صحيت

​من سنين، مدير القديم في الشركة، مراد، فرض على كل المراجعين الكبار يحفظوا رقم طوارئ دولي عن ظهر قلب.
​ساعتها قعدت أضحك وقلتله: “يا أستاذ مراد، هو فيه حد اليومين دول بيحفظ أرقام؟”
​رد عليا من غير ما يبتسم: “عشان كده بالظبط لازم تحفظيه.”
​وأنا واقفة لوحدي في الفندق في شرم الشيخ من غير تليفوني ولا باسبوري، أخيرًا فهمت قصده إيه.
​أنا لسه فاكرة الرقم.
​لبست بنطلون واسع ونزلت للريسبشن بسرعة.
​”ممكن أستخدم تليفون الفندق أعمل مكالمة دولية طارئة؟”
​الموظفة زقتلي التليفون.
​ضربت الرقم، ومراد رد بعد رابع رنة.
​”ألو؟”
​”أستاذ مراد.. أنا نورا.”
​سكت ثانية.
​”نورا؟”
​بصيت للورقة اللي في إيدي بتاعة إلهام، وقلت الجملة اللي تمنيت عمري ما أحتاجها:
​”الفانوس الأزرق.”
​نبرة صوت مراد اتغيرت تماماً في نفس اللحظة، والتقل والنوم اللي في صوته اختفوا.
​”متحكيش تفاصيل دلوقت.. قوليلي إنتِ فين بالظبط؟”
​”في فندق بالمنتجع في شرم الشيخ، أوضة 412.”
​سمعت صوت كتابة سريعة على الكيبورد.
​”هل إنتِ في خطر حالاً؟”
​”لا.”
​”مين معاكي؟”
​”مفيش حد.. طارق أخد أمه وبنتنا مريم ومشيوا من 4 ساعات. أخد تليفوني وباسبوري، وتذكرة طيراني الملغية من إمبارح.”
​مراد بطل كتابة لثانية.
​”هل إنتِ وافقتي إن مريم تسافر معاه؟”
​”لا.”
​”هل إديتيله إذن ياخد باسبورك أو تليفونك؟”
​”لا.”
​سكت ثانيتين، وبعدها اتكلم بثبات:
​”تمام.. افضلي في الفندق، متتحركيش. لو عرفتي توصلي لطارق بأي طريقة متكلميهوش، ومتعرفيش أي حد من ناحيته إنك وصلتيلي.”
​”ومريم؟”
​”إحنا بنتصرف في موضوعها حالاً.”
​بلعت ريقي بصعوبة.
​”طارق فاكر إنه هيضغط عليا ببنتي عشان أتنازل عن أسهُمي وحصتي في الشركة.”
​”ده لازم يتوثق فوراً.. هو رايح فين دلوقت؟”
​”على أمريكا.. على نيويورك.”
​”كويس جداً.”
​بصيت لسماعة التليفون بذهول.
​”كويس؟”
​”يعني عارفين مكانه بالظبط للـ 12 ساعة الجايين.”
​لأول مرة من الصبح، نفسي بدأ يهدى وضغطي يظبط.
​طارق كان فاكر إنه قفل عليا كل الأبواب.
​لا تليفون.
​لا باسبور.
​لا أهل ولا قرايب.
​ولا تذكرة طيران.
​بس مكنش يعرف يعني إيه “الفانوس الأزرق”.
​مراد كمل كلامه: “مسؤول الأمن الإقليمي للشركة في مصر جالك في الطريق، وبنبلغ الشؤون القانونية والسفارة دلوقت.. اقعدي مكانك لحد ما يوصل.”
​بعد حوالي ساعة ونص، وصل راجل لابس بدلة أنيقة للريسبشن ومعاه شنطة سودا. اتأكد من هويتي، وسلمني وثيقة سفر مؤقتة، وتليفون مأمن، ومبلغ مالي، وتذكرة طيران درجة أولى للقاهرة ومنها لنيويورك بعد ساعات قليلة.
​بصيت للحاجة وأنا مش مصدقة.
​”أنتم لحقتوا ترتبوا كل ده؟”
​”شركتنا بتاخد حوادث أمن موظفيها الدوليين بمنتهى الجدية.”
​واضح فعلاً إنهم بياخدوها بجدية.
​وأنا قاعدة في صالة كبار الزوار في المطار، حطيت ورقة إلهام جنب فنجان القهوة.
​”لما نشوف مين هيسأل فيكي أو هيجي يلحقك دلوقت.”
​كانوا فاكرين إنهم لما ياخدوا الورق والتليفون هيق/تلوا قدرتي على التصرف.
​استغلوا إني يتيمة وماليش عيلة تسندني.
​بس نسوا أنا مين وشغلي إيه قبل ما أتجوز طارق.
​التليفون المأمن رن. مراد بعتلي قائمة تعليمات مش مجرد كلام مواساة: “احتفظي بأي رسالة، صوري الورقتين، اطلبي من الفندق يحتفظ بتسجيلات كروت الأبواب، كاميرات الممرات، وتفاصيل إلغاء حجز الطيران. متكتبيش أي تكهنات، متتوصليش مع طارق، ومتسجليش أو تمسحي أي حاجة.”
​القائمة دي هدتني أكتر من أي طبطبة.
​صورت الورقتين، وطلبت من مدير الفندق يحط الأصول في ظرف مقفول. الريسبشن طبعلي ميعاد الخروج وتاريخ إلغاء الحجز، وموظف تاني أكد إن طارق سأل لو عربية المطار تقدر تطلع بدري. تفاصيل صغيرة بس شغل المراجعة علمني إن القضية المترتبة بتتبني من التفاصيل العادية دي.
​عند بوابات السفر، فكرت في مريم. بتكره السفر الطويل وبتحب تنام وهي ماسكة في هدوم اللي شالها. تخيلتها على كتف طارق وكان نفسي أكلم كل الأرقام اللي مراد إداهاني، بس مشيت ورا التعليمات.
​أكلت لقمة، شحنت التليفون، وكتبت كل الأحداث بالوقت:
​4:50 الصبح checkout.
​الباسبور اختفى.
​التليفون اختفى.
​مريم مشيت.
​التذكرة اتلغت من إمبارح الضهر.
​ورقة إلهام.
​كود الفانوس الأزرق.
​طارق اعتمد إن الخوف هيخليني متلخبطة، بس التفاصيل دي شغلتي اللي قضيت عمري أحفظها.
​كلمت مراد تاني من التليفون المأمن.
​”إيه الأخبار يا أستاذ مراد؟”
​”الإجراءات الشؤون القانونية شغالين فيها.. المحاميين بيتحركوا، والفندق حفظ الكاميرات، وفيه سلطات هتبقى مستنياه أول ما ينزل مطار نيويورك.”
​قلبي كان بيدق بسرعة.
​”ومريم؟”
​”مريم هي الأولوية الأولى.”
​وبعدين ضاف: “وعندنا تفريغ كاميرات الفندق.”
​”جايبة إيه؟”
​”طارق وهو بياخد حاجتك من الأوضة قبل ما ينزل، وهو طالع بمريم.. وشركة الطيران وثقت مين اللي لغى الحجز بنفسه.”
​غمضت عيني. خطته مكنتش كاملة.. خطته بقت متوثقة بالصوت والصورة.
​بعد ساعات، طيارة طارق وصلت نيويورك.
​خرج ومريم نايمة على كتفه، وإلهام جنبه بالنظارة الشمسية وماشية بثقة وكأن الرحلة مشيت زي ما خططوا.
​هو كان فاكرني لسه محبوسة في شرم الشيخ من غير باسبور ولا تليفون ولا فلوس، وعقبال ما أتصرف هيكون عمل القصة بتاعته: إني سبت البنت ومشيّت، أو استنيت هناك بمزاجي، فيلحق يرفع قضايا ويغير ملكية الأصول.
​أول ما وصل لصالة الوصول، الثقة دي اختفت.
​كان مستنيه هناك ضباط من الشرطة الفيدرالية، وممثلين من حماية الطفل، والمحامين، ومراد بشخصه واقف ببدلته.
​طارق وقف مصدوم، وإلهام كانت هتخبط فيه.
​الضابط قرب منه: “طارق الألفي؟”
​”أيوه؟”
​”مطلوب التحقيق معاك في واقعة خطف طفلة عبر الحدود وسرقة وثائق سفر.”
​طارق اتهز: “دي سوء فهم!”
​إلهام اتدخلت بجلطة: “دي مراته هي اللي سبتنا في شرم الشيخ وقعدت بمزاجها!”
​مراد فتح التابلت وعرض فيديو كاميرات الفندق وهو بياخد باسبوري وتليفوني وبيطلع بالميلاد قبل الفجر، وتوثيق إلغاء التذكرة من إمبارح.
​إلهام ألوانها اتغيرت.
​طارق بص للتابلت بذهول، وبعدها بص حواليه: “هي نورا فين؟”
​طلعت من وراهم: “أنا هنا.”
​اتلفلي بسرعة وكان هيقع.
​”إنتِ جيتي هنا إزاي؟! مكيش باسبور! مكيش تليفون!”
​قربت منه، ومريم نايمة. أخصائية رعاية الأطفال أخدت مريم بالراحة وغطتها ببطانية وأخدتها لأوضة هادية كان مستني فيها محامي الأسرة بتاعي.
​أول ما مريم بقت في أمان، بصيت لطارق: “مش قلتلي ورينا شطارتك وحليها بنفسك؟ أديني حليتها.”
​وبعدها بصيت لإلهام اللي ورقتها معايا في الشنطة: “كنتي عايزة تعرفي مين هيجي يلحقني دلوقت؟ أديكي شوفتي.”
​من اللحظة دي السبت للمحامين والقانون يتصرفوا.
​طارق وإلهام إتحقق معاهم، والموضوع دخل في قضايا خطف ووثائق مسروقة، وتفريغ كاميرات الفندق وتذاكر الطيران كان الحاسم.
​بعد شهور طويلة من القضايا والتحقيقات، طارق أخد حكم بالسجن، وإلهام أخدت عقوبات ومراقبة وحظر اقتراب مني ومن مريم. والمحكمة حكمتلي بالحضانة الكاملة والنهائية لمريم، مع استرداد كافة حقوقي المالية وأسهمي.
​بعد 6 شهور، والشمس مالية جنينة بيتي الجديد.
​مريم بتجري ورا الفراشات، وأنا قاعد بشرب قهوة.
​مراد دخل عليا ومسك ملف صغير إداهوني: “كل حاجة اتوقعت لاتخاذ الإجراءات الأخيرة.. إنتِ بقيتي حرة رسمياً.”
​بصيت لمريم وهي بتضحك وفرحانة.
​طارق وأمه كانوا فاكرين إني ضعيفة عشان ماليش عيلة أو ضهر، وفاكرين إن قوتي في تليفون أو باسبور أو تذكرة طيران. نسوا إن الحاجات دي مجرد أدوات، وإن القوة الحقيقية كانت جوايا أنا من قبل ما أعرفهم.
​بصيت لمراد وقلتله: “فاكر لما أجبرتنا نحفظ الرقم ده زمان وكنت متضايقة؟”
​ضحك وقال: “كنتي بتقولي عليا دقة قديمة.”
​ضحكت ورفعت مريم في حضني.
​افتكرت جملة إلهام الأخيرة: “لما نشوف مين هيسأل فيكي أو هيجي يلحقك دلوقت.”
​في الآخر، اللي جه لحقني مكنش بس مراد أو المحامين أو الشرطة.. اللي لحقتني هي نورا القوية اللي كنت عليها زمان قبل ما أقنع نفسي إني محتاجة لحد عشان أحس بأمان.
​بست رأس مريم ومشيت بيها ناحية البيت.. المستقبل قدامنا، وبقى ملكنا لوحدنا.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *