أمي جاية تعيش معانا من النهارده

​ما تناقشتش معاه ولا دخلت في جدال. والسكوت ده قلقه أكتر من لو كنت زعقت.
​الليلة دي ما عرفتش أنام. فتحت اللابتوب ودخلت على حساب البنك اللي كنت فاتحه لما هدير ومصطفى مروا بظروف مادية صعبة وجوم عاشوا معايا. كنت بحط فيه فلوس عشان مصاريف البيت، الفواتير، وطلبات البيت. مصطفى كان معاه كارت إضافي يتحكم فيه. بقالي شهور ما راجعتش الحركة على الحساب.. وده كان غلطتي.
​اكتشفت تحويل بـ 18 ألف جنيه لحسابه الشخصي. وبعديه تحويل تاني بـ 27,500. وبعديه 14 ألف! مطاعم، تصليح لعربيته، مصاريف دكاترة وعلاج للحاجة ثريا.. وحجز رحلة لشرم الشيخ اللي مصطفى قدمها ساعتها على أنها “هدية منه للعيلة”!
​وفي الآخر، لقيت تحويل بـ 135 ألف جنيه.. جنبها ملحوظة جمدت الدم في عروقي: “مقدم دار مسنين للحاجة”.
​فتكرت حاجة.. من كام أسبوع، مصطفى كان جاب سيرة دار مسنين خاصة ونظيفة جداً ناحية 6 أكتوبر. وقال إن ثريا رفضتها عشان “مش عاجباها”. لكن الحقيقة إنه كان دافع عربون وحاجزلها فيها بفلوسي أنا! ثريا مكنتش مرمية في الشارع، ولا عمرها كانت كده.
​تاني يوم الصبح، جاري الحاج إسماعيل أوقفني:
​— يا حاج سامح، كنت عايز أسألك على حاجة.. مصطفى طلب مني استلفة 35 ألف جنيه من شهرين، وقاللي إنك أنت اللي طالبتهم منه لحاجة مستعجلة.
​جالي شعور برودة وتنميل في بطني.
​— أنا عمره ما طلب مني ولا طلبت منه يطلب منك فلوس.
​الحاج إسماعيل وشه اصفرّ.
​رجعت البيت وحسبت كل حاجة. في خلال تمنطشر شهر، خرج أكتر من 680 ألف جنيه لمصاريف أنا عمري ما وافقت عليها ولا عرفت عنها حاجة.
​وفجأة بصيت على التابلت بتاع العيلة اللي محطوط على الترابيزة. مصطفى كان رابط رسايله عليه. فتحت الشات بينه وبين ثريا. من تلات أسابيع كان كاتب لها: “متشيلش هم يا أمي، تعالي وعيشي معايا الوقت اللي يعجبك. هفضيلك الأوضة اللي تحت، حمايا اصلاً مبقاش يعمل حاجة تقيلة في الورشة دي”.
​كملت قراية.. ولقيته كاتب لأخته: “البيت واسع وفي مساحة زيادة، وده الطبيعي والمنطقي إن أمي تشاركنا”.
​حسيت بحاجة مختلفة عن الغضب.. حسيت بوضوح وتفتيح عين.
​هدير رجعت الضهر. ورّيتها الرسايل.
​— كنتِ تعرفي حاجة عن ده؟
​— ولا حاجة يا بابا.. صدقني.
​بعدها ورّيتها التحويلات البنكية. حطت إيديها الاتنين على بقها من الصدمة.
​— كل دي فلوس اتسحبت من حسابك أنت؟!
​— أيوه.
​— مصطفى كان بيقولي إنه بيصرف على أمه من مكافآت وأرباح الشغل عنده!
​ساعتها بس فهمنا حجم الكذبة الكبير قد إيه. مصطفى مش بس أوهم ثريا إن البيت بتاعه.. ده بنى على مدار سنين صورة لنفسه إنه الراجل الكريم والمصرف على الكل، وده باستخدام فلوسي، أملاكي، وحتى سكوتي!
​أخر النهار، ظهر بوست على الفيسبوك عند ابن عمه كاتب فيه: “فيه ناس بتدخل العيلة بس عشان تهدها وتخربها”.. ومصطفى كان عامل “لايك” على البوست!
​اول ما رجع البيت، حطيت ورق التحويلات قدامه على الترابيزة.
​— أنا عرفت كل حاجة عن الفلوس.. وعن الحاج إسماعيل.. وعن دار المسنين.. وعن الوعود اللي وعدتها لأمك.
​وشه بقى فاضي ومفيهوش أي تعبير.
​— أنا كنت هشرحلك كل حاجة والله..
​— إمتى؟
​ما ردش.
​بعدها بيومين اتصل بيا:
​— أمي عايزانا نتجمع كلنا يوم الأحد.. العيلة بس، عشان نوضح كل النقاط وننهي الخلاف ده.
​— كام واحد هيحضر؟
​— عدد صغير من العيلة.
​وافقت. بس قبل الأحد، رحت لمكتب محامية. خرجت من عندها ومعايا صور من عقد الشقة والبيت، كشوف الحسابات، إيصالات التحويلات، الرسايل المطبوعة، وتأكيد دفع الـ 135 ألف جنيه بتوع حجز دار المسنين بتوع ثريا.
​يوم الأحد جمعت كل الورق ده في ملف. هدير كانت شايفاني وأنا بحطه.
​— بابا.. أنت ناوي تعمل إيه؟
​قفلت الملف:
​— مش هعمل غير اللي كان مفروض أعمله من ست سنين.
​ولما وصلت المطعم ولقيت إن مصطفى وأمه أخدوا معاهم أربعتاشر واحد من قرايبهم عشان يحاكموني ويضغطوا عليا، فهمت إن الحقيقة خلاص هتنكشف قدام الكل.
​بس ولا واحد فيهم كان جاهز أو متوقع اللي جوة الملف ده…
الجزأ التالت والأخير من القصة بالعامية المصرية وبنفس الأسماء والأماكن المصرية:
​الجزء الثالث والأخير
​دخلت المطعم ولقيتهم محجوزين ترابيزة طويلة، أربعتاشر فرد من عيلة مصطفى وثريا قاعدين ومستنييني، وجوههم مليانة تربص وكأنهم حكام في محكمة، ومصطفى قاعد في النص وشه في الأرض بيصطنع مظلومية.
​أول ما قعدت أنا وهدير، ثريا بدأت الكلام بصوت عالي قدام الكل:
— يا جماعة، إحنا جمعناكم النهارده عشان تشوفوا قسوة الراجل ده، طردني من بيت ابني، ورمى حاجتي في الشارع، وخلي ابني يكسر نفسي قدام الغريب!
​الكل بدأ يتهامس وبصات العتاب ليا زادت.
​مسكت الدوسية، فتحته بهدوء، وطلعت أول ورقة، وحطيتها قدام كبير عيلتهم.
​— دي عقد ملكية البيت الشقة والعمارة بالكامل، باسمي أنا “سامح”، من تلاتة وعشرين سنة، مصطفى عايش في بيتي بفضلي أنا، وما يملكش فيه ولا طوبة واحدة.
​الترابيزة سكتت تماماً، وثريا عينها اتوسعت من الصدمة وبصت لمصطفى.
​طلعت الورقة التانية:
— ودول إيصالات سحب وتحويلات بنكية بأكاديمية أكتر من 680 ألف جنيه من حسابي الشخصي، مصطفى كان بيسحبهم بدون علمي، وبيصرف بيهم على فسحه، وتصليح عربيته، ومصاريف أمه، وهو بيوهمكم كلكم وبيوهم أمه إنه هو البرنس اللي بيصرف من جيبه ومكافآته!
​مصطفى وشه بقى أصفر زي الليمونة وقام وقف:
— يا عم سامح… يا عم سامح استهدى بالله…
​— اقعد مكانك! —صوت أخته طلع فجأة وهي مبصومة.
​طلعت الورقة التالتة:
— وده إيصال بمبلغ 135 ألف جنيه دفعهم مصطفى من فلوسي أنا برضه لحجز مكان للحاجة ثريا في دار مسنين خاصة في 6 أكتوبر. يعني يا هانم، ابنك البار كان حاسب حساب كل حاجة، ومكنتيش هتعيشي معاه في ورشتي ولا حاجة، ده كان بيمهد عشان ينقلك الدار بفلوسي بعد ما يستولى على الأوضة!
​ثريا بصت لمصطفى وهي مش مصدقة، ودموعها نزلت بس المرة دي مش تمثيل، كانت صدمة العمر في ابنها الوحيد اللي باع شقتها وأوهمها إنه صاحب أملاك وبيخطط يرميها في دار مسنين بفلوس حماه.
​— أنت عملت كده يا مصطفى؟! —سألته ثريا بصوت بيتجرح.
​مصطفى معرفش يرد كلمة واحدة، وبقى يتبص للكل وهو مش قادرة يرفع عينه في حد.
​قمت وقفت، وبصيت لهدير بنتي:
— هدير، قرارك في إيدك، بس بيتي مش هيدخله بني آدم استغلني وخدعني ونهب فلوسي وعايز يهد حياتنا.
​هدير مسحت دموعها وقامت وقفت جنبي، وبصت لمصطفى وقالتله بكلمة واحدة:
— ورقتي توصلني يا مصطفى.. أنت سقطت من نظري ونظر العيلة كلها.
​خرجت من المطعم وأنا شايل الملف في إيدي، حسيت إن فيه جبل انشال من على صدري.
​بعدها بأسبوعين، مصطفى طلّق هدير ورجع كمل حياته بيحاول يدفع الديون اللي عليه للحاج إسماعيل ولغيره. ثريا راحت عاشت مع أختها في الأرياف بعد ما كرهت ابنها وما بقتش تطيق تطلع في وشه.
​أما أنا، فرجعت لورشتي، أصلحت الكرسي الهزاز بتاع عفاف الله يرحمها، دهنته ورنيش جديد، وقعدت عليه في الشمس، وأنا عارف إن البيت أخيرًا رجع فيه الأمان والهدوء اللي اتسرقوا منه لسنين.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *