في لمة العيلة، خالتي بصتلي من فوق لتحت
دي كانت نفس التنهيدة اللي حافظها، اللي بطريقة ما كانت دايماً بتحسسني إنني خيبت أملها فيا قبل حتى ما ألحق أخلص كلامي.
كملت كلامي: “أنا بس كنت عايز أتأكد إن الموضوع بجد ومضمون، لأن المكان شكله ينطع وشيك أوي زيادة عن اللزوم بالنسبة لعيلتنا.”
ردت عليا: “بجد يا حازم. ندى وخطيبها هما اللي بيساعدوا في تنظيم اليوم ده، وكانوا عايزين يعملوا حاجة نضيفة وعلى مستوى السنة دي.”
رفعت حاجي رغم إنها ما كانتش شايفاني: “ندى؟ ندى نفسها اللي كانت هتخرب خطوبتها وتعمل مناحة عشان فاكرة إن فص الألماس اللي في شبكتها صغير؟”
”هي كبرت وعقلت خلاص.”
أمي ما كانش باين على صوتها إنها مقتنعة أصلاً باللي بتقوله.
وبعدين ضافت: “تعالى أنت بس. الناس كلها عمالة تسأل عليك.”
كنت هفركش من الضحك تقريباً.
الناس في عيلتي نادراً لما كانوا بيسألوا عن أحوالي أو أنا عامل إيه.
هما كانوا بيسألوا هو أنا أخيرًا لقيت “شغلانة عدلة بجد” ولا لسة!
الـ “شغلانة العدلة” دي في نظرهم كانت شغلة بمكتب مكيّف ومسمى وظيفي يبهر قرايبنا في عزومات العيلة.
أما بالنسبة لشركتي الصغيرة في مجال التكنولوجيا، فدي بالنسبة لهم كانت مجرد “هواية” محبوس فيها في شقتي الإيجار، مشروع فاشل مستني يقع في أي لحظة.
قبل ما أقبل الدعوة بست أسابيع، ندى كلمتني صدفة وهي في قمة الانهيار والتوتر.
العيلة كانت راكبة دماغها تعمل اللمة الفاخرة دي في القرية السياحية في القناطر الخيرية، والتكاليف وسعت منهم أوي وعدت حدود الميزانية.
كانوا محتاجين عربون كبير، والكارت اللي ندى حطته في الأول اتفض بسبب حدود السحب. القرية اشترطت وجود كارت فيزا مالي ومضمون يسد العجز ويضمن الحجز وإلا العزومة كلها هتتلاغى.
عمي جابر ووعد إنه هيدفع بعدين، وخالتي كاميليا قعدت تتحجج وتتعلل بالفلوس اللي مزنوقين فيها، ومحدش من باقي العيلة رضى يطلع جنيه واحد من جيبه في ساعتها عشان يضمن اليوم.
فأنا طلعت الكارت بتاعي ودفعت.
في السكات.
السنة دي بالذات، شركتي بدأت تقف على رجلها بجد بعد ما مضيت عقدين كبار أوي مع شركات حماية ونظم معلومات. ولأول مرة من سنين طويلة، بقيت أقدر أساعد من غير ما أزنق نفسي أو أأذي شغلي.
ما عملتش شو ولا قلت لأي حد.
ما كنتش مستني تسقيف ولا معززة من حد.
كل اللي كنت عايزه إن أمي والعيلة يتبسطوا ويقضوا ويكند لطيف من غير ما نشيل هم النكد والفلوس.
لكن الوقفة على السفيرة في القرية السياحية رجعتني لأرض الواقع في ثانية.
أمي فضلت باصالي ومبهوتة، ووشها جايب ألوان.
“حازم… أنت بتقول إيه؟”
المديرة بصت بيني وبين أمي ووضحت الأمور فوراً قدام الكل:
“أستاذ حازم هو المالك الوحيد لكارت الفيزا اللي كان محطوط كضمان وتأمين للحفلة والبوفيه والمكان. وبما إنه طلب سحب الكارت وإلغاء العملية، فالمبلغ المتبقي لحفلة النهاردة—اللي هو حوالي 180 ألف جنيه—لازم يتسدد حالاً نقداً أو بكارت تاني عشان الحفلة تكمل والخدمات ما تقفش.”
خالتي كاميليا اتنفضت من مكانها والشوكة وقعت من إيدها على الطبق بأزيز عالي:
“180 ألف جنيه؟! إيه التهريج ده؟! هي مش ندى وخطيبها قايلين إن المكان مدفوع بالكامل؟!”
ندى وشها اتخطف وبقت زي الفلّة البيضا، وقالت وهي بتتلعثم:
“إحنا… إحنا حجزنا بالعربون بس… وحازم هو اللي حط كاراته عشان يضمن باقي الفاتورة لغاية ما نلم المصاريف من العيلة…”
شريف ابن خالتي قام وقف، وساعته الجديدة الغالية بتلمع تحت الشمس، وقال بغضب:
“أنت جنيت يا حازم؟! جاي تطين العزومة وتعمل الحركة دي قدام الناس عشان تذلنا؟!”
بصيت لشريف ببرود شديد وركزت عيني في ساعته:
“ما أنت معاك فلوس أهو يا شريف، ونازل يفشخر بالساعة الجديدة والعربية الجيب اللي لسة جيبها. ما تدفع أنت الـ 180 ألف وتنقذ العيلة المرة دي!”
شريف اتلجم وما عرفش يرد بكتمة، وبص للأرض بكسوف.
أمي قربت مني وهي بترتعش من الإحراج، وصوتها نزل لهسيس واطي:
“حازم… أنت بتعمل إيه؟ أنت عايز تفضحنا قدام القرايب والعمال؟ حط الكارت تاني وحل المشكلة دي بالهدوء!”
بصيت في عين أمي وقلت لها بصوت هادي وواثق سمع العيلة كلها:
“أنا بقالي سنين باكل في نفسي وأنا أسمع تريقتكم وتهزيئكم فيا في كل لمة عيلة. استحملت تقليلكم مني ومن شغلي، واستحملت كلامك يا أمي لما قولتي قدام الكل إنني محتاج أشتغل وأتعب عشان يبقى عندي حاجة عدلة تتكلموا عليها.”
أمي رمشت بعينيها ومسكت إيدي بس أنا سحبت إيدي بالراحة.
كملت كلامي: “السنة اللي فاتت لما كانت ديون الفيزا كارد بتاعتك هتوديكي في داهية، كلمتيني وأنتِ بتعيطي وترجيتيني ما أقولش لحد، وأنا سددتلك كل جنيه في السكات ومن غير ما أفتح بؤي ولا أمنّ عليكِ. والنهاردة، قاعدة على ترابيزة مدفوع تمنها من جيمي، وبتقللي مني قدام الناس اللي ما يسووش.”
السكوت نزل على الترابيزة زي الصاعقة. خالتي كاميليا وباقي القرايب بصوا لأمي بذهول وصدمة.
أمي وشها احمرّ جداً وما عرفتش تنطق ولا كلمة.
بصيت لمديرة الحفلات وقلت لها بابتسامة لطيفة:
“أنا ماشيل. أرجو إنك تتابعي مع الحسابات معاهم عشان يسددوا الباقي.”
أخدت نظارتي الشمسية، ولفيت ضهري ومشيت ناحية البوابة الرئيسية للقرية السياحية.
ورايا، بدأت الخناقات والأصوات تعلى بين أمي وخالتي ونيدى وشريف، والكل بيزعق وبيتهرب من دفع الفاتورة، والعمال واقفين مستنيين الفلوس.
لأول مرة من سنين طويلة، ركبت عربيتي وأنا حاسس براحة ونضافة مش طبيعية. العيلة اللي ما عرفتش قيمتي وأنا معاهم، هيعرفوا قيمتي كويس أوي وهما بيدفعوا تمن قلة أدبهم من جيبهم.