حصري لصفحة روايات رولا يوم ذكرى وفاة بابا، جوزي قرر يفضل ممدد قدام التلفزيون وقال لي كلمة عمرها ما هتتمحي من ذاكرتي: — لو أباكي كان عايزني أحترمه بعد موته، كان ساب لي حاجة في حياته. أمي كانت مستنياني في مدافن 6 أكتوبر. أنا كنت جهزت الورد خلاص، ومصطفى لسه قاعد بالترنج وحاطط رجله على الترابيزة. — أنا بطلب منك ساعة واحدة بس —قلت له—. ده كان حماك. — أنا حضرت العزا خلاص. وبعدين أنا استفدت إيه يعني لما بقيت جوز بنته؟ ولا حاجة. الجملة دي ما طلعتش كده فجأة. لما اتجوزنا، أنا كان عندي خمسة وتلاتين سنة ومصطفى تمانية وتلاتين. بابا، الأستاذ صلاح، كان وارث شوية أراضٍ من جدي. وبعد سنين باع حتة منها لما المنطقة دخلت الكردون والأسعار ولعت، وبالفلوس دي اشترى محلين وشقة. عمره ما كان مفترى ولا بتاع منظرة؛ كان بيحب يلبس نفس قمصانه البسيطة ويصحى بدري يراجع حساباته. لما عرف إننا ناويين نمرمط نفسنا في القروض والتمويل العقاري، وقفنا وقال: — بلاش تبدأوا حياتكم وأنتوا مديونين للبنك عشرين سنة قدام. قام اشترى لنا شقة في التجمع وحرر العقد باسمي أنا. مصطفى دمعه فرت من عينيه اليوم ده وقال: — باباكي ده راجل عظيم. وعمري ما هنسى فضله وهيفضل فوق راسي طول العمر. ولأعوام كان ماشي زي الألف. وبعدها ربنا رزقنا بـ "فريدة" وقُلت خلاص حياتي استقرت. كل ده اتغير تماماً لما بابا اتوفى بأزمة قلبية بعد أربع سنين. بعد العزا بيومين اتنين بس، وأنا وأمي مش عارفين ننام من الصدمة، لقيت مصطفى بيسألني: — هو باباكي ساب وصية؟ افتكرته بيسأل عشان يساعدنا في الإجراءات. — ملحقناش نتكلم في موضوع الوصية ده خالص. — بس هو كان عنده المحلين وأملاك تانية، صح؟ معقول مسبليش أي حاجة؟ بصيت له وبقيت مش مصدقة إن ده الراجل اللي أنا متجوزاه: — إنت؟ يسيب لك إنت؟! — ما أنا جوز بنته الوحيد! كنت فاكر إنه هيطلع لي بمحل ولا حاجة. اتخانقنا خناقة كبيرة. وطردته يروح يقعد عند أمه كام يوم. رجع بعدها يبوس الأيادي ويطلب السماح، وأنا قبلت عشان سبب واحد بس: قبل ما بابا يتوفى بفترة قصيرة، كان قايل لي: — حافظي على بيتك يا بنتي، أوعي تهدي بيتك على أي خناقة فارغة. أنا اتقهرت وأنا صغير لما أباك وأمك انفصلوا. مصطفى كان عارف الكلمتين دول كويس. ومع الوقت اتعلم إزاي يستغلهم ضدها. بعدها بسنة، بدأ يجيله هوس إنه يفتح شركة مقاولات ومواد بناء. — إنتي ورثتي الخير كله. سلفيني رأس المال وأنا أسيب الشغل عند الناس وأبقى سيد نفسي. — اعمل دراسة جدوى، واعمل قرشين على جنب من شغلك، ووريني إنك تقدر تشيل شيلة زي دي. — وهو إحنا مش بيت واحد؟ تحوشي إيه بقى؟! أنا كنت عارفة طبعه كويس؛ مصطفى يشتغل تحت إيد مدير وبمواعيد ينضبط، لكن أي مشروع خاص بيه كان بيزهق منه ويرميه بعد أسبوعين. مش هخاطر بفلوس بابا وورثه عشان أرضي غروره. كل خناقة كانت بتنتهي بنفس النغمة: — أباكي مسبليش حاجة، فالمفروض إنتي على الأقل تقفي جنبي! عشان كده لما جه الميعاد في السنوية التانية لوفاة بابا ورفض يجي معايا، في حاجة جوايا اتكسرت. روحت المدافن لوحدي. ويكذبت على أمي وقلت لها إن مصطفى عنده شغل مستعجل وغصب عنه. بعدها بتلات أيام، كانت ذكرى وفاة حمايا. صحي مصطفى من الساعة سبعة الصبح ولابس ومجهز نفسه: — يلا انجزي، أمي محتاجاكي تحت عشان تعملي معاها الأكل. أنا فضلت قاعدة مكاني: — أنا مش رايحة. وشه ألوانه اتغيرت: — يعني إيه مش رايحة؟! — زي ما إنت ما جيتش معايا بالضبط. — إنتي بتمثلي؟ إنتي الكنة.. كنة العيلة! — وإنت مش جوز البنت؟ — الموضوع مختلف خالص! — بالنسبة لي زي بعض. مصطفى اتجنن وعليّ صوته، وقال إنني بشوف نفسي عليه عشان معايا فلوس أكتر، وإنه محتاج مشروعه ده عشان "يرجع هيبته"، وإني لو أديته الفلوس ورأس المال ساعتها بس هيحترم مناسبات أهلي. سألته آخر سؤال: — لو بطلت تدخل بابا وفلوسه في اللعبة وتضغط عليا بيهم، أنا هقوم ألبس وأجي معاك فوراً وهفضل أود أهلك. تقدر تتعهد لي بكده؟ — أتعهد لك بأي حاجة إنتي عاوزاها.. بس هاتي الفلوس الأول. — يبقى لأ. ابتسم بابتسامة صفرا بثقتُه اللي جمدت الدم في عروقي وقال: — إنتي مش هتطلبي الطلاق أبداً. باباكي وصاكي تحافظي على بيتك وإنتي عمرك ما هتكسري كلمته وهو ميت. وغير كده، أكيد مش هتخلي "فريدة" تكبر من غير أبوها. أخيراً فهمت الحقيقة كلها. مصطفى مكنش واثق في حبي ليه، ده كان واثق في ذنبي وقلة حيلتي! وراح ضايف: — لو ما جيتيش النهاردة، لما أرجع هنتكلم في الطلاق والحضانة.. ونشوف ساعتها شجاعتك دي هتوديكي فين! بصيت له كام ثانية وابتسمت: — عندك حق. انزل إنت الأول، وأنا هحصلك كمان شويه. هو ارتاح ووشه فك: — تمام، كنت عارف إنك هتعقلي. — متقلقش. أنا هجيب معايا حاجة مهمة أوي وأنا جاية. أول ما قفل الباب وراه، عيطت كام دقيقة. بعدها دخلت خدت دش، ولبست، ونزلت. بس مروحتش أشتري أكل لسنوية حمايا. أنا طلعت على مكتب محامية طلاق. الأستاذة مريم، المحامية، سمعت حكايتي كلها للأخر. راجعت عقود الشقة، وأوراق الورث، ورسايل كتير مصطفى كان بيبعتها بيطلب فيها فلوس للمشروع بتاعه. — يا فريدة، الشقة مكتوبة باسمك إنتي بس؟ — أيوة، بابا كتبهالي بيع وشراء بشكل رسمي. — يبقى متسمحيش لتهديد في البيت يتحول لحقيقة قانونية. اللي جوزك بيقوله حاجة، واللي يقدر يطالب بيه حاجة تانية خالص. اعترفت لها بأكتر حاجة كانت مخوفاني: — هددني إنه ياخد مني بنتي. — الحضانة مش مكافأة للي بيهدد أكتـر. إحنا هنوثق كل حاجة، والقرار هيتاخد عشان مصلحة البنت. ولأول مرة من شهور حسيت إني قادرة أتنفس. مريم شرحت لي الإجراءات، ولخصت الأوراق المبدئية، وطلبت مني متناقشش مع مصطفى أكتر من اللزوم. لما خرجت، كانت في إيدي شنطة أوراق ومعايا يقين جديد: بابا علمني أحافظ على بيتي، ما علمنيش أكون أسيرة فيه. وصلت بيت حماتي على الضهر كده. طنط ماجدة فتحت الباب وهي متضايقة: — شوفوا الهانم جاية الساعة كام! أنا عملت الأكل كله خلاص. — حقك عليا، كان لازم أعدي أجيب حاجة مهمة الأول. مصطفى ظهر من وراها وشاف الشنطة اللي في إيدي: — إيه ده؟ جبتي الورق عشان نطلع الفلوس للمشروع؟ مردتش عليه. ساعدتهم في رص الأطباق والورد. ولما خلصوا ترطيب الترابيزة وحطوا صورة حمايا الله يرحمه، أخدت نفس عميق. أنا مكنش عندي أي حاجة ضد الراجل ده، عشان كده قربت من صورته قبل ما أتكلم: — يا عمي، أنا جيت هنا عشان أودع العيلة دي هي كمان. حاولت أقوم بواجبي كزوجة وكنة، بس ابنك حول الاحترام لسلعة ومساومة. طنط ماجدة برقت: — إنتي بتقولي إيه؟! حطيت الملف على ترابيزة جنبية. مصطفى مسكه وفتحه. وشه اصفر ولونه اتخطف: — طلاق؟! — أيوة. — إنتي اتجننتي؟! — الصبح إنت قلت لي لو ما سمعتش الكلام هنتكلم في الطلاق. أنا بس اختصرت الوقت. — أنا كنت بحاول أخوفك بس! — وهي دي المشكلة بالظبط. طنط ماجدة وقفت: — الحاجات دي مبيتعملش فيها كده في ذكرى وفاة حد ميت! — عندك حق. وبرضه مبيصحش حد يقلل من قيمة أبو مراته الميت لسنين، وبعدين يطلب منها تيجي هنا تخدم وكأن مفيش حاجة حصلت. مصطفى طبّق الورق في إيده: — إنتي مش هتعملي كده! — أنا عملت خلاص. ساعتها استخدم السلاح اللي كان دايماً بيجيب معايا نتيجة: — أباكي وصاكي تحافظي على بيتك وجوازك! ولأول مرة، الكلمتين دول مشلّوش حركتي: — بابا كان عايزني أكون مبسوطة. عمره ما كان يطلب مني أعيش مع واحد بيستغل آخـر كلام قاله عشان يتحكم فيا. — أنا ممكن أتغير! — من كام ساعة بس كنت بتهددني إنك تاخد فريدة مني! — كنت متضايق وزعلان! — إنت دايماً بتكون "متضايق" لما تكون عايز حاجة. طنط ماجدة بدأت تعيط: — فكري في البنت! بصيت لها من غير ما أتجرهد معاها: — أنا بالظبط بفكر فيها. مش عايزاها تكبر وتفتكر إن الست لازم تستحمل الإهانة عشان تثبت إنها بتحب بيتها. مصطفى قرب مني خطوة: — وفاكرة إنك هتاخدي الشقة والفلوس والبنت وتسلكي؟ — ده موضوع القضاء هو اللي هيحكم فيه. أنا مش جاية أتباهى باللي عندي، أنا جاية أقولك إن كل حاجة خلصت. أخدت شنطتي. مشي ورايا لحد الباب: — لو خرجتي من الباب ده، مفيش رجوع تاني. بصيت له: — يا مصطفى، ده بالظبط اللي أنا مستنياه. خرجت من غير ما ألتفت ورايا. في العربية، إيدي كانت بترتعش، بس مكنش ندم. لأول مرة من يوم وفاة بابا، حسيت إني باخد قرار أنا اللي اختارته، مش عشان حد بيستغل ذكراه عشان يقرر بدالي. تفتكروا كنتوا هتدوا فرصة تانية بعد ما شريك حياتكم استخدم آخر وصية لأبوكم عشان يسيطر عليكم؟ المرّات اللي فاتت اتعلمت فيها إن سكوتي مش صبر، لكنه كان تشجيع لمصطفى إنه يستغل نقطة ضعفي. بعد ما خرجت من بيت حماتي، استنيت في العربية كام دقيقة أجمع نفسي، وبعدها طلعت على المدرسة أجيب فريدة. لما شافتني ابتسمت، وفي اللحظة دي بس تأكدت إن خطوتي كانت صح. طفلة في سنها مش محتاجة تشوف أمها مكسورة ومستسلمة، محتاجة تشوف نموذج لست قوية بتعرف تاخد حقها وتحمي بيتها الحقيقي. على بال الليل، بدأ الموبايل يرن من غير فصل. مصطفى اتصل أكتر من عشرين مرة، وبعدها بدأت الرسائل تتوالى: — «إنتي هترجعي البيت ولا أعرف إزاي أجيبك؟» — «فاكرة إن المحامية دي هتنفِعك؟ أنا مش هسيبلك قِرش واحد!» — «يا فريدة تعالي نتعاتب ونحل الموضوع بينّا بلاش فضايح.» أنا ماردتش على ولا مكالمة ولا رسالة. كل رسالة تهديد أو مساومة كنت باخدها "سكرين شوت" وأبعتها للأستاذة مريم فوراً عشان تنضم لملف القضية. تاني يوم الصبح، الأستاذة مريم رفعت دعوى الطلاق للضرر، وقدمت المستندات اللي بتثبت ملكيتي الكاملة للشقة من بابا الله يرحمه، بجانب الرسائل اللي فيها محاولات ابتزاز مالي وتهديد بالحضانة. الضغط مكنش سهل. طنط ماجدة حاولت تتصل بأمي وتلعب على مشاعرها: — «يا أم فريدة، يرضيكي البيت يتهد عشان خناقة عابرة؟ مصطفى ابنك برضو ومكنش يقصد!» بس أمي المرة دي وقفت معايا وقفة راجل، وقالت لها كلمتين يقطعوا أي كلام: — «اللي يقلل من أصول الراجل اللي أواكم واشترالكم السقف اللي لمّكم، ما يلزمناش. وبنتي أمانة صلاح السعدني، وما عاش اللي يكسر كلمته.» بعد أسبوعين، لما وصل لمصطفى إعلان القضايا رسمياً على يد محضر، فهم إن الموضوع مش مجرد شوية زعل وهيروحوا لحالهم. جالي تحت العمارة في التجمع، وكان شكله متبهدل ومش هو الراجل المتبجح بتاع زمان. نزل من العربية وحاول يوقفني وهو بينهج: — «فريدة، أرجوكي اسمعيني.. أنا كنت أعمى. أنا مستعد أتنازل عن أي طلبات، ومش هفتح موضوع الشركة ده تاني أبداً، ولا جيب سيرة أبوكي الله يرحمه بأي حاجة تزعلك. بس بلاش نهد البيت!» بصيت له بكل هدوء وقلت له: — «إنت ما هديتش البيت عشان الفلوس يا مصطفى.. إنت هديته يوم ما استرخصت حزني واستغليت وصية بابا عشان تذلني بيها. اللي يتمنى موت حد عشان يورثه أو يتضايق إنه مأخدش منه حتة أرض، ما ينفعش يكون أمني ولا أمن بنتي.» القضاء أخد مجراه. وبفضل الأوراق والرسايل، المحكمة حكمت لي بالطلاق للضرر، مع إثبات الشقة باسمي، وتحديد نفقة وحضانة رسمية لفريدة، مع تنظيم رؤية ليه في أوقات محددة. النهاردة، وأنا باخد فريدة وبنروح المدافن لفيض الرحمة على بابا، بحط الورد وأنا مرتاحة. عارفة إن بابا فوق مبسوط مني، لأنه مكنش عايزني أحافظ على جدران بيت فاضي ملوش أمان، كان عايزني أحافظ على كرامتي وكرامة بنتي. لو وصلت لحد هنا، متنساش تسيب رأيك في الكومنتات وتقولنا هل شايف إن الست ممكن تدي فرصة تانية لما شريك حياتها يستغل نقطة ضعفها وذكرايات أهلها المتوفيين تمت❤❤