في عزومة العشا
:
بعد الظهر، بابا جه لوحده.
قعد على ترابيزة المطبخ، ماسك كوباية القهوة بإيديه الاتنين ومن غير ما يشرب منها بق.
”فيه حاجة تانية لازم تعرفيها يا منى.”
“إيه يا بابا؟”
بلع ريقه بصعوبة.
“أمك ما جتش هنا عشان فاكراكي سرقتينيا…”
بصيت له بذهول.
“هي جَت عشان محتاجة فلوس ضروري.”
كمل كلامه وصوته بيكسر: “الشركة كانت بتغرق من سنة، وأنا اضطريت أرهن البيت عشان أغطي الديون، بس المصاريف زادت وأمك كانت بتصرف ببذخ عشان تفضل عايشة تمثيلية ‘العيلة الغنية’ قدام الناس. البنك مهددنا بالحجز على البيت خلال شهر لو مدفعناش المتأخرات.. هي كانت فاكرة إنك معكيش حاجة، فلما شيرين جابت خبر الفيلا، أمك اتجننت وزقت شيرين عشان تيجي تاخد منك أي مبلغ تحت مسمى ‘حقنا ورجع لينا’.”
سكتت لحظة.. البكاء اللي كنت حابساه من امبارح اختفى، وحل مكانه هدوء غريب.
طارق طبطب على كتفي، وبصيت لبابا وقلت له: “أنا ممكن أساعدك انت يا بابا تسدد دينك شخصياً وتعيش في شقة بسيطة بعيد عن القرف ده، بس بشرط واحد: أمي وشيرين مالهمش جنيه واحد عندي، وأنا من النهاردة خرجت بره العيلة دي وما حدش فيهم هيشوف وشي ولا وش بنتي تاني.”
بابا دمع وهز رأسه بالموافقة، وهو عارف إن أفعالهم هي اللي وصلت الأمور لكده.. عفاف وشيرين اكتشفوا إن تمثيلية الكبرياء والافتراء ملهاش ثمن غير الخراب.
قطعت علاقتي بيهم تماماً، ونقلنا بيتنا الجديد في الشروق.. ولأول مرة من سنين، عشت أنا وعيلتي في هدوء وسلام من غير ما حد يستكثر علينا لقمة أو يرمي علينا سمّه.