صحيت

صحيت في أوضة الفندق في شرم الشيخ وأنا حاسة بشر من أول لحظة. جوزي مكنش جنب على السرير.
​ولا أمه ولا بنتنا كانوا موجودين.
​وبعدها اكتشفت إن تليفوني وباسبوري اختفوا هما كمان.
​على الكومودينو، جوزي طارق كان سايب ورقة صغيرة مكتوب فيها:
​”ورينا شطارتك وحليها بنفسك.”
​وأمه، حماتي إلهام، كانت سايبة ورقة هي كمان:
​”لما نشوف مين هيسأل فيكي أو هيجي يلحقك دلوقت.”
​كانوا فاكرين إنهم سابوني عاجزة تماماً ومفيش في إيدي حيلة.
​اللي مكنوش يعرفوه إن لسه فاكرة كود طوارئ من زمان، كود قادر يحرك جبال ويقلب الدنيا.
​الجزء الأول
​الفزع تملك مني وأنا بقلب الشنطة وبفضيها على الأرض.
​هدوم.
​جزم.
​أدوات تجميل.
​مفيش أي حاجة.
​تليفوني اختفى.
​دورنا في الكومودينو، والحمام، ومكان الشاحن، وفي كل جيب في الشنط.
​بعدها مديت إيدي للحفظة المائية المتدارية اللي بشيل فيها أهم أوراق السفر.
​مفيش.
​الباسبور كان جواها.
​لفترة وقفت مسمرة بَبُص على الفراغ.
​وبعدها جريت.
​حتى ممشيتش وقت ألبس جزمتي.
​أول ما وصلت للريسبشن، الموظفة اتخضت أول ما شافت منظري.
​”جوزي،” قلتلها وأنا بنهج ونفسي مقطوع. “طارق الألفي.. لسه هنا؟”
​ترددت لحظة قبل ما تلتفت لشاشة الكمبيوتر.
​بعد كم ضغطة على الكيبورد، ملامحها بقت حذرة جداً.
​”يا فندم، أستاذ طارق عمل خروج تقريباً الساعة 4:50 الصبح.”
​قلبي وقع في رجلي.
​”لوحده؟”
​هزت رأسها بـ “لا”.
​”مشى مع والدته وبنت حضرتك.. وأخدوا عربية الفندق طلعت بيهم على المطار.”
​فضلت مبلمة فيها.
​ولثانية غريبة، طلعت مني ضحكة مكسورة وفاضية.
​كل تفاصيل حياتي والتزاماتي كانت متخزنة على التليفون اللي طارق أخده.
​حسابات البنك.
​تأكيد الهوية ورسايل الأمان.
​حجوزات الطيران.
​الأرقام والعناوين.
​تأكيدات السفر.
​كل حاجة كنت بستخدمها عشان أحل أي مشكلة، بقت دلوقت في جبل بين شرم الشيخ والقاهرة.
​رجعت الأوضة وأنا حاسة بتنميل في جسمي كله.
​لقيت عاملة النظافة واقفة مستنياني جنب الباب.
​مدت إيديها بورقة تانية متطبقة من أوراق الفندق.
​”لقينا دي واقعة على الأرض.”
​عرفت الخط في ساعتها.
​إلهام.
​حماتي طول عمرها عارفة نقط ضعفي وبتلعب عليها صح.
​عارفة إن أبويا وأمي متوفيين.
​عارفة إن ماليش إخوات ولا قرايب أكلمهم يلحقوني ويطلعوني من بلد لبلد أو يتصرفوا معايا.
​وكان واضح إنها قررت تفكرني بالنقطة دي.
​الورقة بتاعتها كان فيها جملة واحدة بس:
​”لما نشوف مين هيسأل فيكي أو هيجي يلحقك دلوقت.”
​قريتها مرتين.
​وبعدها بصيت لورقة طارق تاني.
​”ورينا شطارتك وحليها بنفسك.”
​وفجأة، المشهد كله بقى واضح ومؤلم لحد العظم.
​هما متمشكلوش معايا ومشوا في لحظة غضب.
​دي مكانتش حركة عيلة مجنونة ولا زعل مؤقت.
​دول ترتيب وتخطيط مع بعض.
​استنوا لحد ما نمت غرقانة في النوم.
​لموا حاجتهم.
​أخدوا مريم.
​سحبوا تليفوني.
​سرقوا باسبوري.
​واختفوا قبل ما الشمس تطلع.
​وعملوا كل ده وهما متأكدين إن مفيش في إيدي أي طريقة أتحرك بيها وراهم.
​تليفون الأوضة رن فجأة.
​اتنطرت من مكاني.
​أول ما رديت، كانت موظفة الريسبشن.
​”مدام الألفي؟”
​”أيوه؟”
​”أنا راجعت حجز الطيران بتاع حضرتك بعد ما نزلتي.”
​قعدت على طرف السرير.
​دقات قلبي كانت مسموعة من كثر الخوف.
​”يعني الطيارة فاتتني خلاص؟”
​حصل سكون قصير على الخط.
​”لا يا فندم.”
​نبرة صوتها خلت معدتي تتقلب.
​”قصك إيه؟”
​اتكلمت بصوت أوطى.
​”الحجز بتاع حضرتك الملغي.. اتلغى من إمبارح الضهر.”
​أنفاسي اتجمدت.
​”إيه؟”
​”تذكرة العودة بتاعتك اتلغت إمبارح الضهر.”
​بصيت للورقتين المرميين جنبي على السرير.
​إمبارح.
​مش النهاردة الصبح.
​مش بعد خناقة مفاجأة.
​مش بعد ما طارق قرر يسيبني ويمشي فجأة.
​إمبارح الضهر.
​وده معناه إنه كان مرتب ومخطط لكل ده من قبل ما أنام وأصحى ألاقي نفسي لوحدي بكثير.
​جوزي مسبنيش مجرد رمية في بلد غريبة.
​ده أخد تليفوني وباسبوري، ومشى ببنتنا، ولغى التذكرة اللي كانت ممكن ترجعني بيتي بالقصدم.
​وعمل كل ده من قبل ما الشمس تغرب إمبارح أساساً.
​هما كانوا فاكرين إنهم قطعوا كل حبل ممكن أتمسك بيه.
​بس هما على وشك يكتشفوا إنهم نسوا حبل واحد بس.
​كود طوارئ كنت حافظاه من سنين طويلة.
​كلمتين اثنين بس.
​”الفانوس الأزرق”.
​وطارق ميعرفش الكلمتين دول ممكن يقلبوا الدنيا إزاي وممكن يحركوا إيه…
​الجزء الثاني والاخير
​الخوف والذعر اتحولوا فجأة لجمود وهدوء غريب.
​أنا شغالة مراجعة حسابات وتقدير مخاطر في شركة كبيرة، وشغلي كله قايم على التوقع للأزمات، وتتبع الأخطاء، والتجهيز للسيناريوهات اللي مفيش بني آدم يتوقعها. قديت سنين أدرب مدراء وشركات إزاي يتصرفوا في أزمات الاختراق المالي والمشاكل الدولية.
​وفجأة افتكرت حاجة كنت شايفاها زمان مالهاش لازمة.
​رقم تليفون من 7 أرقام.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *