عمرك ما هتكوني فخري
“عمرك ما هتكوني فخري،” بابا قالها بشماتة وغل في القاعة، وهو رافع عليا قضية عشان ياخد بيت ستة مني؛ كنت قاعدة لوحدي والمحامي بتاعه شغال تريقة عليا؛ في صمت كدة ومديت إيدي للمستشارة بالملف بتاعي؛ القاضية اتسمرت مكانها، القلم وقع من إيدها، وبصت لبابا بنظرة تحرّق: “يا أستاذ… أنت عارف بنتك شغالة إيه؟”
أبويا قال الكلمة دي بصوت عالي في قاعة المحكمة الاقتصادية، صوت سمع كل المحامين، والحاجب، والغرباء اللي قاعدين في الصالة. كان قاعد على ترابيزة المدعي ببدلة شيك جداً ومشوية، وإيده جنب كومة أوراق كان فاكر إنها هتاخد بيت ستي اللي في المعادي مني. والمحامي بتاعه كان حاطط الابتسامة الإبليسية بتاعة الناس اللي فاكرة إنها اشترت النهاية خلاص.
بعدها أبويا مال عليا وقال بصوت واطي: “وقعي على تنازل البيت ونقل ملكيته قبل ما أفرك كر Precise وما أسيبلكيش أي حتة كرامة تعيشي بيها.”
ما رديتش عليه.
كنت قاعدة لوحدي على ترابيزة الدفاع ببدلة كحلي مقفولة، وإيدي مفرودة جنب شنطة جلد سوداء مقفولة. بالنسبة لأي حد بيتفرج، كنت باين ضعيفة ومكسورة ومفيش معاي حد. أبويا معاه الفلوس، والنفوذ، ومحامي تقيل، وتقارير طبية، وكمان أختي الكبيرة كانت جاهزة تشهد ضدي.
بس اللي هو افتكره ضعف وخوف، كان في الحقيقة انضباط وضبط نفس.
أصل أبويا كان دايماً بيفهم شخصيتي غلط من وأنا صغيرة.
من بعد ما أمي اتوفت وأنا عندي تسع سنين، أبويا بقى الراجل الأرمل المحترم الطيب قدام الناس في جاردن سيتي، وحاجة تانية مرعبة تماماً ورا الأبواب المقفولة في بيتنا. أختي الكبيرة “شيرين” فهمت اللعبة بدري.. عرفت إن الطاعة والعرصنة ليها مقابل: عربيات، كروت ائتمان، دلع على سفرة الأكل، ومكان جنبه في نادي الجزيرة.
أما أنا.. فأتلمت إن الرفض والمواجهة بيبقى ليها فاتورة غالية.
لما كان عندي سطاشر سنة وكنت بشتغل بعد المدرسة في كافيه في الزمالك، كان بياخد مني إيجار أوضتي في الشقة! ويوم الأحد بالليل، كانت بتدخل من تحت باب أوضتي فواتير أكل وشرب ومستلزمات، محسوب فيها اللبن والجبنة ومعجون الأسنان والضرائب ومطبوعة على ورق شركته! وفي عيد ميلاد من الأعياد، شيرين فتحت علبة علبة فيها علبة دهب قدام العيلة كلها.
أنا بقى فتحت ظرف مكتوب عليه المبلغ المتبقي عليا ولازم أدفعه له.
وبعد سنين طويلة، لما وصلت لمكانة ونجاح مقدرش يسيطر عليه أو يتحكم فيه، كان ببساطة بيحاول يصغره ويقلل منه عشان يقدر يستوعبه. في حفلة تخرجي وتكريمي من الكلية الفنية العسكرية، وفي الوقت اللي كل الأهالي كانت بتاخد ولادها بالأحضانات وبيموتوا من الفخر، بصلبي في جزمتي المتربة وقال للضباط والقيادات اللي واقفين جنبي إني دخلت هنا عشان أنا “فاشلة وما ينفعش أعيش في الحياة المدنية بجهدي.”
أنا فاكرة السكوت اللي ساد المكان بعد ما قال الكلمة دي.
وبافتكر كمان ستي “فاطمة”.
ستي عمرها ما صدقت كلامه عليا. كانت بتركب السوبرجيت وتيجي من الإسكندرية مخصوص عشان تحضر تكريماتي اللي هو كان بيكبر دماغه منها. كانت تبعتلي رسائل وأنا في مأمورياتي برة وفي سينا. لما كانت تبصلي، عمرها ما حسستني إني عار العيلة أو الفاشلة اللي أبويا قعد سنين يوصفني بيها.
بعد أربعتاشر شهر من مأمورية من المأموريات دي، ستي اتوفت.
في قعدة إعلام الوراثة وتوزيع التركة في مكتب المحامي في محطة الرمل، أبويا كان بيبص في ساعته الرولكس وكأنه قاعد في اجتماع عمل ومستعجل. كان متوقع إن كل حاجة—البيت اللي في المعادي، والأرض، وكل شجرة وكل أوضة—هتتكتب باسمه هو طبعاً.
بس ده ما حصلش.
ستي كتبت البيت والأرض باسمي أنا.
أبويا ما أخدش موقف ولا زعق. مسك فنجان الشاي بنعناع، أخد منه بق صغير بالبطيء، وابتسم.
”فاكرة نفسك هتعرفي تحتفظي بيه يا سيادة النظابط؟”
الابتسامة دي كانت بداية الحرب والقضية.
راح أجر “جلال فوزي”، محامي حيتان وكبير في المحاكم وبيتعامل مع القضايا كأنها حلبة مصارعة. ادعوا إني استغليت كبر سن ستي وزورت وضحكت عليها وهي تعبانة. وشيرين أختي ما كدبتش خبر ووقعت على إقرار رسمي بتأيد كلامهم. وبدأت توصل بلاغات كيدية ومجهولة لقيادتي في القوات المسلحة. شغلي وصلاحياتي اتجمدت بشكل مؤقت لحد ما الشكاوى دي تراجع، زمايلي اللي خدموا معايا سنين وكانوا بياكلوا معايا عيش وملح بقوا بيتهربوا من السلام عليا أو يبصوا بعيد لما أعدي في الممر.
أبويا عرف يضغط على النقطة القاتلة.
يا إما أتنازل له عن البيت، يا إما أشوف مستقبلي وشغلي اللي بنيته بعرقي بيروح مني.
قبل الجلسة بتلات شهور، كنت في عيد ميلاد بنت أختي. أبويا زنقني في المطبخ في الوقت اللي قرايبنا كانوا بيضحكوا برة في الصالة. سألني بخباثة لو سيادة اللواء القائد بتاعي وصلت له الجوابات ولا لسة.
وبعدها قال بصوت واطي وشماتة: “واحدة مجرد ظابط صغير زيك هتجيب منين الفلوس والمقدرة عشان تقف قصادي وترافع؟”
في اللحظة دي، لمحت بروز مش طبيعي مربع تحت جاكيت بصلته.
كان حاطط جهاز تسجيل.
كان عايزني أتعصب. كان عايزني أقول كلمة طايشة أو تهديد ياخده معاه المحكمة ويستعمله ضدي.
بدل كل ده، بصيت في عينه ببرود وقلت له: “شكراً على النصيحة يا أستاذ جمال.”
وشه اتغير لأقل من ثانية.
دي كانت أول شرخ أشوفه في ثقته بنفسه.
في صباح يوم المحاكمة، المستشارة “نادية العفيفي” قعدت على منصة القضاء الساعة تمانية بالدقيقة. المحامي جلال فوزي قدم التقارير الطبية، وشيرين أختي شهدت وإيدها بترعش. وأبويا قاعد يبصلي من الترابيزة التانية بابتسامة نصر وشماتة.
كان فاكر إن كل خطة مشيت بالظبط زي ما هو يرسم.
استنيت لحد ما اتهمني في القاعة، وقدام كل الناس، إني زورت أوراق ووثائق رسمية.
في اللحظة دي.. فتحت شنطتي الجلد.
تكة القفل كان ليها صوت يرعب في هدوء القاعة.
كان جوة الشنطة ملف أحمر متختوم بشمع أحمر، مشيت بيه ودخلت بيه المحكمة من غير ما أسمح لأي مخلوق يلمسه. قمت وقفت، مشيت لحد عند سكرتير الجلسة، وطلبت من القاضية تراجع بنفسها كود التعريف والختم الرسمي اللي في الصفحة الثانية.
أبويا ابتسم بسخرية.
المستشارة نادية فتحت الملف.
عينيها جرت بسرعة على أول صفحة.
وبعدين قريتها تاني بالبطيء.
الابتسامة اختفت تماماً من وش أبويا.
القاضية وقفت تقليب. صوابعها اتقفلت على الورق بضغط شديد. والقلم اللي كان في إيدها التانية وقع على المنصة الخشب بصوت رنان خض القاعة كلها، والمحكمة كلها بقت زي المقابر.. مفيش صرصور حقل حتى يتنفس.
المحامي جلال فوزي مال على أبويا بسرعة وكأنه عايز يقوله حاجة بلهفة ورعب.
المستشارة نادية رفعت عينيها.
مش عليا أنا..
بصت لأبويا.
ملامح وشها كانت اتغيرت تماماً لدرجة ترعب.
ولما نطقت أخيرًا، كان صوتها فيه كمية ثبات ونبرة صارمة خلت حاجب القاعة وأمين السر يوقفوا كتابة ويتسمروا مكانهم:
”يا أستاذ… أنت عارف بنتك شغالة إيه؟”
“عمرك ما هتكوني فخري، واحدة مجرد ظابط صغير زيك إيه الحق اللي عندها عشان تطالب ببت ورثة العيلة دي؟ وقعي على أوراق تنازل البيت قبل ما أفرك الشوية الفكة اللي فاضلين من كرامتك الرخيصة دي هنا وفي وسط القاعة.” أبويا فحيح كلماته كان طالع من بين سنانه وهو ساند بكل تقله على ترابيزة المدعي.
قرب وشه اللي كان فاكره هيبة ومحترم—وهو في الحقيقة مجرد وش بلا رحمة—ناحيتي في وسط قاعة المحكمة. وجنبه، المحامين الغاليين بتوعه كانوا بيبصولي بابتسامة ازدراء وتحقير كامل، معتقدين تماماً إنهم النهاردة هيجردوني من كل حاجة وأي حاجة. ما رمشتش.
وما كشرتش حتى. وبدوافع وغريزة سريعة لظابط متدرب إنه يبص في عين الموت ووش المدفع من غير ما يتهز، ما أديتوش أي رد. كل اللي عملته إني قمت وقفت بمنتهى البرود والرزانة، وسويت لياقة بدلتي الكحلي، بالظبط بنفس الطريقة اللي بظبط بيها بدلتي العسكرية قبل أي اجتماع عمليات مع القيادة. صوت شاكوش القاضية رن في القاعة وعلم على الخشب.
المحاكمة بدأت. أبويا رجع بظهره لورا على الكرسي، وربع إيده بثقة وشماتة، قاعد مستني لحظة تدمير البنت اللي طول عمره بيعتبرها مالهاش قيمة. ما كانش عنده أدنى فكرة إني ما جيتش هنا عشان أضرب وأتفرج. تخطيت كل المرافقت والافتتاحيات الملوثة اللي مالهاش لازمة، وبصمت تام سحبت ملف هجومي المضاد—الملف المطبوع عليه الختم الأحمر الدموي بتاع الأمانة العامة لوزارة الدفاع والهيئة الهندسية للقوات المسلحة—ومديته على منصة القاضية.
بعد دقيقتين بالظبط، الهواء جوة القاعة اتقلب ورعب غريب ساد المكان. القاضية اتسمرت في مكانها. عينيها وسعت من الصدمة والذهول. القلم وقع من إيدها وعمل صوت رنان حاد على المكتب الخشب، ونسيت كل قواعد الجلسة والبروتوكول.
وقفت بصت للملف تاني، وبعدين رفعت عينيها لأبويا وللمحامين بتوعه اللي الابتسامة بدأت تتجمد على وشوشهم.
القاضية بصت لأبويا ونطقت وهي مش مصدقة: “أنت جاي ترفع قضية مدنية تطلب فيها وضع اليد وتتهمها بالتزوير… على بيت مبني على أرض مصنفة من أسبوع واحد فقط كمنطقة استراتيجية وعسكرية للأمن القومي؟”
صوت همس ورعب مشي في القاعة كلها. المحامي الكبير بتاع أبويا وشه اصفر ووقع منه القلم، وبص لأبويا بذهول: “أنت ما قلتليش إن الأرض دخلت كردون القوات المسلحة؟!”
القاضية كملت وبصت لأبويا وهي بتشاور بالملف: “مش بس كدة… بنتك مش مجرد ظابط يا أستاذ جمال. بنتك هي المشرّف والمسؤول الأول الميداني عن مشروع الخدمة الوطنية والأمن القومي اللي هيتقام في المنطقة دي كلها، والأرض والبيت مسجلين رسمياً بعقد تخصيص ووصية موثقة من رئاسة الأركان بناءً على أوامر الدولة بعد وفاة الجدة! أنت مش جاي تتخانق على بيت عيلة… أنت جاي تعطل مأمورية أمن قومي وتسرب معلومات وتفتعل قضية كيدية ضد ظابط مكلف بمهام سيادية!”
أبويا وشه بيضّ وزي ما يكون الدم اتقطع منه، بصلي وهو مش قادر يتنفس، إيده كانت بترعش وهو بيمسك في حرف الترابيزة. المحامي بتاعه بدأ يلم أوراقه بلهفة ورعب وهو بيعتذر للقاضية: “سيادة المستشارة… موكلي ما كانش يعلم… إحنا بنسحب الدعوى فوراً…”
القاضية ضربت بالشاكوش على المنصة بصوت هز القاعة: “تسحب إيه؟! الجلسة دي يتحول فيها المدعي ‘جمال الأبيض’ والمحامي بتاعه للنيابة العسكرية فوراً بتهمة البلاغ الكيدي، ومحاولة الابتزاز، وتعطيل عمل ظابط مكلف بمهام عسكرية أثناء التأدية! رفع الجلسة!”
الحاجب دخل والظباط وقفوا محاوطين أبويا والمحامي بتاعه. أبويا بصلي وعينيه فيها ترجي وخوف لأول مرة في حياته، شفايفه كانت بترعش وهو بيحاول يقول اسمي.
قربت منه، وقفت قدامه ببدلتي المفرودة، وبصيت في عينيه ببرود وقلت له بصوت واطي جداً ما حدش سمعه غيره:
”زمان قلتلي إني عمر ما هكون فخرك عشان مش بعرف أعيش في عالمك… النهاردة أنت في عالمي يا جمال بيه، وعالمي ما فيهوش رحمة للمعتدين.”
سبته ومشيت وخطوات جزمتي برنت في القاعة، وهو متكلبش وركبه مش شايلة جسمه.