في عزومة العشا
في عزومة العشا ليلة رأس السنة في بيت أهلي، اتخانقت أنا وأختي لحد ما أمي فجأة تفّت في وشي وصرخت: “انتِ بومة وبتمصي دمنا، فلوسي مش ليكي!” وبعدين شاورت على بنتي صاحبة الخمس سنين وقالت عليها “حمل وتقيل علينا”. جوزي مسك إيدي وقال: “يلا بينا نفيص.” وتاني يوم الصبح، بابا كلمني عشان موضوع البيت.
عشا ليلة رأس السنة في بيت أهلي في التجمع مالحقش حتى نوصل للتحلية، لما أختي شيرين مالَت على الترابيزة وقالت: “يا حلاوة! أهو ده الدلع.. جاية إيدك فاضية ومستنية بابا وماما ينقذوكي كالعادة.”
حطيت الشوكة من إيدي. “أنا مابطلبتش من حد ينقذني.”
شيرين ضحكت بصوت عالٍ. أمي، عفاف، مابصمتش ولا ضحكت.
بقالها شهور بتمشي تقول للقرايب إن أنا وجوزي، طارق، “ظروفنا تعبانة ومزنوقين”. بس الحقيقة مكنتش بالدراما دي خالص. طارق غير شغله بعد ما الشركة عنده قللت العمالة، وقضينا سنة بنضغط مصاريفنا على قد ما نقدر، وأنا شغال أونلاين من البيت جزء من الوقت وبراعي بنتنا ليلي عندها خمس سنين. مكنّاش أغنية، بس التزاماتنا ومصاريفنا متغطية أول بأول.
شيرين كملت استفزاز: “أومال بابا إداكي فلوس ليه الصيف اللي فات؟”
أبويا، صلاح، بَصّ في طبقه ومطقش بكلمة.
قلت لها: “دي كانت سداد دين.. بابا كان واخد مني قرشين وسدهم.”
الوضة كلها سكتت حتة واحدة.
وش أمي اتغير تماماً. قامت واقفة بفركة كرسي هبد في الأرض.
”انتِ كدابة!”
”يا ماما، معايا إيصالات وتحويلات البنك.”
قربت مني ومسحت المسافة اللي بيننا، وفجأة تفّت في وشي مباشرة.
محدش اتتحرك من مكانه من الصدمة.
صرخت وهي بتهز طولها: “انتِ بومة وبتمصي دمنا! فلوسي مش ليكي!”
وبعدين شاورت على ليلي، اللي كانت بدأت تعيط جنب طارق.
”شيلي الحمل ده واطلعي بره!”
طارق كان واقف على حيله قبل ما ألحق أنطق حتى. مسك إيدي جامد.
”يلا بينا.”
مسحت وشي بالمنديل، وخدت جاكيت ليلي، وخرجت وأنا شايفه شيرين باصة لي بابتسامة شتات وغريبة. بابا مشي وارانا لحد الباب وقال بس: “أنا آسف يا بنتي.”
ماردتش عليه.
سوقنا أربعين دقيقة لحد ما وصلنا البيت في صمت تام. أول ما ليلي نامت، طارق قفل باب الشقة بالمفتاح وسألني: “تفتكري أمك عارفة؟”
”عارفة إيه؟”
بَصّ ناحية الطرقَة اللي مأدية للمكتب، حيث فيه فايل إثباتات ومستندات مقفول عليه في الدرج.
قبلها بتلات أسابيع، أنا وطارق كنا مخلصين إجراءات شراء بيت جديد من غير ما حد يحس.
مش الدوبلكس اللي إحنا قاعدين فيه دلوقتي.
بيت تاني خالص.
فيلا صغيرة متوضبة في الشروق، اشتريناها بجزء من فلوس شهادة كانت سيباهالي تيتا باسمي من سنين طويلة. كنا مخططين ننقل بعد رأس السنة ونأجر الدوبلكس ده. مكنتش قايلة لأمي لأن أي تفصيلة مادية في عيلتنا بتبص لها على أنها منافسة ومقارنة.
التليفون رن الساعة 7:12 الصبح.
بابا.
كنت هكنسل وما أردش.
أول ما فتحت الخط، كان صوته طالع بالظافية و his breath مقطوع.
”منى..” قالها بالعافية، “أمك لسه عارفة موضوع البيت.”
بطني اتعصرت. “عرفت منين؟”
”شيرين جابت السجل العيني وعقد البيع من على النت وورتها.”
غمضت عيني بتعب.
بابا وطّى صوته خالص:
”أمك فاكرة إنك سرقتي الفلوس دي مننا.”
وفجأة سمعت صوت عفاف بتزعق وبتصوت في الخلفية.
وبابا همس في التليفون: “هي راكبة العربية وجايلك البيت دلوقتي.”
طارق كان خلاص لبس هدومه لما قلته على اللي بابا قاله.
“يبقى تقف بره في الشارع،” رد بكل حسم. “مش هتدخل رجليها هنا.”
بعد عشرين دقيقة، عربية أمي النص نقل/الملاكي وقفت معوجة على الرصيف. شيرين كانت قاعدة جنبها.
عفاف نزلت ومشيت في الجنينة وهي شايلة ظرف أصفر تقيل. هبدت على الباب الحديد فورفورجيه بقوة كانت هتصحي ليلي من أعمق نوم.
“منى! افتحي الباب ده!”
وقفت ورا الباب الزجاج وأنا قافلة السلك، وطارق كان واقف جنبي.
“عايزة إيه يا ماما؟”
أمي رفعت في وشي شوية ورق مطبوع.
“انتِ اشتريتي فيلا أربع أوض بـ أربعة مليون وخمسمية ألف جنيه؟”
“أيوه.”
“منين يا خايبة؟ بفلوس مين؟”
“بفلوسي.”
ضحكت ضحكة مكسورة وحادة.
“وعايزاني أصدق الكلام ده بعد ما أبوكي كان بيبصمك ويديكي فلوس من ورانا؟”
بصيت لشيرين.
“هو انتِ مقلتلهاش إن الفلوس اللي بابا حولها لي دي كانت سداد دين؟”
شيرين ربعت إيديها: “بابا عمره ما قال لي كده.”
“عشان دي حاجة مالتكيش فيها يا شيرين.”
أمي خبطت الورق في الزجاج بقوة.
“العيلة دي طفحت الدم عشان تساعدك سنين!”
“لا.. انتِ اللي كنتِ بتقولي لكل الناس إنك بتساعديني، وده فرق كبير أوي بين الحقيقة والكذب.”
دخلت المكتب، جبت فايل، ورجعت بظرف فيه صور كشوف الحسابات البنكية. مفرقتش الباب، ملزقت الورق على الزجاج عشان تشوف التحويلات المتعلم عليها بالماركر.
قبلها بتلات سنين، بابا كلمني في السر. الشركة الصغير بتعته للمقاولات كانت محتاسة بعد ما شركتين كبار أكلوا عليه فواتير ومستحقات، وكان محتاج 350 ألف جنيه عشان يدفع مرتبات العمال وما يقطعش عيشهم قبل العيد. أنا حولت له الفلوس دي من الشهادة والوحيدة اللي سيباهالي تيتا — أمه هو.
وبابا كان بيردهم لي على أقساط.
وآخر قسط كان 100 ألف جنيه وصلني الصيف اللي فات.
وش شيرين هو أول وش اتغير.
وش أمي لا.. فضل صلب.
“الميراث ده كان المفروض يفضل في العيلة!”
“ما هو فضل في العيلة.. تيتا سابتهولي أنا.”
“هي كانت عارفة إنك هضيعيه في كلام فارغ!”
“إننا نشتري بيت ونأمن مستقبلنا ده كلام فارغ؟”
“انتِ لبيتي واختفيتي وعملتيها من ورانا!”
“عشان الحركة دي بالظبط.. عشان الشو اللي بتعمليه ده.”
لسكوت ساد لثواني.
بعدين شيرين قالت: “استني كده.. هي تيتا سيبالك كام أصلاً؟”
أهو أصلها ظهر.
مش قلق.
ولا صدمة.
رقم.. عينهم على الرقم.
بصيت لأمي.
“انتِ قيلالها إن تيتا مسبتش ميراث، صح؟”
فَك أمي اتشنج.
أم بابا كانت متوفية من ست سنين. سابت مبالغ بسيطة رمزية لكل الأحفاد الأربعة، بس سابتلي أنا حساب استثماري لوحدي لأنني قضيت سنين أسندها وأوديها للدكاترة وأجيب لها الطلبات وأدفع لها الفواتير لما كبرت ومبقيتش تقدر تخرج.
أنا عمري ما طلبت منها حاجة.
وبابا كان عارف.
وباين كده إن أمي هي اللي أصرت إن شيرين ما تعرفش.
شيرين لفت لأمها:
“انتِ قلتيلي إن ممتلكات تيتا يادوب غطت مصاريف المستشفى ودار الرعاية!”
“الموضوع معقد يا شيرين…”
“لا،” تدخلت أنا. “الموضوع مش معقد ولا حاجة.”
فجأة أمي شاورت على طارق:
“ده هو! هو اللي ملمس مخك ومقسيكي علينا!”
طارق هز رأسه بنفي:
“أنا متفيتش في وشها ليلة رأس السنة يا مدام عفاف.”
الكلمة دي سكتت حتى شيرين.
فتحت الباب حتة صغيرة يادوب سحبت كشوف الحسابات وحطيتها على العتبة، وقفلته بالمفتاح تاني.
“دي الأوراق والإيصالات.. بابا استلف مني وبابا رد الفلوس. والبيت الجديد اشتريناه من تحويشتنا، وميراث تيتا، وقرض بنكي (تمويل عقاري). تصدقي الأوراق أو تفضلي تكدبي على نفسك، دي مشكلتك.”
أمي بصلت للورق بس ممدتش إيدها تاخده.
“فاكرة إن البيت الكبير ده هيخليكي أحسن مننا يعني؟”
“لا.. بس قفل الباب بالمفتاح بيخليني في أمان منك ومن شرك.”
وشها جاب ألوان واصفرّ.
قربت خطوة: “انتِ هتندمي إنك هينتيني وكسرتي كلمتي.”
كنت هضحك بصوت عالٍ: “انتِ تفيتِ في وشي قدام العيلة كلها في العشا!”
وراه، شيرين كانت بتسحب على تليفونها بفرك وسرعة غريبة.
وفجأة رفعت رأسها.
“ماما..” قالتها ببطء وصدمة، “هو ليه عنوان شركة بابا مسجل عليه رهن عقاري تاني على بيتنا من السنة اللي فاتت؟”
عفاف لفت لها.
ولأول مرة من ساعة ما وصلت، كان باين في عينها الخوف والذعر.
بعد الظهر، بابا جه لوحده.
قعد على ترابيزة المطبخ، ماسك كوباية القهوة بإيديه الاتنين ومن غير ما يشرب منها بق.
“فيه حاجة تانية لازم تعرفيها يا منى.”
“إيه يا بابا؟”
بلع ريقه بصعوبة.
“أمك ما جتش هنا عشان فاكراكي سرقتينيا…”
بصيت له بالذهول.
“هي جَت عشان محتاجة فلوس ضروري.”
النهاية:
بابا كمل كلامه وصوته بيكسر: “الشركة كانت بتغرق من سنة، وأنا اضطريت أرهن البيت عشان أغطي الديون، بس المصاريف زادت وأمي— قصد أمك— كانت بتصرف ببذخ عشان تمثيلية ‘العيلة الغنية’. البنك كان مهددنا بالحجز على البيت خلال شهر لو مدفعناش المتأخرات.. وهي كانت فاكرة إنك معكيش، فلما شيرين جابت خبر الفيلا، أمك اتجننت وزقت شيرين عشان تيجي تاخد منك أي مبلغ تحت مسمى ‘حقنا’.”
سكتت لحظة.. البكاء اللي كنت حابساه اختفى، وحل مكانه هدوء غريب.
طارق طبطب على كتفي، وبصيت لبابا وقلت له: “أنا ممكن أساعدك انت يا بابا تسدد دينك شخصياً وتعيش في شقة غير البيت ده، بس بشرط واحد: أمي وشيرين مالهمش جنيه واحد، ومجلس إدارة حياتي مش هيشوفوا وشي فيه تاني.”
بابا دمع وهز رأسه بالموافقة.. وعفاف وشيرين اكتشفوا إن تمثيلية الكبرياء والافتراء ملهاش ثمن غير الخراب. قطعت علاقتي بيهم تماماً، ونقلنا الشروق، ولأول مرة من سنين.. عشت في هدوء من غير ما حد يتف في وشي أو يستكتر عليا حياتي.