حمات بنتي

حمات بنتي السابقة هانتها قدام عمال النقل: “دخلتي من غير حاجة وهتخرجي زي ما دخلتي”. بعد اثني عشر سنة جواز، بنتي كانت هتقرب تسيب هناك حتى البوفيه بتاع جدها. ما عليتش صوتي؛ بصيت للعمال وأمرت: “ابدأوا بده”. جرت تنادي على ابنها، وهي مش متخيلة هو كان على وشك يعترف بإيه.
​الجزء الأول
​— أنتِ جيتي البيت ده من غير ولا مليم وعلى كدة هتطردي! مالكيش حق تاخذي معاكي أي حاجة من هنا! —صرخت عواطف نسيبتي قدام عمال النقل.
​بنتي مريم، اللي عندها 36 سنة، فضلت واقفة مكانها جنب الباب من غير ما تتحرك. كانت لسه مقفلة جواز دام اتناشر سنة، والست اللي كانت بتهينها لم تكن حتى طليقها، دي كانت عواطف، حماتها.
​— لمي هدومك وحاجتك الشخصية. والعفش قاعد زي ما هو. البيت ده ملك ابني طارق —كملت وهي بتشاور على الكراتين.
​مريم نزلت عينيها في الأرض. أنا عرفت النظرة دي كويس. دي كانت نفس النظرة اللي شفتها كذا مرة في السنين اللي فاتت: خليط من التعب، والكسفة، والخوف إنها تعمل مشكلة جديدة.
​اسمي صفاء، عندي 59 سنة، وصالتي أكتر من تلاتين سنة بصلح وأرمم أثاث وأنتيكات قديمة في ورشة صغيرة في الدرب الأحمر.
​يوم الثلاثاء ده كنت رافقة بنتي عشان أساعدها في النقل. ما كنتش متوقعة أبداً إني ألاقي عواطف مراقبة كل حركة بنعملها كأننا بنحاول نسرق بيتها.
​بس عشان تفهموا اللي حصل، لازم أحكي حاجة الأول.
​مريم عرفت طارق لما كان عندها 23 سنة. كانت بتشتغل في عيادة علاج طبيعي وهو كان شغال موظف في شركة أدوات ومعدات كهربائية. كان باين عليه شاب محترم ومجتهد ومرتب.
​لما أعلنوا خطوبتهم، طارق اقترح إنهم يعيشوا في بيت قديم في مصر الجديدة أبوه كان كاتبهاله ومهديهاله من سنين.
​مريم كانت عارفة إن البيت ده ملك لطارق قانوناً. وعمرها ما اتكلمت في النقطة دي ولا ناقشتها.
​بس، هي اللي دفعت جزء كبير من مصاريف التشطيبات والتجديدات الداخلية، واشترت الأجهزة الكهربائية، واختارت العفش، وقضت عطلات أسبوعية لا تعد ولا تحصى عشان تحول المبنى الفاضي ده لبيت دافئ ومريح.
​وأنا كمان ساهمت معاهم.
​رممتلهم كذا كرسي وبوفيه خشب كان بتاع أبويا، الجد إبراهيم. الموفوع إن كان فيه حرق صغير على شكل هلال، سببه سيجارة أبويا كان سايبها والعة من سنين طويلة.
​مريم سألتني ليه مش بشيل العلامة دي.
​— عشان ساعتها البوفيه هيبطل يحكي حكاية جدك —رديت عليها.
​نقلناه لبيتهم الجديد قبل الفرح بشوية صغيرة.
​في السنين الأولى، كل حاجة كانت ماشية تمام. وبعدين اتولدت حفيدي حبيبة، وعواطف بدأت تتدخل أكتر وأكتر في القرارات العائلية.
​الأول كانت بتعلق على أكل البنت. وبعدين مواعيدها، مدرستها، الديكور، وحتى لبس مريم نفسها.
​ولما بنتي كانت بتعترض، طارق كان بيرد دايماً بنفس الكلمة:
​— أنتِ عارفة أمي كويس. مش قصدها وحش والله.
​الوضع ساء واتدهور أكتر لما مات رأفت، أبو طارق.
​عواطف بقت تقعد وتصرف وقت أطول بكتير في بيتهم. بل وكمان، بعد ما عملت عملية في ركبتها، قعدت واستقرت هناك شهور طويلة.
​غيرت مكان العفش، رتبت المطبخ على كيفها، وجابت ست تساعد في التنظيف من غير ما تاخد رأي مريم أو تستشيرها.
​وطارق كان بيتجنب يتدخل تماماً.
​في يوم من الأيام، حبيبة سألت لو تقدر تدهن اوضتها باللون الأخضر.
​— ده تسألي فيه أبوكي، عشان البيت بيته أصلاً —ردت عواطف.
​مريم بصت لجوزها، وهي مستنية إنه يدافع عنها.
​— ما تعمليش فضيحة وخناقة قدام البنت —كان ده كل رده.
​في الليلة دي بنتي فهمت وعرفت إنها ما بقتش عاوزة تعيش بالطريقة دي تاني أبداً.
​حاولوا يروحوا لدكتور استشارات أسرية، بس في الآخر انتهى بيهما الحال بالانفصال.
​ودلوقتي، وعواطف بتكرر وتقول إن مريم ما ساهمتش بحاجة خالص، واحد من العمال شاور على بوفيه أبويا.
​— يا ست هانم، نشيل ده كمان معانا؟
​— البوفيه ده ما يخرجش من هنا! —أمرت عواطف بصوت حاد.
​قربت من البوفيه، ومشيت صوابعي على الحرق الصغير، وبصيت للعمال مباشرة وقلت:
​— يا رجالة، هو ده بالذات أول واحد هنخرجه بره.
​عواطف وشها احمر من الغضب والجنون وتقدمت ناحيتنا.
​وما كانتش لسه عرفت إن العفش القديم ده كان على وشك يهدم ويكشف الكذبة اللي قعدت اتناشر سنة ترددهالنا.
​الجزء الثاني
​— إياكم تلمسوه! —صرخت عواطف وهي واقفة قدام البوفيه. العمال وقفوا مكانهم. مريم حطت إيدها على جبينها. —أمي، أرجوكي، مش عايزة مشاكل. —ولا أنا يا بنتي. إحنا بس بناخد الحاجة اللي تخصك. عواطف ضحكت بتهكم وشخير. —تخصها؟ حتة العفش دي بقالها اتناشر سنة في البيت ده. ابني هو اللي شايل ومتحمل كل حاجة هنا بينما بنتك كانت عايشة ومتمتعة بالبيت! بصيت لها بثبات وقلت: — البوفيه ده كان بتاع أبويا. أنا اللي رممته بإيديا ودولته لمريم عشان بيتها. أنتِ عارفة كويس أوي إنه مش بتاع طارق. —طب ما دام كده، كنتِ خدتيه من سنين! —من سنين بنتي كانت لسه عايشة هنا. العمال بدأوا يشيلوه. ولما عدوا بيه من الباب، عواطف كان شكلها خلاص هيفرقع من الغيظ. بس دي كانت مجرد البداية. العفش اللي بعده كان سفرة بـ ست كراسي. — هتاخدوا السفرة هي كمان؟! —صرخت عواطف. مريم طلعت ملف من كرتونة. —أنا اشتريتها قبل ما أتتجوز بتلات شهور. وادي الفاتورة اهي باسمي. عواطف حتى ما رضيتش تبص عليها. — ابني هيقعد من غير حاجة بسببكم! — ابتك حيقعد بالأنتريه، والسريرين، والتلاجة، والتلفزيون، وجزء كبير من عفش البيت —ردت مريم—. أنا باخد بس الحاجات اللي اتفقنا عليها. في الوقت ده العمال بدأوا يفصلوا الغسالة. عواطف كانت هتفقد اعصابها تماماً. — الغسالة دي لا! كده كتير أوي! بنتي اتنفست بعمق. —أنا دفعتها من مكافأة خدتها في العيادة. والفاتورة باسمي. —مش هسمحلك تسيبي طارق قاعد زي الشحاتين! وفي اللحظة دي ظهر طارق. دخل وهو بيجري بعد ما جاله كذا اتصال من أمه. بص على الكراتين والأماكن الفاضية. — في إيه اللي بيحصل هنا؟ عواطف جرت عليه. —طليقتك بتهد بيتك وتفضيه! بتأخد حتى الأجهزة الكهربائية! طارق بص لمريم. وبعدين بص للسفرة اللي العمال بيطلعوها على العربية. —يا أمي، السفرة دي مريم هي اللي اشتريتها. عواطف برشت بعينيها مش مصدقة. —والغسالة؟ —بتاعتها هي كمان. —والبوفيه الوحش ده؟ طارق قطم حواجبه. —ده بتاع عيلة أبلة صفاء. أنتِ طول عمرك عارفة كده. السكوت كان تام في المكان. عواطف فضلت تبص لابنها كأنه لسه خاينها حالا. —أنا مش مصدقة إنك واقف في صفهم ضد أمك! —أنا مش واقف في صف حد. أنا بقول الحقيقة. — الست دي بتاخد كل حاجة أنت بنيتها! طارق بص لمريم. ملامح وشه اتغيرت. —لا يا أمي. هي كمان شاركت وبنت البيت ده معايا. ولأول مرة من اتناشر سنة، سمعت طارق بيعترف قدام أمه بحاجة مريم كانت محتاجة تسمعها من زمان أوي. بس بنتي ما ابتسمتش. بس بصتله بحزن كسري قلبي نصين. —أمي، روحي بيتك لو سمحتي —قال طارق في الآخر—. إحنا هنعرف نتفاهم ونحل الموضوع ده. عواطف لمت شنطتها وخرجت ورزعت الباب وراها. خلصنا النقل بعد الظهر. ولما وصلنا شقتها الصغيرة الجديدة، مريم قعدت على الأرض جنب البوفيه. —أمي، عارفة إيه أصعب حاجة؟ —همست—. لما عواطف قالت إني دخلت من غير حاجة، في لحظة صدقتها وحسيت إن عندها حق. حسيت بغصة ووجع في حلقي. بنتي شقيت واشتغلت اتناشر سنة عشان العيلة دي، ودلوقتي كانت مكسوفة ومكسورة وهي بترجع حقها وحاجتها. افتكرت إن الأصعب والأوجع عدى خلاص. بس طلعت غلطانة. بعد أسبوعين، طارق ظهر فجأة عندي في الورشة. عينيه كانت تعبانة وشكله مانامش بقاله أيام. —يا أبلة صفاء، أنا محتاج أحكيلك حاجة عن جوازي من مريم. حطيت الصنفرة من إيدي على الترابيزة. —يبقى المفروض تروح تحكي الكلام ده لمريم مش ليا. — هروح أحكيلها، بس كان لازم أقولك الأول إن أمي ما كانتش هي المسؤولة الوحيدة. بصيتله وأنا مش فاهمة. طارق بلع ريقه بصعوبة. —من أربع سنين، مريم كانت عايزة تجدد وتوضب المطبخ. أنا قلتلها إن معاييش فلوس تكفي. —أنا فاكرة إنها زعلت أوي وقتها. —التكلفة كانت عالية فعلاً، بس إحنا كنا نقدر ندفعها عادي. ده ما كانش السبب الحقيقي. حسيت بإيديا بتتلج. — أمال ليه قلتلها كده؟ طارق نزل راسه في الأرض. —علشان أمي خليتني أوعدها بحاجة تخص البيت ده. وأنا فضلت إني أظلم وأكدب على مراتي على إني أقف وش لأمي. اللي اعترف بيه بعد كده خلاني أفهم إن مريم قعدت سنين بتحارب وبتقاووم قرار جوزها خده من ورا ضهرها.
​أخذت نفسًا عميقًا وبصيت لطارق، وصوت طرقة الصنفرة في الورشة المجاورة كان هو الصوت الوحيد اللي مكسور السكوت بينا.
​— كمل يا طارق… سامعاك.
​— أمي كانت مرعبة يا أبلة صفاء… كانت كل يوم تزن في ودني وتقولي إن مريم ممكن تسيطر على البيت، وإنها «غريبة» مش من أصل العيلة، وإن الفلوس اللي بنتي بتجيبها أو بتصرفها هتيجي على حساب أصولنا. طلبت مني أرفض أي طلب تجديد، وأكدب عليها في الفلوس، وأخليها دايماً حاسة إنها ضيفة مش أكتر… عشان لو في يوم حصل طلاق، تخرج زي ما دخلت، بالظبط زي ما أمي صرخت يوم النقل.
​حسيت بنار بتغلي في صدري. إزاي راجل عاقل يسلم مراته وعمره وحياته لست تانية تتحكم في كل تفصيلة من غير ما يرف له جفن؟
​— وكنت بتنام بالليل مرتاح يا طارق؟ وأنت شايف مراتك بتحوش وتساعد وتتحمل عشان تفتح بيتك وتكبر بنتك، وأنت عارف إنك طاعنها في ضهرها باتفاق حقير مع أمك؟
​طارق نزل راسه ودموعه نزلت على إيديه.
​— ما كنتش مرتاح ولا ثانية واحدة. بس كنت ضعيف… ضعيف لدرجة إني ضحيت بكل حاجة عشان أرضي أمي اللي ماليش غيرها. والنتيجة إني خسرت كل حاجة بجد.
​— جاي تقول الكلام ده ليه دلوقتي؟ مريم سابت البيت وانفصلت، وكل واحد راح لحاله.
​— عايز أروح أقولها بنفسي. عايزها تعرف إني مش بس كنت ضعيف، أنا كنت شريك في الج/ريمة اللي أمي ارتكبتها في حقها سنين طويلة.
​وقفت من على الكرسي، ووضعت إيدي على كتفه بقوة.
​— اسمعني كويس يا طارق. مريم قعدت اتناشر سنة تحاول تبني حياة مع راجل، وطلعت في الآخر بتحارب طواحين هواء، بتحارب أمك اللي كاتمة على أنفاسكم، وبتحاربك أنت لأنك خذلتها. لو عندك ذرة كرامة واحدة، بلاش تقرب منها تاني. سيبها تبدأ من جديد، وسيب جروحها تلتئم بعيد عنكم.
​مشى طارق من الورشة وهو بيجر وراه خيبته وندم ما ينفعش يصلح حاجة.
​لما رجعت البيت وحكيت لمريم اللي طارق قاله، ما صرختش ولا عيطت زي ما كنت متوقعة. بالعكس، بصت قدامها لفترة طويلة كأنها بتنفض عن كتافها تراب سنين طويلة من القهر والظلم.
​— عارفة يا أمي؟ —قالت بهدوء غريب— أنا كنت فاكرة إني ضعيفة وإني أنا اللي قصرت. بس دلوقتي وبس، عرفت إني كنت قوية أوي إني استحملت كل ده اتناشر سنة من غير ما أفقد عقلي.
​بعد شهور قليلة، مريم قدرت تقف على رجليها من جديد، وفتحت مشروعها الصغير الخاص بالديكور وإعادة تدوير الأثاث، وبقت تقف في ورشتنا تشاركني الشغل بإيدها وابتسامتها اللي رجعت تنور وشها من تاني.
​أما البوفيه القديم، فحطيناه في صدر الورشة الجديدة مكان ما الكل يشوفه.
​الحرق الصغير اللي على شكل هلال لسه موجود عليه، وكل ما حد كان يسألني عنه، كنت ببتسم وأقول بصوت عالي:
​— ده مش عيب ولا تلف… ده أثر سيجارة لجد بيحكي حكاية عيلة وقفت مع بعضها، وبنت نفسها بنفسها، من غير ما تحتاج لمنة أو كبرياء حد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *