ساب اخته
جالي هبوط وغثيان. افتكرت كام مرة كان بيجي يقولي فيها: “يا سارة، لازم نضغط مصاريفنا الشهر ده ونربط الحزام، المصاريف زايدة أوي”. افتكرت الأيام اللي كنت بطنش فيها الغدا، والإجازات اللي أجهضناها، والشغل اللي كنت بستلمه وأسهر عليه لنص الليل عشان أوفر قرشين.
مريم وصلت بعد 20 دقيقة. مسكت الورق وبصت فيه بتركيز من غير ما تقاطعني.
— أوعي تواجهيه دلوقتي خالص.
— أنا عاوزة أواجهه وأخليه يحاسبني على كل جنيه راح فين!
— الأول لازم نعرف هل ده كان مجرد خيانة أمانة واستغلال، ولا مرتبين لحاجة أكبر من كده كمان.
الجملة دي فضلت ترن في ودني طول اليوم. بالليل رجعت البيت وعملت نفسي ولا كأن في أي حاجة. حازم كان بياخد دش، ونيرمين كانت بره البيت. على السفرة لقيت التابليت اللي بيمسكها يتابع عليها مسلسلات. الشاشة كانت مفتوحة ومش معمول لها كلمة سر عشان كان مشغل أغاني. ما احتجتش أدور ولا أخمن؛ فتحت تطبيق الواتساب ولقيت جروب معمول باسم “العيلة”. الجروب كان فيه حازم، والحاجة سعاد، ونيرمين. سرشت باسمي في الشات.
أول حاجة ظهرت كانت رسالة من سنة فاتت.
حازم كاتب: “فلوس الدفعة الكبيرة بتاعة شغل سارة نزلت في الحساب.. بكرة هحولكم أحلى واجب”.
الحاجة سعاد رادة عليه: “ربنا يخليها شقاية وتعمر، فايدة الست الشغالة والمقتدرة!”
نزلت تحت شوية.. لقيت نيرمين منزلة صور شنطة جديدة وعلاج للوش وتليفون جديد، وحازم راد عليها: “انبسطي يا حبيبتي، هي اصلاً مابتراجعش كشف الحساب ولا بتاخد بالها”.
إيدي كانت بترتعش وأنا بمسك التليفون وآخد سكرين شوتس لكل حاجة. بس المصيبة الأكبر لقيتها تحت.. من 3 شهور، حازم كان باعت صورة من مسودة عقد أعده مكتب محاماة وتسجيل عقاري. العقد كان بينص على إن أنا أتنازل عن 50% من ملكية الشقة ليه!
نيرمين كاتبة له: “طب ولو رفضت تمضي؟”
حازم رادد: “هفهمها إن ده إجراء روتيني عشان تأمين الشقة وحماية أملاك العيلة، ولما نجيب عيل الموضوع هيبقى أسهل، سارة هتهدى وتتعب من الشغل وتعتمد عليا كلياً”.
والحاجة سعاد ختمت الكلام: “أهم حاجة حطوا إيدكم على نص الشقة والأرض الأول، وبعدين كل حاجة هتترتب براحتنا”.
والضربة الثانية جت بعدها على طول. نيرمين مكنتش نازلة القاهرة عشان شغل ولا حاجة. في الشات من أسبوع، كانت كاتبة: “أنا هروح أقعد هناك وأضغط عليها بوجودي.. لما تتاقلم إن البيت متاح للكل، هتمضي على العقد من غير ما تعمل دراما”.
فضلت بؤرة في الشاشة لحد ما سمعت المية اتفلت في الحمام. بعت كل السكرينات لمريم، وسيفتهم على الجوجل درايف، ومسحت رسائل البعث من على التابليت.
حازم خرج وهو بينشف شعره بالفوطة:
— إيه، انصلح حالك وراقت أوهامك ولا لسه؟
بصيت له ولأول مرة مش شايفه جوزي؛ شايفه راجل كان بياخد ثقتي ويحولها لخطة استنزاف مالي.
— اه —رديت بهدوء—، فهمت حاجات كتير أوي.
ابتسم وهو فاكر إنه كسب المعركة.
تاني يوم الصبح، مريم جهزت الخطة القانونية كاملة: فصل فوري لحساباتي وأرباحي، توثيق كل التحويلات البنكية، رفع دعوى قضائية لاسترداد الأموال المنهوبة، وطلب تحفظ عاجل على حسابه الشخصي اللي فيه الـ 420 ألف جنيه. وأكدتلي على حاجة حاسمة: طالما الجواز بعقد انفصال أموال والشقة باسمي ومشتراة قبل الجواز، حازم مالوش أي حق قانوني أو ملكية مهما طالت مدة إقامته.
بس المفاجأة الأكبر جت بعد الضهر لما مريم كلمتني.
— سارة، إحنا راجعنا ورق المحامي بتاع حازم.. الراجل كان حاجزلكم ميعاد الجمعة الجاية!
— ميعاد لإيه؟
— عشان يأخدك تمضي على تنازل الـ 50%، وكاتب في الملاحظات إن المالك موافق ومستعد للتوقيع!
هنا مات أي أمل في كلام أو عتاب.. وبدأت في إجراءات القطع.
يوم الإثنين طلبة أشتغل من البيت. الساعة 10 الصبح جه فني الأقفال وغير الكالون الإلكتروني للباب، وسجلت بصمتي أنا بس. بعد كده نزلت لمسؤولة العمارة، فرجتها العقد المسجل وطلبت منها رسمياً منع دخول نيرمين بدون إذني. الشنطتين بتوعها مع هدومها وميك أب بتاعها اتجمعوا واتحطوا في كرتونتين جنب الأسانسير تحت في الاستقبال، مع وجود بيان بالصور والحاجة عشان محدش يتهماني برمي أو سرقة أي حاجة.
الساعة 2:15 الضهر، تليفوني بدأ يرن بنيرمين.
— انتِ اتجننتي؟! افتحيلي الباب أطلع!
— حاجتك كلها كاملة ومحفوظة تحت في الريسبشن.
— دي شقة أخويا ومكاني!
— لا، ده الوهم اللي كلكم عشتوه على حسابي.
وقفلت في وشها.
حازم جه جاري قبل الساعة 5. كان هياكل الباب بضربات إيده. طلعت له في الطرقة بره الشقة.
— افتحي! هنشوف الموضوع ده جوه!
— اللي بيننا يتقال هنا.
— أنا جوزك!
— وأنا صاحبة العقار.
باب الأسانسير اتفتح، وخرجت منه مريم ومعاها محضر من المحكمة ومحامي تاني ومعاهم دوسيه أزرق.
عصبية حازم اتشفطت في ثانية.
— إيه ده؟ إيه اللي بيحصل؟
مريم سلمته الورق:
— إعلان بدعوى طلاق للضرر، مع استرداد حقوق مالية وتحفظ عاجل على حسابك البنكي الشخصي اللي فيه الـ 420 ألف جنيه المسحوبة من الحساب المشترك.
حازم وشه جاب ألوان:
— سارة.. الموضوع أبسط من كده، ينفع نتفاهم!
— طبعاً هيتصلح.. بس بالقانون مش بالطريقة اللي خططت لها.
حازم حاول يرجع بصوته الحاسم:
— الفلوس دي حقي، أنا كنت بشارك وبحط في الحساب ده!
مريم فتحت ورقة كشف الحركة:
— وده هيتحسب بالسنتيم من خلال تتبع الحسابات والتحويلات. لكن اللي مش هيتغير إنك كنت بتهرب الفلوس لغيرك وبتقول لمرتك دي مصاريف بيت.
حازم بصلي وكأنه يادوب بيفهم إن سكوتي الأيام اللي فاتت مكنش استسلام، كان ترتيب.
في اللحظة دي، نيرمين والحاجة سعاد طلعوا على السلم جاري، ينادي عليهم حازم تقريباً.
— يا فضيحتنا في العمارة! —الحاجة سعاد صرخت قدام 3 جيران كانوا بيطلوا من أبوابهم— هتخربي بيتك وتطلقي عشان شويه فلوس؟!
أنا طلعت تليفوني:
— لا، ابنك هو اللي خرب البيت لما عمل شغلي وتعبي حنفية فلوس مفتوحة ليكم.
نيرمين ضحكت بصوت عالي بتوتر:
— ومش هتعرفي تثبتي إنه إدانا حاجة من فلوسك!
مريم رفعت التابليت:
— معانا حركات الحساب، والرسائل والڤويسات بتاعتكم كمان.
وش نيرمين اتخطف.
أنا قريت جملة واحدة بس بصوت واضح من الشات بصوت حازم:
— “هي أصلاً مابتراجعش كشف الحساب ولا بتاخد بالها”.
الطرقة كلها سكتت.
الحاجة سعاد بصت لابنها:
— قولهم إن الكلام ده في كلام غيره ومقصدكش كده!
حازم معرفش ينطق.
طلعت الورقة الأخيرة: صورة ملف المحامي وميعاد الجمعة الجاية.
— وكمان كنت ناوي تخليني أوقع على تنازل عن نص شقتي وتقولي ده تبع التأمين!
نيرمين رجعت خطوة لورا، والحاجة سعاد بلعت لسانها، وحازم حاول يدور على كذبة منقذة ملحقش.
— سارة.. أنا كنت بآمن مستقبل عيلتنا بس!
— لا، كنت بتأمن عيلتك أنت على حساب شقايا ومستقبلي.
دخلت وقفلت الباب.
وما فتحتوش تاني أبداً.
الشهور اللي بعد كده مكنتش دراما أكشن، كانت شهور صعبة: محامين، جلسات خبراء حسابيين، قضايا تفكيك حسابات، وجلسات محكمة. بس لأول مرة، كان كل إجراء بعمله بيبني حمايتي بدل ما بيهدمها. حازم حاول يدعي إن التحويلات كانت “مساعدات أسرية بعلمي”، بس الرسائل دفنته. نيرمين ادعت إنها كانت فاكرة إن الفلوس بعلمي، بس تسجيلاتها الصوتية وهي بتقول “قبل ما سارة تاخد بالها” أثبتت العكس. الحاجة سعاد اضطرت تبيع عربيتها وترجع جزء من المبالغ، ونيرمين ردت فلوس كانت حطاها في وثيقة استثمار. أما الـ 420 ألف بتوع حازم اتجمدوا في القضايا وماعرفش يلمس منهم جنيه.
في الآخر، وصلنا لتسوية وتم التوقيع عليها في المحكمة: حازم أقر بالمديونية والمبالغ اللي اختلسها، ووافق يردها على دفعة أولى وأقساط شهرية إلزامية، وفي حالة التأخير مريم ليها الحق تبدأ تنفيذ فورياً على كل ممتلكاته. والشقة فضلت باسمي ومثبتة ملكيتي لها 100%.
يوم ما وقّعنا العقد النهائي، حازم استناني بره المبنى.
كان خاسس جداً، وشكله هربان منه صوت الراجل اللي كان بيفكر ويقرر بدالي.
— عمر ما تخيلت إنك ممكن تروحي للدرجة دي.
— ولا أنا اتخيلت إنك ممكن توصل للدرجة دي معايا.
— أمي بقت مديونة، ونيرمين اضطرت ترجع القليوبية تاني.. ده يرضيكي ويفرحك؟
بصيت له بمنتهى الهدوء:
— مش فارق معايا أفرح فيكم.. اللي فارق معايا إني ارتحت من دفع ثمن قرارات أنا ما خدتهاش.
سكت وماردش.
— يعني مفيش أي فرصة تانية؟
— الفرصة كانت قدامك على مدار 3 سنين كاملين.. في كل مرة كان ممكن تقول فيهم الحقيقة.
مشيت وما بصيتش ورايا.
بعد 6 شهور، حولت أوضة الضيوف القديمة لمكتبي الخاص. شلت السرير، وحطيت مكتب خشب كبير قدام الشباك، وعلقت على الحيطة اللوحات والتصاميم لأكبر مشروع استلمته في حياتي: تشطيب وتصميم أوتيل في الأقصر.
في يوم وأنا براجع الشغل، جالي إشعار على التليفون من البنك.. تحويل قسط حازم الشهري.
ما حسيتش بنصر ولا بحزن.
حسيت بروقان وبال وراحة.
التليفون رن تاني، كان مسج من عميلة بتأكد معايا عقد شغل جديد. ابتسمت وفتحت الملف.
زمان كنت فاكرة إن البيت والعيلة معناه إني أتنازل وأسكت وأثق بدموي.. دلوقتي عرفت إن الحب مش معناه أبداً إنك تدي مفتاح كرامتك ومالك لحد.
وكل ما الباب الإلكتروني يفتح بمسة بصمتي، بفتكر اليوم اللي جت فيه واحدة بشنطتين فاكرة إنها تقدر تاخد بيتي.. ومن غير ما تقصد، هي كانت السبب اللي خلاني أرجع حياتي.
💚 لو كنتِ مكانها، هل كنتِ هتسامحي عيلة استغلتك كـ “ماكينة إيه تي إم”، ولا كنتِ هتجيبي حقك لأخر مليم وتقفلي الباب للأبد؟