جوزي يسيبني
ولحد ما حسام اقتنع بكلامها.
ومع بعض، عملوا نقلتهم الأخيرة اللي أنا كنت مرتبة لها ومستنياها.
فتحت الفايل.
جواه كان فيه ورق ست شهور كامليين.
فواتير.
كشوفات حسابات بنكية.
عقود وإقرارات ممضية.
وتفصيلة واحدة مهمة جداً تخص الشقة… لا حسام ولا سميحة كانوا يعرفوا عنها الهوا.
هم افتكروا إن الحكاية خلصت أول ما عربية النقل مشيت.
بس هي مخلصتش.
دي كانت مجرد اللحظة اللي دوري أنا فيها لسه بيبدأ.
عشان كدة هو كان فاكر إن مجرد وجوده، وسعيه، وتعبه، وإنه ماشي صح هيبقوا كفاية عشان كل حاجة تظبط في الآخر.
بس “حسام” كان عنده نقطة ضعف قاتلة.
عمره ما عرف يشوف أمه على حقيقتها بآدمية وحيادية.
مش عشان “سميحة” كانت مدارية خيبتها أو بتتصنع.
لا، عشان بس مجرد إنه يفكر يشك فيها أو يعارضها كانت بتبقى ليها ضريبة نفسية وتقيلة حسام اتعلم من زمان إنه ما يدفعهاش ولا يجي جنبها.
أنا فهمت ده من بدري قوي.
فهمته من أول سنة جواز لينا مع بعض.
ولسنين طويلة، فضلت أضحك على نفسي وأقنعها إني قادرة أتعايش مع الطبع ده وأستحمله.
حد ما جبت أختري ومبقيتش قادرة خلاص.
أنا وحسام كنا اتعرفنا على بعض من حداشر سنة في مؤتمر شغلي…
كمالاً للأحداث:
المؤتمر ده كان النقطة اللي اتغيرت فيها حياتنا.
ساعتها هو كان طالع السلم شغوف، طموح، وشخصيته تسبقه. وأنا كنت زيه بالظبط، عندي شغفي وحلمي اللي بابني فيه بيدي وأسناني.
أول سنتين مع بعض كانوا شبه حلم؛ كنا فريق بجد، بنشجع بعض، وبنتكلم في كل حاجة بالساعات.
لحد ما موضوع الجواز بدأ يترتب له رسمياً… وهنا ظهرت “سميحة” في الكادر.
في الأول، كانت تلميحات خفيفة.
تقييمات ملوهاش أي لازمة لطريقة لبسي، نبرة صوتي، لـ أهلي، وحتى لشهادتي وطبيعة شغلي.
كانت تبص لي بصه من فوق لتحت كأنها بتقول: “انتِ فاكرة نفسك مين عشان تاخدي ابني؟”
حسام في البداية كان بيحاول يمسك العصاية من النص.
كان يمسك إيدي بعد كل قعدة معاها ويقول لي: “معلش يا حبيبتي، هي بس خايفة عليّ، هي طبعها كده بس قلبها أبيض، بكرة لما تعرفك هتحبك.”
وأنا صدقته.
عدت الأيام واتجوزنا، وفضلت مستنية اليوم اللي سميحة تقتنع فيه إني مش جاية أسرق ابنها منها، ولا جاية أستغله.
بس الحقيقة اللي اكتشفتها متأخر إن سميحة مكنتش بتدور على واحدة تسعد ابنها… هي كانت بتدور على شماعة ترمي عليها أي تقصير، وعلى واحدة تلغي شخصيتها تماماً وتعيش تحت طوعها.
ومع كل سنة بتعدي، كانت زنّة سميحة في ودان حسام بتزيد.
تنتقد طريقة إدارتنا للمصاريف، تنتقد إننا لسه ما خلفناش، تنتقد إن شغلي ووقتي واخدين جزء من حياتي.
والأصعب من زنّها، إن حسام مع الوقت مابقاش يدافع.
بقى يسكت.
وبعد السكوت، بقى يهز رأسه مع كلامها.
ولما يرجع البيت، يفرغ كل الشحن والطبخة اللي أمه طبختها له في دماغي أنا.
بدأ يشوف نجاحي في شغلي ومشاركتي في مصاريف البيت كأنها ملهاش قيمة، وبقى يردد نفس جمل أمه بالحرف: “انتِ بتعملي إيه يعني؟ ما كل الستات بتشتغل! أنا اللي شايل الشيلة بجد!”
في اللحظة دي بالذات، لما لقيت الراجل اللي حبيته وبنيت معاه حياتي أتحول لنسخة ممسوخة من أمه، عرفت إن النهاية جاية جاية لا محالة.
وعرفت إن الست اللي عايزه تهد بيتي وتخرجني منه حافية مش هتنولها.
من ست شهور فاتوا، لما لقيت معاملته بتتغير ورائحة الغدر شاطت في البيت، فتحت حساب بنكي تاني خالص بعيد عن عينيه، وبدأت أأمن نفسي خطوة بخطوة.
الشقة اللي إحنا قاعدين فيها دي؟
حسام كان فاكر إن إيجارها القديم أو عقودها باسمه ومقدور عليه، بس هو نسي أو تناسى التفصيلة القانونية اللي أنا جهزتها في السر من فترة بالاتفاق مع صاحب العمارة، لما دفعت تسوية ومقدم سنة كاملة من معادي وفلوسي الخاصة وخليت العقد ينكتب باسمي أنا لوحدي، مع شرط جزائي يطرد أي حد مش مدون اسمه في العقد.
العفش والأجهزة؟
أنا سبته ياخدهم وهو فرحان عشان يسدد بيهم ثمن أوهامه، وعشان ما يفضلش بيني وبينه قشة واحدة يتحاجج بيها في أي محكمة أو قعدة عرب.
أخد العفش المستهلك اللي بقاله سنين، وساب لي أصل السندات، العقود، والشقة اللي قيمتها كـ إيجار مأمن ومكسب قانوني بياوي شغلي وحياتي الاستثمارية الجديدة تساوي أضعاف الكراكيب اللي حملها في العربية.
وقفت في نص الريسبشن الفاضي، حطيت الفايل على المكتب، وطلعت موبايلي.
اتصلت برقم مهندس الديكور اللي متفقة معاه من شهرين:
”ألو.. إزيك يا باشمهندس؟ العربية مشيت خلاص والشقة فضيت تماماً.. تقدر تبعت العمال من بكرة الصبح يبدأوا يهدوا الحيطة ويوضبوا المكان زي ما اتفقنا عشان أفتتح المكاتب الجديدة.”
قفلت السكة، وبصيت من الشباك تاني على الشارع الفاضي.
سميحة وحسام افتكروا إنهم لما جردوا البيت من الكراسي والترابيزات هما كده كسرو نفسي ورجعوني لنقطة الصفر.
ماعرفوش إنهم بس فضّولي المساحة عشان أبدأ حياتي بجد… من غيرهم.