شكر


## لما الغدر يلبس ثوب الفخر
— **”عايز أشكر نيفين.. عشان ربت لمدة عشرين سنة ابن الست اللي خنتها معاها.”**
سامح قال الجملة دي وهو واقف، ماسك كاسه، وعلى وشّه ابتسامة بجد مستحيل أفتكرها من غير ما أحس بكسرة ونفسي تقلب.
العزومة كانت عشان بنحتفل بإن **كريم** جاب الماجستير في التخطيط العمراني. كنا حاجزين روف على النيل في الزمالك. كبار الدكاترة بتوعه، وأخواتي، وشركاء سامح في شركة النقل بتاعته، وعميلين مهمين من عملاؤه. أنا كنت لابسة فستان أخضر زيتي كريم هو اللي جابهولي هدية، ولحد لحظة النخب ده.. كنت فاكرة إن دي أسعد ليلة في حياتي.
محدش ضحك.
سامح بس اللي ضحك.
— **”ماتكشروش كده!”** —كمل وهو بيعدل جاكيت البدلة— **”نيفين طول عمرها كانت نفسها تخلف وتكون أم. أنا غلطت صحيح، بس في الآخر حليتلها مشكلة حياتها.”**
حسيت إن زحمة وصوت القاهره كله اتخرس مرة واحدة. كان عندي 51 سنة، بس في اللحظة دي رجعت لورا.. رجعت لقبل عشرين سنة، للست اللي عندها 31 سنة لما فتحت باب شقتها في **مصر الجديدة** ولقيت عيل عنده خمس سنين ماسك في إيد جوزها.
كريم كان شال شنطة ميكي ماوس حمراء، ولابس كوتشي متوسخ، وفي جيبه صورة صغيرة للمار جرجس. سامح قالي وقتها إن أمه سافرت الخليج مع راجل تاني ومش راجعة.
— **”ده ابني..”** —اعترفلي بصوت واطي— **”ماعرفتش أقولك إزاي.”**
كان المفروض أرزع الباب في وشه، أكلم أهلي، وأسيبه يشرب نتيجة خيانته. بس كريم بصلي من غير ما يعيط.. بصة عيل اتعلم بدري إن المطالبة بالحنية حاجة تخوف.
— **”انت جعان؟”** —سألته.
هز رأسه.
عملتله سندوتشات جبنة بيضا بطماطم. نام على ترابيزة المطبخ، ولما جيت أشيل الشنطة من على ظهره، صحي مرعوب:
— **”لا متشيليهاش.. ماما جاية تاخدني.”**
استنيت أسابيع عشان أمه تظهر. وبعدها استنيت شهور. سامح كان بيحلف إن مفيش مكالمات ولا جوابات ولا عنوان. وكل ما أسأله، يزعق ويقلب الترابيزة:
— **”هو انتي مش عاجبك إنها غارت؟ خلاص.. انتي بقيتي أمه!”**
كريم قعد سنة كاملة عشان يناديني باسمي. في الأول كان بيقولي “يا طنط نيفين”. بعدين “نيفين”. لحد ما جه يوم في نص الليل جاله دور حساسية شديد على صدره، ومسيك في إيدي في استقبال مستشفى الدمرداش وقال:
— **”يا ماما.. متسبنيش.”**
ما سبتوش.
ولا سبته لما سامح نسي يروح ياخده من المدرسة الابتدائية في الشمس. ولا لما رفض يدفع مصاريف دكتور نفسي ليه وقال: *”العيل الناشف بيعدي.”*
نزلت عملت أكل وشيرت على النت، ومسكت حسابات لمقاولين من البيت، واشتغلت أوردرات بليل عشان أغطي مصاريف الدروس، والمستشفيات، والمدرسة اللغات.
سامح كان بيدفع الحاجة اللي يعرف “يتفاخر” بيها قدام الناس بس.
يحضر الحفلات، يتصور للفيسبوك، ويقول إن كريم طالعله في الذكاء. وفي السر كان بيسميه *”المصيبة اللي طلعتلي بغالي”*. كنت بأكل في نفسي وأسكت، خايفة يرمينا في الشارع.. مع إن الشقة أصلًا كانت ورثي عن بابا وماما، بس سامح كان بيقنع الكل إنه هو اللي بانينا.
كريم كبر وهو سامع نص الحقيقة. عارف إني مش أمه اللي ولدته، بس كان فاكر إن أمه الحقيقية رمتْه وباعته. عمر حبه ليا ما خلاه ينسى الوجع ده، وعمري ما حكيتله إن خيانة أبوه هي السبب. افتكرت إني لما أشيل الهانة لوحدي، كدة بأحميه.
طلعت غلطانة.. وغلطانة قوي.
في الروف، سامح رفع كاسه تاني وقال:
— **”يلا نشرب في صحة صبر مراتي.. وفي صحة العرق الأصيل، ابني اللي طلع نضيق رغم كل حاجة!”**
كريم حط الشوكة والسكي\نة على الطبق بالراحة.. وقام وقف.
— **”إياك تتكلم عن العرق والأصل تاني.. كأن ليك فضل.”**
سامح ضحك ضحكة مستفزة:
— **”اقعد يا ابني وماتبوظش ليلتك.”**
— **”اللي بوظ الليلة هو أنت.. لما قررت تذل أمي قدام الناس.”**
كريم مد إيده في شنطة اللاب توب بتاعته، وطلع دوسيه أسود تقيل، وحطه جنب تورتة النجاح.
— **”انت طول عمرك بتقول إن أمي البيولوجية اختفت ورسِت، وإن نيفين عاشت على خيرك.. الحقيقتين كذب!”**
وش سامح جاب ألوان.. الدم هرب منه.
— **”لقيت إيه يا كريم؟”** —سألته وأنا إيدي بترتعش.
كريم فتح الدوسيه.. كان فيه وصولات تحويلات بنكية، وجوابات قديمة ببوستة السيدة زينب، وصورة ليه وهو عنده 5 سنين جنب ست سمرا وجميلة أنا عمري ما شفتها في حياتي.
— **”لقيت رسائل 20 سنة مستخبية.. وقبل ما أقرأ أول جواب، اسمع دي كويس يا سامح بيه: هي مربتش ابن عشقتك.. هي ربت ابن راجل سرق الحقيقة من ستين، وخلاهم يعيشوا في جحيم!”**
سامح حط الكاس على الترابيزة بزعل وبغشم.. لدرجة إن إيد الكاس اتكسرت في إيده.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *