​في لمة العيلة، خالتي بصتلي من فوق لتحت

حصري لصفحة روايات رولا
​في لمة العيلة، خالتي بصتلي من فوق لتحت وضحكت بتهكم: “يا أهلاً! شوف مين أخيرًا تكرم وجه! إيه اللي حصل يا حازم؟ الفلوس خلصت منك تاني ولا إيه؟”
​ابن خالتي، شريف، ابتسم بصفار وهو واقف جنب السرفيس: “لسة قاعد في الشقة الكحكوتة اللي حيطانها بتقشر دي؟”
​وبعدين أمي أخدت بوق عصير وقالت بكل برود: “لو بتعمل نص المجهود اللي باقي الناس بتعمله في حياتك، كان زمان عندك حاجة عدلة عليها العين الناس تتكلم عنها.”
​كذا حد من القرايب سمعوا كلامها.
ولا واحد فتح بقه ولا اتكلم.
أنا بكل بساطة ابتسمت.
​وبعدين استنيت لغاية ما الكل غرف وطبقته اتملا، ومشيت أروح لمديرة تنظيم الحفلات في القرية السياحية.
​قلت لها بصوت واطي: “كارت الفيزا اللي مأمن الحجز بتاع العزومة دي بتاعي أنا.. يا ريت تشيليه من السيستم. أي حاجة يطلبوها أو تتقدم لهم من اللحظة دي هي مسؤوليتهم هما.”
​حواجبها اترفعوا باستغراب: “حضرتك متأكد؟”
​بصيت ناحية عيلتي وهما هيطيروا من الفرحة بالعزومة اللي فاكرين إن فيه حد تاني بقدرة قادر دفع مصاريفها.
​”متأكد جداً.”
وبعدين ضفت: “بس سيبيهم يخلصوا غداهم الأول.”
​بقالي 5 سنين بتجنب تجمعات العيلة ولماتها.
مش عشان بكره قرايبي.
أنا كنت ببعد لأن كل لمة كانت بتبقى نفس المسرحية المجهدة اللي بتتعاد كل مرة.
أسئلة عن شغلي وحياتي وهي اصلاً مش أسئلة للاطمئنان.
تعليقات وتلقيح كلام على شقتي.
نكت وتريقة على فلوسي وضائقتي المالية.
نغزات وتذكير دايم إنني في نظرهم الفرد الفاشل اللي ما عرفش يواكب باقي العيلة.
​بس السنة دي، الدعوة صدمتني.
بدل الجنينة بتاعة بيت خالتي كاميليا والكراسي البلاستيك الصدية والهوت دوج المحروق، العيلة كانت حابسة وحاجزة جزء من قرية سياحية فاخرة على بحيرة القناطر الخيرية في أخر أسبوع من شهر يوليو.
سرادقات خيم بيضا مغطية الجنينة.
أنوار وفروع إضاءة مبهجة متدلية.
برجولة مطلة على النيل.
بوفيه مفتوح وأكل فاخر، مزيكا، عمال خدمة، وترابيزات متوضبة على أعلى مستوى.
الدعوة كان مكتوب فيها إن كل حاجة مدفوعة ومكفولة خلاص.
كل اللي علينا إننا نيجي ونحضر.
​قبل ما أحجز تذكرتي، كلمت أمي: “هو الموضوع ده بجد؟”
اتنهدت وقالت: “أيوه يا حازم. ندى وخطيبها هما اللي بينظموا الموضوع. تعالى بس. الكل بيسأل عليك.”
الجملة الأخيرة دي كانت هتخليني أفركش من الضحك.
بس رغم كده، وافقت.
​اللي أمي ما قالتوش، إن من 6 أسابيع فاتت، ندى كلمتني وهي بترتعش ومزهولة.
العيلة كانت عايزة اللمة الفاخرة دي، بس التكاليف وسعت منهم أوي وعدت كل توقعاتهم.
العربونات كان لازم تتدفع.
والقرية السياحية كانت محتاجة كارت فيزا مالي ومضمون عشان يثبتوا الحجز.
كذا حد من القرايب ووعدوا إنهم هيشاركوا ويدفعوا بعدين، بس محدش كان راضي يطلع جنيه من جيبه في الأول.
فأنا اللي دفعت.
في السكات.
​أنا كنت لسة ماضي كذا عقد كبير لشغلي في مجال استشارات التكنولوجيا، ولأول مرة من سنين، بقيت أقدر أساعد من غير ما أزنق نفسي أو أأذي شغلي.
ما قلتش للـعيلة.
ما كنتش مستني تسقيف ولا شو.
كل اللي كنت عايزه إن الكل يقضي ويكند لطيف.
​ولما وصلت القرية الصبح، كنت جاي بدري.
مديرة الحفلات لقطتني وهي معدية في الجنينة وماسكة ملف في إيدها.
“أستاذ حازم؟”
“حازم بس، تمام.”
بصت في أوراقها: “حضرتك اللي أكدت الضمان المالي للحجز الأسبوع اللي فات؟”
“مظبوط.”
ابتسمت وقالت: “شكراً جداً لحضرتك. بصراحة من غير الكارت بتاعك، ما كنتش أظن إن الويكند ده كان هيعدي أو يتم زي ما يتخطط له.”
“ولا يهمك، مافيش مشكلة.”
​دي كانت المكالمة والحديث كله.
ما كانش فيه أي داعي إن حد تاني يعرف.
​على الضهر، قرايبي بدأوا يوصلوا.
خالتي كاميليا وجوزها عمي جابر وصلوا ومعاهم كولمانات ثلج ضخمة.
شريف، ابن خالتي، جه بالعربية الجيب السودا الجديدة ونازل يفشخر ويحكي للناس عن أخر حاجة اشتراها.
وبعدين أمي وصلت.
عدت من جنبي تقريباً.
لا حضن.
ولا حتى سلام عدل.
حاولت أطنش وما أهتمش.
​وبعدين كاميليا لقطتني.
حواجبها اترفعوا: “يا سيدي شوف مين هنا! حازم تكرم وجه بنفسه.”
ناس قليلين بصلنا.
هي ابتسمت بشماتة: “شكله أفلس تاني وجاي ياكل.”
شريف ضحك.
وبعدين بص على هدومي: “لسة قاعد في الشقة الإيجار إياها اللي السخان فيها مكسور؟”
جبرت نفسي على الابتسامة.
واضح إن الـ 5 سنين ما غيروش أي حاجة.
​وبعدين أمي رمت الكلمة الليخلت كل حاجة جوايا تتغير وتتقلب.
“لو بتشتغل بجد وتتعب، كان زمان عندك حاجة عدلة الناس تتكلم عنها.”
الكلمات ما كانتش بصوت عالي.
وده اللي خلاه أصعب وأوسخ.
قالتها كأنها حقيقة واضحة والكل عارفها خلاص.
​بصيت حواليا.
أحرج كذا حد من القرايب وكانوا مش مرتاحين.
بس محدش دافع عني ولا فتح بقه.
“أنا هروح أتمشى شوية.”
مشيت ناحية البحيرة.
​ولعدة دقايق، وقفت جنب المية وبفكر في كل حاجة عيلتي ما تعرفهاش.
ما يعرفوش الليالي اللي كنت بسهرها لوش الفجر عشان أنقذ شركتي وأخيلها واقفة على رجلها.
ما يعرفوش كم الفواتير والمصاريف اللي أخرتها عشان أحط كل جنيه يتوفر يرجع للشغل تاني.
ما يعرفوش عن العقود الملايين اللي أخيرًا قطفت ثمارها وتوفقت فيها.
ما يعرفوش إن بعد سنين من العا do والمعافرة، الشركة أخيرًا بقت بتكسب ومرتاحة.
ما يعرفوش لأن محدش فيهم في يوم من الأيام كلف نفسه ويسألني بجد.
​وأمي تعرف أقل بكتير ملي بتدعّيه.
السنة اللي فاتت، كلمتني وهي بتعيط بالدموع لأن ديون الفيزا كارد تراكمت عليها وغرقتها.
اترستني ما أقولش لأي حد.
فأنا دفعتها.
كل مليم.
في السكات.
​ودلوقتي هي قاعد تحت خيمة بيضا فاخرة، بتشرب العصير في عزومة كارت الفيزا بتاعي هو اللي مأمنها، وبتقول للقرايب إنني محتاج أشتغل أكتر وأتعب على نفسي!
​على العصر، الأكل اتغرف.
الكل هدي وانسجم.
كاميليا راحت تجيب قطعة بسبوسة تانية.
شريف بفرّج الناس على ساعته الجديدة الغالية.
أمي بتضحك مع قرايبنا وكأن اليوم ما فيش أجمل منه.
​تابعتهم وهما بيملوا أطباقهم.
والغريب، إنني ما بقيتش غضبان خلاص.
أنا مجرد فهمت حاجة كان المفروض أفهمها من سنين طويلة.
هما أخدوا على قلة أدبهم وإهانتهم ليا لأن مساعدتي ودعمي ليهم عمره ما اشترط إحترامهم ليا.
​فمشيت ناحية مديرة الحفلات.
ابتسمت: “كل حاجة تمام يا حازم؟”
“محتاج أغير حاجة.”
“أكيد، اتفضل.”
“الكارت اللي مأمن الحجز ده بتاعي.”
“أيوه مظبوط.”
“أنا عايز أشيله من السيستم.”
​ملامحها تحولت للجدية فوراً: “أستاذ حازم، لسة فيه مبلغ كبير متبقي وما اتدفعش. ده يشمل باقي إيجار المكان، والبوفيه المفتوح، والعمالة، وتأجير المعدات والفرش.”
“أنا فاهم.”
“لو شلت كارتك، هنيجي نحتاج حد تاني يدفع ويدينا بيانات دفع.”
​بصيت ناحية قرايبي.
محدش كان باصصلي اصلاً.
هما نادراً لما بيبصولي إلا لو عايزين حاجة.
“يبقى هما يقرروا مين الشخص ده.”
​هي اترددت: “تحب أروح أتكلم معاهم دلوقتي؟”
ابتسمت: “لا.”
بصيت على خالتي كاميليا وهي بتاكل التحليّة بمنتهى السعادة.
“سيبيهم يخلصوا الأول.”
​وبعدين تحركت لترابيزة هادية على طرف الخيمة.
​بعد عشرين دقيقة، ندى وقفت ورفعت كاستها: “في نخب العيلة!”
الكل هتاف وزغرط.
“وفي نخب أحلى لمة جمعتنا!”
تسقيف وأغاني.
أمي رفعت كاسها.
شريف مد إيده يجيب مشروب تاني.
​وفجأة، مديرة المكان قربت من ترابيزتهم ومعاها اتنين من موظفين القرية.
واحد شايل ملف.
والتاني ماسك الفاتورة.
​أمي كانت لسة بتضحك لما الورق اتحط قدامها على الترابيزة.
الابتسامة دي اختفت في ثواني معدودة.
“أفندم؟” قالتها أمي باستغراب: “إيه ده بالضبط؟”
​”وسيلة الدفع اللي كانت مأمنة حفل النهاردة اتسحبت واتلغت،” المديرة وضحت ببرود: “محتاجين كارت تاني عشان المبلغ المتبقي لو حابين إن الخدمة تستمر وباقي اليوم يكمل.”
​كاميليا شوكتها وقعت من إيدها: “مبلغ متبقي؟”
شريف سكت وما نطقش.
أمي كشرت: “ده أكيد فيه حاجة غلط! كل حاجة كانت مدفوعة ومحجوزة!”
​ردت المديرة: “جزء من الحفلة كان متغطي بالعربون، بس فيه مبلغ محترم وكبير لسة متبقي.”
​كاميليا لفت لأمي بغضب: “أنتِ مش قولتي إن كل حاجة خلصانة ومدفوعة؟”
“أيوه والله كانت متخلصة!”
أمي ملامحها بقت متلخبطة ومزهولة أكتر وأكتر.
​وبعدين جه السؤال اللي كنت مستنيه بفارغ الصبر.
“هو مين اصلاً الفيزا بتاعته اللي كانت بتدفع وبتغطي كل ده؟”
​السكوت والخرس نزل على الترابيزة كلها.
من وراهم، أنا قمت وقفت بالراحة.
عين أمي أخيرًا لقطتني.
ولأول مرة طول اليوم، بصت لابنها بجد بدل ما كانت بتعدي عينها من عليه وكأنه شفاف.
​حطيت إيديا في جيوبي ومشيت ناحية الترابيزة.
وش شريف هو أول واحد اتغير.
وبعديه خالتي كاميليا.
أمي فضلت مبلمالي ومذهولة: “حازم…؟”
​وقفت على بعد خطوات منهم: “أنتِ قولتيلي المفروض أشتغل أكتر وأتعب عشان يبقى عندي حاجة عدلة الناس تتكلم عنها.”
​محدش تحرك ولا نطق.
بصيت على الفاتورة.
وبعدين بصيت لها تاني.
“فقلت أديكم كلكم حاجة محترمة تقعدوا تتكلموا عليها.”
​وفجأة، لمة العيلة بقت أغلى بكتير أوي على الناس اللي قضوا اليوم بيتريقوا ويضحكوا على الراجل اللي كان يدفع تمن أكلهم وينقطهم في السكات.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *