عايز يطلقني 1

المرة الاتناشر اللي جوزي ه.د.دني فيها بالطلاق، كنت واقفة في مطبخ بيتنا في ضواحي القاهرة بقطع الجبنة الشيدر لمكعبات صغيرة عشان طبق مقبلات لعزومة هو رتب لها من غير ما يأخذ رأي. حماتي ميرفت كانت قاعد على الكنبة بتشرب كاس عصير، وأخو جوزي الصغير باسم كان قاعد على ترابيزة السفرة بيلعب في موبايله. وفوق في الأوضة، بنتنا لونا اللي عندها سبع سنين كانت سكتت بالطريقة الحذرة دي اللي العيال بتعملها لما يحسوا إن فيه خناقة هتبدأ.

​مفيش أي حد بان عليه القلق أصلاً لما أدهم قالها.

​دي أكتر تفصيلة فاكراها بوضوح تام. مش الس/كينة اللي في إيدي ولا الجبنة اللي بدأت تعرق على بلانشة التقطيع. ولا حتى الكلام نفسه. اللي فاكراه هو قد إيه الكل كان مرتاح وحاسس بالاعتياد مع الجملة دي.

​أدهم قال من على باب المطبخ: “لو شغلك فجأة بقى أهم من العيلة دي، يمكن الأفضل إننا نتطلق وخلاص.”

​ميرفت شربت رشفة كمان من العصير. وباسم صباعه فضل يتحرك على شاشة الموبايل.

​لمدة تسع سنين، الجملة دي كانت دايماً هي نهاية أي خناقة. أي موضوع كنا بنتكلم فيه بيختفي فجأة، وأبدأ أنا المهمة المعتادة في إني أطمن أدهم إني بحبه، وإني مقدرة عيلتنا، وإني مش بقصد أصعب عليه حياته. في النهاية، كان بيهدى. وبعدين ممكن يبقى حنين، وكمان كريم. والمشكلة اللي بدأت الخناقة أصلاً بتفضل زي ما هي من غير أي حل.

​المرة دي، حطيت السك/ينة من إيدي.

​قلت: “تمام.”

​حواجب أدهم اتجمعت: “تمام إيه؟”

​فكّيت المريلة، طبقتها مرة واحدة، وحطيتها جنب بلانشة التقطيع.

​”تمام. خلينا نتطلق.”

​باسم أخيرًا رفع عينه. وميرفت وقفت والكاس في نص الهوا. أدهم طلع ضحكة صغيرة مستغربة، الضحكة اللي الناس بتطلعها لما الكلام اللي يسمعوه ما يكونش هو اللي متوقعينه.

​”يا ليلى، متكونيش درامية.”

​”أنا مش درامية. إنت قلت إنك عايز طلاق. وأنا بقولك موافقة.”

​”أنا قلت يمكن.”

​”إنت قلت ‘يمكن’ دي إحدى عشرة مرة قبل كده.”

​الأوضة هديت تماماً لدرجة إني كنت سامعة صوت التلاجة وهي شغالة ورايا.

​خناقتنا كانت بدأت بعد ظهر اليوم ده بسبب حفلة أدهم رتب لها ليلة السبت. هو محامي في مكتب كبير، وواحد من الشركاء الكبار كان بيتكرم. أدهم عرض بيتهم عشان يجمعوا اثنين وعشرين زميل من الشغل مع زوجاتهم. وهو ناقش الموضوع ده مع مسؤولة الموارد البشرية في الشركة، واختار ميعاد، وخلى الناس تحجز وتأكد حضورها قبل ما يقولي كلمة واحدة.

​ويوم السبت ده كان برضه أول يوم في مؤتمر مبيعات أدوية مدته يومين في الإسكندرية. وأنا كنت مخططة أروح من شهر يناير.

​قبل ما لونا تيجي، كنت مديرة حسابات إقليمية. كنت عارفة المنتجات، وبتوع المشتريات في المستشفيات، والشغل المجهد ورا كل رقم مبيعات كويس. بعد ما بنتنا جت، مواعيد أدهم وسفره خلوا شغلانتين محتاجين مجهود كبير حاجة صعبة تتحمل. واتفقنا إني أخفف شغلي شوية. الشوية دول اتحولوا لشغل استشاري دواع الجزء، والشغل الاستشاري ده اتحول ببطء للطريقة اللي كل الناس بقت تفكر بيها عن مساري المهني.

​مؤتمر الإسكندرية كان مهم جداً بالنسبة لي. كان عندي اجتماعات مع ناس في المشتريات مشفتهمش من سنين وفرصة عشان أعرض خط منتجات جديد. مكنش فيه أي ضمانات مستنياني هناك، بس كانت فيه فرصة أنا تعبت بجد عشان أستحقها.

​وأدهم كان عارف كل ده. ورحلتي كانت مكتوبة على أجندتنا المشتركة من أربع شهور.

​لما قالي عن الحفلة، قلت له إننا ممكن ننقلها ليوم الأحد، أو نلاقي مطعم فيه أوقات خاصة، أو هو يستضيف الناس يوم السبت لوحده من غيري. أنا مكنش قصدي أحرجه قدام شغله. أنا ببساطة مكنش عندي استعداد أضيع سفريتي.

​ميرفت كشرت كأنها بتعلق على حاجة بديهية وصعبة.

​يا ليلى، تقاعد شريك في الشغل ده مهم. أدهم ماينفعش يروح يقول لكل الناس إنه عمل غلطة.

​قلت لها: “خلاص هو يستضيفهم لوحده. دي حفيلته.”

​باسم ضحك بصوت واطي تحت فمه.

​أدهم كتف دراعه: “إنتي دايماً بتخلي الحاجات دي أسئلة عن إذا كانت خططك هي اللي بتتحترم وبس.”

​”أنا مخططة لده من شهر يناير.”

​”وأنا أكدت الحفلة الأسبوع اللي فات.”

​”بعد ما كنت أنا قايلالك أصلاً إني هبقى مسافرة.”

​”لازم حد فينا يكون مرن.”

​فاكرة إني بصيت على الساعة اللي فوق البوتاجاز. كانت الساعة ست وثمانية وثلاثين دقيقة. ميرفت وباسم كانوا جايين عشان يتكلموا في ترتيبات يوم السبت، وأنا كنت لسه بجهز المقبلات للعشا اللي كنت ناوية أقدمه ليهم. كان فيه أوراك فراخ بتستوي في الفرن وسلطة مستنية في الثلاجة. وحتى والخناقة دي مولعة حواليا، كان جزء من عقلي بيفكر إذا كانت الفراخ هتنشّف ولا لأ.

​سألته: “ليه دايماً أنا اللي لازم أبقى مرنة وأضحي؟”

​أدهم بص لأمه، وبعدين رجع بص لي: “أدينا بدأنا.”

​أنا مَعليتش صوتي. ومكنتش أهنت شغله ولا قلتله ما تعزمش أصحابك. بس كنت حاسة إن الحوار بيسرب من إيدي، وبيتحول من اللي هو عمله للنوع اللي أنا عليه كزوجة بحسب تصوره.

​قلت له: “أنا بس عايزاك تسألني قبل ما توعد الناس ببيتي وبوقتي.”

​”كنت فاكر إنك هتبقي موافقة وعادي.”

​أنا سمعت الكلمتين دول قبل كدة في مواضيع خطط عيد الميلاد، والزيارات المفاجئة، والفلوس اللي اتنقلت بين الحسابات، وعطلات نهاية الأسبوع اللي اتوعدت لأمه خلاص. “كنت فاكر إنك هتبقي موافقة.” كان بيقولها كأن الغلط في التوقع هو المشكلة الوحيدة، وكأنه بيطلب مني أتوقع حالة الطقس مش أتكلم مع الشخص اللي عايش معاه في بيت واحد.

​وبعدين طلعت جملة الطلاق.

​لما رديت عليه ووافقت، أدهم فضل باصص لي كذا ثانية، بيحاول يقرر إذا كان هيتعصب ولا هيستغرب.

​قال: “إنتي بتعملي خناقة قدام عيلتي.”

​”هما عيلتي أنا كمان. وسبق وسمعوك بتقولها قبل كدة.”

​ميرفت نزلت كاس النبيذ أخيرًا وقالت: “خالونا نهدى كلنا. مفيش حد محتاج يأخذ قرارات النهاردة.”

​قلت: “أنا أخدت قراري وخلاص.”

​مكنتش متأكدة ده معناه إيه لليلة ولا الساعات الجاية. قلبي كان بيدق جامد. كلمة طلاق كانت مرعباني زي ما كانت دايماً مرعباني. بس للأسف كنت مرعوبة أكتر من إني أسمعها للمرة التلاتاشر وأعمل بالظبط اللي كنت دايما متعودة أعمله.

​طفيت الفرن، حطيت صينية الشوي على البوتاجاز، وطلعت فوق.

​لونا كانت قاعدة متربعة على سجادة أوضتها، بتترتب حصنة بلاستيك صغيرة جنب بيت موف هي عملته من مكناسات ماغنتيك. أول ما دخلت، رفعت عينها بسرعة زيادة عن اللزوم.

​”هو إنتي وبابي متعصبين؟”

​قلت لها: “احنا بنتناقش عادي.” وقعدت على السجادة، قريبة كفاية لدرجة إن ركبتها لمست ركبتي. “إنتي في أمان يا حبيبتي. بابي تحت، وجيما (جدتك) تحت. أنا هبات عند صاحبتي النهاردة بالليل، بس هشوفك بكره.”

​بحثت في وشي كويس: “هو أنا عملت حاجة غلط؟”

​”لا. ولا حتى حاجة واحدة. دي حاجات تخص الكبار، ومفيش أي حاجة منها غلطتك.”

​بستها من فوق راسها. ورجعت ترتب الحصنة تاني، بس كنت حاسة إنها بتسمع صوت خطواتي وأنا خارجة.

​في الطرقة، كان أدهم في الانتظار.

​”رايحة فين على فكرة؟”

​”مش عارفة لسه.”

​”ماينفعش تمشي وتسيبي البيت في نص العشا.”

​”الأكل جاهز. إنتي عارفة الأطباق فين.”

​فضل ماشي ورايا على السلم وأنا بلبس بالطويا. “فكرتي في لونا يا ليلى؟ فكرتي في اللي بتعمليه فيها ده؟”

​لمدة تسع سنين، كانت دي النقطة اللي مكنش أتحمل أخسرها أبداً. كنت عايزة بنتي تكبر وهي معاه أبوها الاتنين. كنت عايزة أعياد ميلاد حوالين ترابيزة واحدة وأيام حد عادية وشخص نشارك معاه قلق تربية طفل. كنت عايزة العيلة اللي اتكلمنا عن بنائها.

​بس فوق كان فيه طفلة صغيرة اتعلمت خلاص إنها تسكت تماماً لما أهلها يتناقشوا.

​قلت له: “أنا بفكر في لونا كويس قوي. وعشان كدة أنا ماشية.”

​فتحت باب البيت قبل ما أرجع في كلامي.

​مسقتش بعيد. على بعد تلات شوارع من بيتنا، كانت غسالة ملابس مقفلة بالليل. دخلت في جراجها الفاضي وطفيت الموتور. من خلال إزاز العربية قدرت أشوف راية حمرا منورة بتعلن عن خدمة نفس اليوم، مع إن المحل كان ضلمة ومفيش فيه حد.

​إيدي كانت بترتجف لدرجة إني اضطريت أحطهم مفرودين على رجلي.

​مكنتش مخططة أسيب جوازي الليلة دي. مكنتش حضرت شنطة ولا كتبت لستة. مكنتش عارفة إذا كان اللي قلته في المطبخ ده بداية طلاق بجد ولا أول إجابة صادقة أقولها لجوزي من سنين.

​كنت عارفة حاجة واحدة بس، إني ماينفعش أرجع وأعتذر عنها.

​أول مرة أدهم هددني فيها بإنهاء جوازنا، كنا متجوزين من سنة تقريبا.

​كنا لسه عايشين في شقة وقتها، بنحوش لمقدم شقة، وكنت دايماً أبص في رصيد حسابنا المشترك بإحساس لطيف إن كل إيداع بيقربنا لحاجة كويسة. في شهر يناير، وسط جو شيكاغو البرد القارس، سخان مريم عطل. كانت محتاجة واحد جديد وآدم حول ست آلاف وخمسمائة دولار من حسابنا المدخرات ده بعد ظهر اليوم نفسه.

​عرفت بعدين لما دخلت على التطبيق أحول فلوس عشان قسط العربية. في الأول فكرت إن البنك عمل غلطة.

​لما أدهم رجع البيت، سألته إيه اللي حصل للفلوس. شرح لي موضوع السخان، وكان مستعجل وزهقان إن الشرح مكفاش.

​قلت له: “طبعاً لازم نساعد مامطك. بس دي فلوس المقدمة بتاعة الشقة. ليه متصلتش بيا قبل ما تحولهم؟”

​”عشان كانت بتموت من البرد يا ليلى. كنت عاوزني أسيبها هناك لحد ما إنتي تفكري وتقرري؟”

​”كنت ممكن تكلمني. كنت هقولك موافقة.”

​”امال احنا بنتناقش في إيه دلوقتي؟”

​”عشان احنا متجوزين. ده قرار كان لازم ناخده سوا.”

​فضل ماشي رايح جاي من المطبخ لليفينج. وبعدين وقف جنب الكنبة وقال ببرود ظاهر: “لو الجواز معناه إني محتاج أذنك عشان أهتم بأمي، يمكن إحنا عملنا غلطة لما اتجوزنا أصلاً.”

​معدتي نزلت في رجلي.

​مش فاكرة أنا قلت إيه ساعتها بالظبط. فاكرة بس قد إيه حاولت أشرح نفسي. مكنتش بحاول أتحكم في فلوسه. كنت بحب مريم. وطبعاً مامته مهمة. كنت فاكرة بس إن اتنين بيشاركوا حساب واحد لازم يقولوا لبعض قبل ما ست آلاف وخمسمائة دولار يختفوا منه.

​على وقت النوم، كنت أنا اللي اعتذرت عشان حسسته إنه مضطر يختار بين مراته وأمه. أدهم حط إييده حواليا وقال إنه مبسوط إننا صلحناها.

​وهو ماعتذرش خالص عن إنه أخد الفلوس من غير ما يقولي.

​سميتها خناقة وحشة، مش تهديد. والصبح باسني قبل الشغل، وأنا سيبتها تعدي كسوء فهم عشان التفسير ده كان أسهل في العيشة.

​كان فيه سنين حلوة وسط السنين الصعبة. النقطة دي مهمة لما بحكي القصة دي. أدهم مكنش متعصب كل يوم، وبيتنا مكنش مكان بنزعق فيه طول الوقت. كان ممكن يكون لطيف ومراعي. كان بيقرا للونا بصوت ضحك وبسهر معايا لما بابا عمل عملية. ولما عربيتي عطلت على السريع، جاد وجاني من غير ما يتذمر. كان بيفتكر حاجات صغيرة بحبها وأحياناً بيسيبها على رخامة المطبخ من غير سبب.

​اللحظات دي كانت حقيقية. والتهديدات كانت حقيقية برضه.

​المرة الرابعة حصلت لما لونا كانت سنة ونص. كان عندها التهاب مزدوج في الأذن، وسخونة، والعيط المتعب والمرهق اللي العيال بيبقوا فيه لما بيبقوا عاوزين يناموا ومش عارفين يرتاحوا. وكان عندي مكالمة مترتبة مع مجموعة مستشفيات إقليمية. ست أسابيع من الرسايل والتحضير ضاعوا عليها، وتجديد العقد كان واقف عليها.

​وأدهم كان عنده جلسة شهادة الساعة عشرة. كنت عارفة إن ده مهم. وبرضه كنت عارفة إني أنا اللي كنت بسيب الشغل كل ما لونا بتسخن، أو تكشف، أو الحضانة تقفل.

​سألته: “تقدر تؤجل الججلسة، أو تخلي حد يغطي جزء منها؟ المرة دي بس؟”

​بص لي كأن مش فاهم شغلانتي: “مواعيدي مش زي مواعيدك.”

​”مواعيدي أصلاً شغالة كدة عشان أنا اللي بفضل أغيرها.”

​”يعني دلوقتي أنا اللي مفروض أحس بذنب عشان عندي شغل؟”

​”وأنا كمان عندي شغل يا أدهم.”

​دي كانت الجملة اللي جابت آخره.

​قالي إنه بيشتغل بجهد عشان العيلة، وإني أنا اللي اخترت الشغل الاستشاري عشان بيديني مرونة، وإنه لو أنا مش عاجبني الوضع، يمكن الأفضل إننا نبعد عن بعض أحسن.

​لغيت مكالمة المستشفيات.

​قعدت على أرض أوضة لونا الصبح والموبايل على وداني، بعتذر لعميل وهي نايمة على كتفي. كنت شامة ريحة شامبو الأطفال في شعرها. الشخص اللي على الناحية التانية كان لطيف جداً في الموضوع، وده حسسني بأسوأ.

​أدهم رجع البيت ومعاه شوربة بالليل. كان رقيق مع لونا وسأل السخونة أخبارها إيه. ومجابش سيرة موضوع الطلاق خالص، وأنا كنت مرتاحة كفاية لدرجة إني ما فتحتش السيرة.

​المرة السابعة كانت في عيد الميلاد. أمي كانت لسه مخلصة أول جرعة علاج كيماوي ليها. كانت أحسن، بس بتتعب بسرعة، وأنا كنت لسه مرعوبة من فكرة إزاي الشخص السليم ممكن يتحول لشخص تطمن عليه كل يوم الصبح. أهلي كانوا عايشين في جنوب غرب ميشيجان. سألت لو نقدر نقضي صباح عيد الميلاد معهم، وبعدين نسوق راجعين شيكاغو عشان العشا عند مريم.

​ممكن مكنش طلب ضخم. كنا قضينا صباح عيد الميلاد اللي قبله مع مريم، وأمي مكنتش طلبت أي حاجة غير شوية وقت مع حفيدتها.

​وأدهم كان وعد مريم خلاص إننا هنوصل الساعة عشرة.

​لما اعترضت، قال: “لو أهلك دايماً هيكونوا هم النمرة واحد، يمكن أنا محتاج أشقر إذا كنا بجد ملتزمين بنفس العيلة.”

​فرحنا عند مريم. لونا لبست بيجاما حمرا وقعدت وسط ورق الهدايا والشرائط اللامعة وأنا ببعت لأمي صور من الناحية التانية من الأوضة. وأمي ردت بقلوب ورسالة بتقول لي استمتعي بيومك.

​وهي عمرها ما عرفت إحنا ليه مجيناش.

​قلت لنفسي إن أدهم مكنش يقصد. الناس بتقول كلام جارح وهي متعصبة. وأنا تربيت على إن الجواز محتاج تنازل، وكنت فخورة إني الشخص اللي بيعرف يهدي الموقف. بس بالتدريج، بطلت ألاحظ قد إيه التنازل كان معناه إني أنا اللي بتنازل عن حاجة وأدهم بيحتفظ باللي رتبه خلاص.

​المرة الحادية عشرة كانت شبه كوميدية مقارنة بباقي المرات. كنت نسيت أدفع مخالفة ركن عربية. رسوم تأخير ظهرت على كشف حساب الكارت، أدهم سألني عنها، واعترفت إني نسيتها. كنت مفروض أدفع المخالفة في معادها. مكنش فيه أي تعقيد في ده. بس كلامنا تحول بطريقة ما لنقد في قراراتي، وبعدين الفواتير اللي أنا بمسكها، وبعدين إذا كان يقدر يعتمد عليا أساساً.

​وهناك ظهرت تاني. يمكن ماينفعش نفضل متجوزين لو مش عارفين نشتغل كفريق واحد.

​طلعت فوق وفتح تطبيق النوتس على موبايلي.

​كتبت: ١١.

​وتحته كتبت: لو فيه مرة اتناشرة، افتكري دي.

​مقلتش لأي حد على النوت دي. كنت مكسوفة إني محتاجاها. بس وقتها كنت بدأت أشك في ذاكرتي. بعد كل خناقة، الإيقاع العادي لحياتنا كان بيرجع بسرعة لدرجة إني كنت بسأل نفسي لو كنت كبرت الموضوع زيادة عن اللزوم. وجود رقم على الشاشة كان طريقة صغيرة أقول لنفسي بيها إن النمط ده موجود حتى لو الكل بيتصرف كأن مفيش حاجة.

​بعدها بأسبوعين، في المطبخ مع طبق الجبنة، وصلت المرة الاتناشر.

​في جراج غسالة الملابس، طلعت موبايلي وبصيت على النوت. وبعدين قفلتها ودورت على اسم كنت بفكر فيه من شهور.

​داليا مرسي وأنا كنا اشتغلنا مع بعض في نفس شركة الأدوية سنين قبل كدة. كانت في تطوير الأعمال لما كنت أنا ماسكة الحسابات الإقليمية. شاركنا قهوة مطار وحشة، واجتماعات بيع طويلة، وعشا عملاء كارثي بقى نكتة مستمرة بينا. بعد ما سابوا المجال، دخلت كلية حقوق وهي في الأربعينات وبنت مكتب محامية عائلية في إيفانستون.

​كنت دورت على موقع شركتها مرتين الربيع ده. والمراتين كنت بفضل باصة للرقم وأقفل الصفحة.

​دلوقت كلمتها مباشرة.

​ردت على الرنة التالتة. “ليلى؟ كل حاجة تمام؟”

​”أنا غالباً وافقت أطلق الليلة.”

​حصلت سقفة، بس هي مصوتش ولا سألتني عملت إيه.

​قالت: “إنتي في أمان؟ ولونا في أمان؟ وأدهم منعك تمشي؟”

​”أيوه، هي في أمان. لا، منعنيش. أنا قاعدة في عربيتي.”

​”تقدري تسوقي؟”

​بصيت على إيدي: “اديني دقيقة.”

​”خذي خمس دقائق. هعمل القهوة.”

​في بيتها، داليا فتحت الباب وهي لابسة شورت رياضي وسويت شيرت قديم لنورث وسترن. أخدت بالطويا، عملت قهوة، وخلتني أقعد على الكرسي المريح في ترابيزة مطبخها. كنت قضيت السويقة دي كلها بجهز كلامي عشان أخلي القصة تبدو منطقية. بس أول ما وصلت هناك، مكنتش قادرة أبدأ خالص.

​قالت: “احكي لي إيه اللي حصل النهاردة.”

​حكيت لها عن الحفلة والمؤتمر وطبق الجبنة. ولما وصلت لكلمة طلاق، حاولت أضحك. طلعت كأنها كحة صغيرة غريبة.

​سألتني: “قالها كام مرة قبل كدة؟”

​”اتناشر.”

​تعبير وشها اتغير. “إنتي عدتيهم؟”

​وريت لها النوت اللي على موبايلي.

​ممدتش إيدها تاخده. استنت لحد ما حكيت لها عن السخان، والتهاب أذن لونا، وعيد الميلاد عند مريم، ومخالفة الركن. في نص الكلام، بدأت أعيط. ده فاجئني. كنت ماسكة صوتي بثبات طول الخناقة وسقت لحد إيفانستون من غير ولا دمعة، بس في مطبخ داليا المنور مكنتش قادرة ألاقي القوة عشان أصغر الحكاية أكتر من كده.

​سابتني أعيط. وبعدين مدت لي علبة مناديل.

​قالت: “كل مرة بيقولها، إنتي بتسيبي الكلام عن الخناقة الأصلية وتروحي لحاجة تانية خالص.”

​”أنا مش عايزة أخسر جوازي عشان خلاف.”

​”أنا عارفة. بس بصي إيه اللي بيحصل. بتسأليه ليه حول فلوس من غير ما يقولك، وفجأة تلاقي نفسك بتدفاعي عن إتباعك لأمه. بتسأليه يشارك في مسؤوليات التربية، فتلاقي نفسك بتدفاعي عن التزامك بالعيلة. بتسأليه يستشيرك في حفلة، فتلاقي نفسك بتدفاعي عن حقك في شغل. السؤال الأصلي عمره ما بيترد عليه.”

​بصيت جوة فنجان القهوة.

​قالت: “إنتي كنتي بتديري التهديد مش بتحلي المشكلة.”

​كانت ملاحظة واضحة جداً. وعرفت كل كلمة فيها. وده خلى سماعها أسوأ.

​قلت: “هو مش شخص سيء.”

​”أنا مقلتش إنه سيء.”

​”هو أب رائع في حاجات كتير. وممكن يكون طيب جداً.”

​”الاتنين ممكن يكونوا صح يا ليلى. مش لازم تثبتي إنه وحش عشان يبقي مسموح لك تقولي إن حاجة بيعملها بتوجعك.”

​طبقت المنديل المبلل لمربع صغير.

​سألت: “لو أنا مش عايزة أطلق؟”

​”يبقى لازم تعرفي إذا كنتي عاوزة الجواز اللي معاكي، ولا الجواز اللي كنتي بتتمني يتحول ليه. ودول مش بالضرورة نفس الحاجة.”

​كانت صاحبتي الليلة دي، مش محاميتي. وامتنعت توعدني بنتيجة قانونية سهلة أو تقولي آخد يا قرار. سألتني لو عندي مكان آمن أبات فيه وقالت لي أقدر أعد على الكنبة بتاعتها. وافقت قبل ما أبدأ أعد الأسباب اللي هتخلي ده صعب.

​أدهم اتصل أربعتاشر مرة قبل نص الليل. رسايله الأولى كانت متعصبة. وبعدين جت صيغ زي ينفع نتكلم؟ والموضوع خرج عن إديا. ومريم بعتت رسايل تقول إنه زعلان وإني لازم أرجع البيت قبل ما الأمور تصعب وتتصلح.

​الساعة اتناشر وربع، باسم كتب: إنتي وصلتي وجهة نظرك، وآدم مكسوف. ممكن ترجعي البيت بقى؟

​قريت الرسالة دي تلات مرات.

​لما وريت داليا الرسالة على القهوة تاني يوم الصبح، رجعت لي التليفون من غير ولا تعليق. وقالت: “هما بيتعاملوا مع رد فعلك إنتِ على إنه كارثة.”

​اتصلت بالبيت أطمن على لونا. كانت راحت عند مريم لليلة بعد العشا، وآدم كان مخطط يأخذها الصبح. السماع إنه اتأكد إنها في أمان كان راحة. بس حسيت بذنب حاد إنها نامت في بيت تاني وأنا كنت على كنبة واحدة صاحبتي.

​داليا بصتلي وأنا بنزل التليفون.

​قالت: “تقبلي تشتاقي لبنتك وتأخذي ليلة واحدة عشان تفكري.”

​روحت البيت يوم الجمعة بعد العصر. لونا كانت واقفة في الطرقة أول ما دخلت من الباب، وماسكة رسمة لحصنة موف جنب بيت موف. جريت في حضني، وطلعت الشنطة تقع من على كتفي.

​قالت وهي بترفع الرسمة: “دي ليكي.”

​”ده حلو قوي.”

​”الحصنة عايشة هناك. وعندها أوضة لكل الجزر بتاعها.”

​حضنتها أطول من المعتاد بشوية. ومسابتنيش.

​أدهم كان واقف في آخر الطرقة. قميصه كان مكرمش، وكان بيبان عليه إنه منامش. ولما لونا راحت تدور على لزق عشان نعلق رسمتها على الثلاجة، قرب مني.

​قال: “يا ليلى، لازم نتكلم.”

​”لازم، بس مش قدامها. ومش النهاردة.”

​بان عليه إنه عاوز يتناقش، وبعدين هز رأسه موافق.

​يوم السبت الصبح، حضرت شنطتي وسقت لإسكندرية.

​كنت قلقانة أول أربعين ميل. قعدت أفكر لو كنت أنانية، لو لونا هتحس بالوحدة، لو أدهم هيقرر إن مشيي ده بيثبت كل اللي قاله عليا. وبعدين وقفت في محطة بنزين عشان قهوة، وتصلت أفكر لونا إني هشوفها يوم الأحد، ورجعت لطريق السفر.

​لحد ما وصلت مركز المؤتمرات، كنت بفكر في العرض بتاعي.

​وقفت قدام بتوع المشتريات اللي بيسألوا أسئلة صعبة ومفيدة. شرحت خط المنتجات الجديد، رديت على مخاوف الأسعار والتوريد، وقعدت مع زملاء قدام لسه فاكرين نوع الشغل اللي كنت متعودة أعمله. مش الكل كان مهتم. اجتماع واحد كان محبط. والتاني مشي أحسن مما تجرأت أتمناه. كانت حياة مهنية عادية، بكل محادثاتها المحرجة وفرصها الصغيرة.

​العادية دي حسستني بروحة حلوة.

​لما سقت راجعة البيت يوم الأحد بالليل، كان البيت هادي. أدهم استضاف التجمع بتاع يوم السبت من غيري. كان فيه كم طبق تقديم نظيف بينشفوا جنب الحوض وباكت مناديل كوكتيل مقفول على الرخامة. ومطلبش مني أرجع وأنقذ السילה. هو اتصرف.

​لونا كانت نايمة فوق. وأدهم كان واقف في المطبخ في نفس الباب اللي عمل فيه تهديده من تلات ليالي.

​قال: “مش عايز أتناقش وأخناق.”

​”وأنا كمان.”

​بص في وشي: “عاوزة إيه؟”

​نزلت شنطتي. كنت فكرت في ده طول السيرة، بس مكنتِ محضرة كلام.

​”عاوزة أتاكد إنك فاهم إني مصدقاك لما بتقول طلاق. عاوزة أكون مسموح لي أخذك بجدية.”

​بص بعيد.

​”ماينفعش تفضل تقولها كل ما اختلفنا في رأي، وبعدين تستناني أتصرف الصبح كأنك مفتحتش الباب ده أصلاً.”

​”كنت متعصب.”

​”أنا عارفة. وكنت متعصب إحدى عشرة مرة تانية قبل كده.”

​فرك إيده على جبهته: “مش عارف عاوزني أقول إيه.”

​”مش لازم تقول حاجة النهاردة. بس لو هددت بالطلاق للمرة التلاتاشر، مش هترجى أطلب منك ترجع في كلامي. هقول موافقة، زي ما عملت يوم الخميس.”

​أخدت شنطتي وطلعت فوق.

​لأول مرة في جوازنا، خلص النقاش وأدهم لسه مش مرتاح، وأنا مرجعتش تحت عشان أريحه منه.

​السكوت ده كان مختلف عن السكوت القديم. زمان، لو تجنبنا الموضوع مدة طويلة، كان بيبهت وعاداتنا بتسيطر. المرة دي كان فيه سؤال قاعد بينا مفيش حد فينا عارف يرد عليه: هنعمل إيه لو الجواز مابقاش قادر يعتمد على إني مرعوبة من فكرة خسارته؟

​مبقيتش شجاعة فجأة في كل جزء من حياتي. كنت لسه بتخض لما أدهم يتكلم بصوت عالي. ولما يرجع متأخر، كنت بلاقي نفسي أحياناً بجهز التفسير اللي هقوله لعشا برد أو غسيل اتنسى مطبق. كنت دربت نفسي أتوقع خيبة أمله، وليلة واحدة في مطبخ داليا مكنتش كفاية عشان أنسى ده.

​بس بدأت أخذ قرارات من غير ما أخلي رد فعله هو الأساس. أكدت اجتماعات مع عملاء. زرت أهلي في عطلة نهاية أسبوع مناسبة ليا ولونا. ولما أدهم عرض يأخذ بنتنا عيد ميلاد، اديته العنوان بدل ما أحضن معاها شنطة فيها تسالي وغيار وخطوات كان ممكن هو يعرف يحلها لوحده.

​بعض الأيام كان بيبقى قد المسؤولية. وبعض الأيام كان بيتضايق.

​وحجزت ميعاد في مكتب داليا برضه. المرة دي اتكلمنا في حاجات عملية: الفلوس، البيت، معناه إيه للونا يكون عندها أهل عايشين في بيوت منفصلة، وإيه الأسئلة اللي مفروض أسألها قبل ما آخذ قرار نهائي. كتبت ملاحظات. ومطلبتش من داليا ترفع أي قضية لسه.

​كنت عايزة أعرف الطلاق معناه إيه بجد، عشان سنين الكلمة دي كانت باب سحري في خيالي. أدهم كان بيفتحه بجملة عصبية، وعقلي كان بيجيب أسوأ صورة ممكنة تخويف. معرفة الخطوات مكنتش هتخلي الطلاق سهل، بس خلته حاجة غير كارثة مجهولة الهوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *